لوحة "إينغر على حافة الماء" لإدوارد مونك

أنطوان جوكي-كاين

ينظّم متحف الفنون الجميلة في مدينة كاين (شمال غرب فرنسا) معرضا مثيرا للفنان النرويجي الكبير إدوارد مونك (١٨٦٣-١٩٤٤) يهدف إلى كشف عبقرية هذا العملاق عبر استكشافه وسيلتين تعبيريتين أساسيتين في عمله هما فن الرسم وفن الحفر.

اللوحات الزيتية المعروضة استعيرت من مجموعة راسموس ماير صديق مونك، وتغطّي المرحلة الممتدة من عام ١٨٨٨ إلى عام ١٩٣٠ من حياته الفنية.

لكن هذه الأعمال تركز بشكل خاص على مرحلة التسعينيات التي تُعتبر الأكثر إبداعاً وغنى في مسار الفنان. فخلالها كان مونك قد تعلّم التعايش مع الموت والمرض، بعدما توفيت أمّه ثم أخته الكبرى فأبوه، واختطف الاكتئاب منه أخته الصغرى.

وتفسّر هذه السلسلة من المآسي وحدها السوداوية والقلق الواضحين في أعمال تلك المرحلة، كما تفسر تحوّل ممارسته للرسم إلى مبدأ حيوي قال عنه "لوحاتي هي في الواقع سبْر للنفس ومحاولة لفهم روابطي بالوجود. إنها إذا شكل من الأنانية، لكني آمل دائماً بواسطتها في مساعدة الآخرين على رؤية هذا الوجود بشكلٍ أوضح".

اتساع الأفق
وفي اللوحات التي حقّقها بعد عام ١٩٠٠، يتجلّى اتّساع أفق مونك وتنوع مواضيعه واهتمامه بالمشهد الطبيعي أو المدني وبعالم العمل، إلى جانب عبوره نحو ألوان أقل قتامة، وهو تطور تفسره الشهرة التي كان قد بلغها في جميع أنحاء أوروبا، وفي ألمانيا خصوصا حيث شكّلت معارضه شراراتٍ أطلقت مجموعة حركات فنية ثورية، كالحركة "الانفصالية" (١٨٩٢) والحركة التعبيرية (١٩٠٥).

"المساء في شارع كارل يوهان"

وتفتننا لوحات مونك بثبات أسلوبها الفريد، وفي الوقت نفسه بقدرة صاحبها على تجاوز نفسه فيها باستمرار. لكن أعماله المحفورة (على خشب أو على الحجر) لا تقل أهميةً عنها.

بل ثمّة نقّاد وباحثون يعتبرونها معادلة أو حتى أهم مما أنجزه الفنان في فن الرسم، كمنظّمي معرضه الحالي الذين استعانوا بخمسين محفورة رئيسية له، تمت استعارتها من مجموعة "غونديرسين" النرويجية الخاصة، لإجراء مقابلة مثيرة بينها وبين أبرز لوحاته وإثبات صحة موقفهم.

تجدر الإشارة إلى أن مونك بدأ ممارسة فن الحفر في برلين عام ١٨٩٤، لكن مبادئ هذا الفن تعلّمها في باريس عام ١٨٩٦ فأنجز نحو ١٧ ألف محفورة حتى وفاته.

وإن بدقته أو بالتركيز الذي يتطلبه، سمح هذا الوسيط له بتحرير فنه وتعبيريته الشديدة وببلوغ فيه، أكثر مما في وسيط الرسم، تلك القدرة التوليفية التي سعى خلفها طوال حياته وتُشكّل ميزة عمله الأولى.

أكثر من ذلك، لم يكتف مونك بتطبيق تقنيات فن الحفر المعروفة، بل اختبر تقنياتٍ جديدة أنجز فيها أعمالاً فريدة تضاهي بقيمتها محفورات العملاقين ألبرخت ديورر وفرانشيسكو غويا.

ويعود اهتمام الفنان بهذا الوسيط إلى رغبته في تأمين انتشارٍ واسع لإنتاجه الفني. ومن خلال هذه الإستراتيجية التجارية، ساهم مونك بقوة، ومن دون أن يدري، في حركة تجديد فنون الحفر والرسوم المنسوخة، إلى جانب تولوز لوتريك. 

أما طريقة توزيع اللوحات والمحفورات داخل المعرض فلا تحترم تسلسلها التاريخي بل تتبع ترتيبا موضوعيا يعكس عالم الفنان الخارجي والداخلي.

ويبرر هذا الترتيب عودة مونك الثابتة في عمله نحو مواضيع مركزية استكشفها طوال حياته، كالنرويج والمرأة والكآبة والقلق والموت.

"الصرخة"
الاستنباط
وتقودنا هذه الظاهرة إلى الجانب الاستنباطي لعمله الذي لخّصه في أحد الحوارات معه بالجملة التالية "لا أرسم ما أراه بل ما سبق أن رأيته".

والتكرار هو ميزة ملازمة لفن مونك الذي ولع كلياً بإمكانية إعادة استنساخ الصورة أو إعادة تفسيرها داخل ظرفٍ جغرافي جديد أو بواسطة وسيطٍ تقني آخر.

فلوحة "الطفل المريض" (١٨٨٥) مثلاً التي نشاهد ثلاث نُسخ مختلفة منها في المعرض، رسمها من جديد في أعوام ١٨٨٦ و١٩٠٧ و١٩٢٠ و١٩٢٧، قبل أن يُنجزها حفراً وطباعةً.

وكذلك الأمر بالنسبة إلى لوحته "السيدة العذراء" (١٨٩٥) الحاضرة في المعرض بثلاث نُسخ محفورة ومختلفة، أو بالنسبة إلى لوحته الشهيرة "الصرخة" الحاضرة بنسخة محفورة وفريدة أسقط الفنان عليها بعض الألوان لتعزيز تعبيريتها.

ومن خلال تكرار بعض مواضيعه الثابتة بتقنية الحفر، سعى إلى مدّها بشحنة إضافية من القلق أو الإثارة أو اليأس، وبالتالي إلى التعمّق أكثر في هواجسه.

ولا يُهمل المعرض موضوع الإنسان داخل الطبيعة أو المدينة الذي ذهب مونك في معالجته الثابتة أبعد من مفاهيم حركتَي الطبيعية والرمزية.

ففي لوحات مثل "إينغر على حافة الماء" (١٨٨٩) أو "المساء في شارع كارل يوهان" (١٨٩٢) أو "منزل في ضوء القمر" (١٨٩٣) أو "كآبة" (١٨٩٥)، يصوّر الفنان عزلة الإنسان أمام قوى الطبيعة أو قلق جماهيرٍ تائهة داخل مدينة عدائية.

المصدر : الجزيرة