نور الهدى غولي

لا يزال الكاتب الجزائري بشير مفتي وفيا لعوالمه الروائية الموغلة في الانتقاد والسوداوية والطرح الحميمي لأشد الحالات الإنسانية بؤسا.. لا يزال أيضا مصرا على عرض مرحلة انتفاضة الثمانينيات والعشرية الحمراء في الجزائر موضوعا للنقاش والمساءلة.

بل راح أبعد من ذلك حين راهن على قيام ثورة ثانية لتصحيح الراهن، إذ يبدو أن الانزلاقات الخطيرة آنذاك أدت إلى واقع مشوّه لا يختلف عن الحال السابق كثيرا. والرواية التي نشرت قبل ربيع الثورات العربية (2010) كانت تحكي واقعا جزائريا بحتا وتتنبأ بتغيير جذري وجديد له، وهو ما لم يحدث في الجزائر إلى الآن، لكنه حدث في أماكن تقربها، ويشي بحالة الانتظار هناك.

سيرتان.. وتعاطف
"دمية النار" هي حكاية "رضا شاوش".. حكاية الجميع أيضا في بعض جزئياتها، فقط لأنّ بطل الرواية شخص احترف البوح والحكي الاعترافي.. ما ساعد في المرور على حالات شعورية إنسانية مختلفة تمسّ الكثيرين. وهو ما يحسب للروائي قدرته على السرد المتشعب، الذي ينقل القارئ من نقطة معينة إلى أخرى بانسيابية لا تشعره بالانزياح من فكرة إلى أخرى.

رواية "دمية النار" التي نشرت قبل ربيع الثورات العربية كانت تحكي واقعا جزائريا بحتا وتتنبأ بتغيير جذري وجديد له

في الرواية سيرتان ذاتيتان.. الأولى مختصرة وإن كانت مكثّفة عن الروائي نفسه، والسيرة الثانية هي لرضا شاوش الذي ترك مسودة روايته لترى النور كيفما شاء. نحن أمام اعترافين وكاتبين وإن اختلفت مستويات السرد عندهما، إذ ترتفع الكفة أكثر لصالح الراوي المتخيّل. وندخل معه في اعترافاته الحميمة التي تجعلنا نتعاطف معه رغم غرابة ما كان يقدم عليه، وشاية، اغتصاب، قتل... .

كان الروائي حاضرا ليبرّر له أفعاله، بتقديم مونولوغات طويلة تسهب في شرح الحالة، وبحرصه الشديد أيضا على تقديم حالات ندمه على ذلك أو حتى من خلال تفسيرات طويلة من تأثير البيئة والمحيط وبالتالي يتحمّل الآخرون المسؤولية أيضا! لهذا كان القارئ يجد مساحة واسعة ليشهر تعاطفه مع كل ما يحدث!



فداحة الخسارة
من حي "بلوزداد" الشعبي بدأت حكاية الشاب رضا.. يشدنا بأمرين: علاقته الهشة والمشوّهة مع والده، وحبه الغريب لرانيا التي تكبره بسنوات وتحب غيره.

أمران سيكون لهما الأثر البالغ على حياته كلها لاحقا، كان يكره طريقة تعامل والده مع الناس خاصة قسوته مع والدته، ويمقت أيضا عمله في السجن أين كان يحترف تعذيب الناس هناك.

تأتي المفاجأة لاحقا بانتحار والده، وشعوره المتعاظم بتفاهته بعد أن يرى رانيا مع شخص آخر فيشي بها لشقيقها الذي يضربها ويوقفها عن إتمام دراستها.. وهنا يدخل في دوامة لوم نفسه وإيجاد تبريرات في الآن نفسه.

في نظر نفسه هو ابن رجل قاس وسجّان معذب للناس، وشخص تخلت عنه المرأة التي أحبها فدمرها بدوره وانتقم منها. ينتقد أيضا شقيقه الذي ورث مهنة والده.. ويراه صورة عن الخنوع والانذلال.

يظهر لاحقا صديقه "سعيد بن عزوز" الذي سيفتح له بؤرا أخرى، يصبح خادما وعضوا بجماعة نافذة في الحكم تعمل لصالحها دون أن تقيم اعتبارا لأي أمر آخر. تكون أرضيته للشر والانتقام جاهزة بعد كل الذي حدث، ويغدو مع مرور الوقت ذراعا يمينا ورجلا موثوقا في العصابة. ويأتي لاحقا أيضا حادث اغتصابه لرانيا بعد أن تتبع أمرها.

حتى إن بدا نص "دمية النار" موغلا كثيرا في سوداوية كالحة فإن إحداث إسقاط بسيط لهذه الرواية مع راهن الجزائر اليوم يجعلنا نكتشف أننا أمام نفس السيناريو، وضع متأزم، خانق، وينذر بانفجار قريب

وراثة الخطأ
كلما فكر رضا في إصلاح أمر ما زاده سوءا.. والشاب الذي كثيرا ما انتقد ماضي والده ورفضه، سرعان ما اندمج هو الآخر في ذات الخلية وصار "دمية بيد الشياطين". فكيف لشخص ساخط على الأمر في البداية أن يتحول إلى خادم مطيع وبإخلاص أكبر؟

يأمرونه بالقتل فيفعل في حق رجل حكى له عن ماضي والده، وأفشى له كيف أن والده ادعى الجنون وهو من قتله ليريحه من تأنيب ضميره.. تدخل الجزائر دوامة العشرية الحمراء، وحين تنتهي الحرب تعود رانيا لتطلب منه مساعدة ابنهما الذي التحق بالجبل وظل هناك. وهنا وقعت المفاجأة الأخرى.. له ابن "إرهابي".



رضا الذي كان يرفض الزواج وإنجاب أطفال فقط لكي لا يجلب لهذا العالم مزيدا من المجرمين والأناس السيئين، يصدم بحقيقة أبوته لشاب قد يقتله. هل قدّر لذاك الأب السجان أن يكون بسلالة تمتهن الشر، أم أن أجواء الوطن وذهنيات الآخرين هي ما كان يدفع دوما نحو السوء؟

تأتي دمية النار على هذا المنوال: في الخارج عالم متوحش يقبع في انتظار الجميع، ليس هناك بصيص من أمل في الخير إلاّ فيما ندر.

كتب الروائي بشير مفتي متنه الروائي (في نشر مشترك بين منشورات الاختلاف والدار العربية للعلوم ناشرون) متكئا على أحداث ما قبل وبعد فترة الثمانينيات من قرن مضى، وهو يرى أن حرب الجزائر تلك (انتفاضة 1988) لا تزال بحاجة لاشتغال أكبر ونقاش دائم حولها، لأنها لم تأخذ حقها كما يجب.

وحتى إن بدا نص "دمية النار" موغلا كثيرا في سوداوية كالحة فإن إحداث إسقاط بسيط لهذه الرواية مع راهن الجزائر اليوم يجعلنا نكتشف أننا أمام نفس السيناريو، وضع متأزم، خانق، وينذر بانفجار قريب.. تماما كما كان الأمر عليه قبل عشرين سنة من الآن.

المصدر : الجزيرة