"نجمة" رواية تعد من أشهر مؤلفات كاتب ياسين (الجزيرة) 

 نور الهدى غولي

تماما كما كان حيا، ما يزال الكاتب الجزائري الراحل كاتب ياسين (اسمه الحقيقي محمد خلوطي) يفتح إلى الآن أبوابا على النقاش والمساءلة، إذ تمرّ الذكرى الثانية والعشرون على وفاته وهي تحمل مشاحنات وتكريمات واعترافات جديدة من طرف أناس عرفوه وعاصروه، وآخرين تخصصوا في دراسة إنتاجه الأدبي.

هو صاحب رواية "نجمة" التي ذاع صيتها على المستوى العالمي، وصاغ فيها منطقه الثوري المتمرد، لكنه وقبل ذلك، كان الشاعر الرومانسي ذا النزعة الغنائية الذي شكل أمر اعتقاله وسجنه صدمة قوية جعلت مسار حياته يتغير بالكامل. إذ كتب عن هذه التجربة يقول "استحوذت هذه الصدمة على معاني حياتي كلها، فالمأساة الجماعية تحولت إلى مأساة خاصة وذاتية".

منفى اللغة
فتح كاتب ياسين عينيه على ثقافة فرنسية استعمارية وإقصائية في السادس من أغسطس/آب 1929 بمدينة قسنطينة، هناك أنهى دراسته وهناك أيضا اشتعلت جذوة طموحاته وسلسلة تمرده اللامتناهية، مبتدئا بمقالات صحفية مناهضة للاحتلال الفرنسي بكل سياساته الهمجية.

ثم يكبر المراهق ومعه تكبر وتتسع مجالات الرؤية والانتقاد والحيرة. يكتب ديوانه الشعري الأول "مناجاة" على ضوء تجربته الأولى مع السجن، وبعد سماعه بتدهور صحة والدته قلقا عليه.

"أكتب بالفرنسية لأقول للفرنسيين إني لست فرنسيا".. هكذا وجد الكاتب الجزائري نفسه مجبرا على قول ما يريده بلغة أخرى. وتتوالى لاحقا أعماله الإبداعية تباعا، فيكتب الشعر والرواية وأخيرا المسرح، فكان له "أشعار الجزائر المضطهدة" ديوان شعري(1948)، "نجمة" ( 1956) ، ديوانه الشعري "ألف عذراء" ( 1958)، رواية "المضطلع النجمي" (1966)، مسرحية "دائرة القصاص" (1959)، وكذا "الرجل ذو النعل المطاطي" (1970).

عالم المسرح
يهجر كاتب ياسين الوطن بحثا عن مجال أوسع، قادر على أن يمنحه فرصة ليكتب عن الجزائر بالطريقة التي لم يستطع وهو داخلها، نقل مقالاته الانتقادية والداعية للاستقلال عبر منافذ متعددة، قبل أن يكتشف عالم المسرح الشعبي. وكان يرغب في ترسيخ هوية جزائرية بحتة بعيدة عن أي استلاب خارجي من شأنه أن يحيد الجزائريين عن ذواتهم.

ويقول "عندما كنت أكتب الروايات أو الشعر، كنت أشعر بالحرمان لأنّي لا أطال سوى بضعة آلاف من الناطقين بالفرنسيّة؛ بينما وصلنا من خلال المسرح إلى ملايين المشاهدين في غضون خمسة أعوام". 

كاتب ياسين كتب مقالات مناهضة للاستعمار الفرنسي (الجزيرة)
عاشق الرمز
يتكئ الكثير من النقاد خلال التعامل مع إبداعات كاتب ياسين على هامش كبير من الأدوات التفكيكية للعبة الرمز التي يهواها صاحب "نجمة"، فقد كان يصرّ على تقديم وجه مشفّر لكتاباته. كان يثق في قدرة بلده الجزائر على مواجهة تلك الحملة الاستعمارية الشرسة، ويثق أكثر في قدرة أبناء البلد على تجاوز ذلك الإرث الاستعماري الثقيل، داعيا دائما إلى خلق هوية محلية خاصة.

وقد عاش في منفاه الاختياري ليقول كل ما يريد، وبعد أن نالت الجزائر استقلالها عاد ليساهم في رسم جزائره الجميلة المشتهاة، لكن خيبته كانت أكبر من أن يتحملها، فحمل نفسه إلى منافي أخرى متشعبة عبر العالم، وظلّ يكتب عن صورة الجزائر الحقيقية التي لا يخدشها أي زيف أو تشويه.

ودّع كاتب ياسين اللغة الفرنسية في كتاباته، هو الذي كان يراها غنيمة حرب، كان منتشيا بسلاح جديد هو سلاح المسرح، الذي يخوله أن ينقل أفكاره الثورية والنضالية عبر اللغة المحلية والمحكية، كان يريد أن يصل لأكثر الناس بساطة عفوية، وحين عاد للجزائر مرة أخرى مطلع سبعينيات القرن الماضي، جاء بحلم كبير في إنشاء مسرح شعبي من عامة الناس وإليهم.   

"نجمة".. الأسطورة
يصنّف نقاد الأدب رواية "نجمة" على أنها من النوع الفاصل، أو ذاك العمل الأدبي الذي يحدث قطيعة شاملة بين ما هو موجود من رصيد أدبي سابق وما سيأتي لاحقا، فهناك أعمال أدبية على المستوى العالمي تحدث الفارق.

وكانت "نجمة" عملا رمزيا أدبيا فارقا بدوره، وقد أثنت عليها في البداية الساحة الأدبية الفرنسية، قبل أن تستقبل بحفاوة بالغة على مستوى أشمل، واعتبرت علامة فارقة في الأدب العربي المكتوب باللغة الفرنسية، وترجمت إلى لغات عالمية.

ولم تلتصق صفة بكاتب ياسين كصفة الرجل الثوري المتمرد النضالي، كان مناديا بالحرية والاستقلال حين كانت الجزائر تحت ظلم الاستعمار، انتقل إلى الفيتنام وظل هناك ثلاث سنوات مدافعا عن قضيتهم وعن القضية الفلسطينية، وعرف ككاتب فذّ في مجال الأدب التحرري الإنساني، وسرعان ما عاد للنضال بالجزائر تحت شعار الهوية الحقّة، كان يريد للجزائر أن تكون هي ببعدها الإفريقي الخالص.

لم تدّخر الجزائر جهدا في الاحتفال بذكرى الكاتب الذي خلدته رائعته "نجمة"، كان هناك عدد من الملتقيات الدولية والوطنية حول حياة ومؤلفات كاتب ياسين، ومن بين آخر الإصدرات مؤلف "نبي العصيان" لاحميدة العياشي والذي عنونه بآخر فرعي "عشر سنوات رفقة كاتب ياسين".   

انتهت مسيرة كاتب ياسين ذات يوم من عام 1989، وهو بمدينة غرونوبل الفرنسية يعالج من مرض السرطان.

المصدر : الجزيرة