غلاف "المعرفة الجديدة لبي أش أل: تحقيق حول أكبر مثقف فرنسي" (الجزيرة نت)
بوعلام رمضاني-باريس

"أنتم على خطأ. بي أش أل (اختصار برنار هنري ليفي) ليس فيلسوفا، أو مثقفا مؤثرا، أو مناضلا أو صحفيا مهنيا، فالرجل ليس سوى إشهاري من طراز نوعي عالٍ ونجم إعلامي ومؤلف كتب رائجة وصديق أكبر رجال الأعمال والسياسة وبينهم نيكولا ساركوزي.

ليفي يعرض ما يطلبه السوق، ويبدع مشهدية وحكواتية هوليودية عالمية ترضي وتسعد وسائل الإعلام وأصحاب النفوذ وصناعَ قرار يحميهم من النقد.

يحتل ليفي -الذي ولد في الجزائر عام 1948- صدارة الأحداث الفرنسية والعالمية، واتخذت شهرته خصوصية جديدة وغير مسبوقة مؤخرا أثناء الحرب على النظام الليبي باسم التدخل الإنساني.

ليفي يحارب إيرانَ نجاد وسودانَ البشير ويندد بجرائم الحرب ضد سكان دارفور، وهو نفسه الذي يكفر بحقوق المضطهدين حينما يتعلق الأمر بإسرائيل التي يعد ناطقها الرسمي.

الكلمات وردت على وجه الغلاف الخلفي لـ"المعرفة الجديدة لبي أش أل": تحقيق حول أكبر مثقف فرنسي" لمؤلفيْه جاد ليدغارد صحفي موقع ميديابار الواسع الانتشار وغسافييه دولابورت المنتج بإذاعة فرانس الثقافة، وهو نسخة مُحدثة ومنقحة للكتاب الصادر عام 2004 عن دار لاديكوفارت.

صانع الحرب
الكتاب (251 صفحة من القطع الكبير) يأتي في سياق كشف ثقافة "الخرافية" التي ميزت مسار ليفي السياسي والإعلامي والمثقف غير اليساري وغير الديمقراطي، حسب المؤلفيْن اللذيْن أكدا، كما فعل باسكال بونيفاس في "مثقفو التزييف" الذي قدمته الجزيرة نت، أن مضمونه -خلافَ ما يعتقده ليفي- ليس تصفية حساب شخصي، ولا هو سيرة ذاتية لأوليغارشي يخدم الأقوياء، وإنما مقاربة جادة وعميقة لمظاهر استفراد واحتكار بعض الشخصيات بكل أنواع النفوذ السياسي والاقتصادي والثقافي.

من هؤلاء ليفي الذي يعد صاحب مجلة فاشلة ("قاعدة اللعبة") وكاتبا وناشرا ورجل أعمال ووريثا ثريا وصحفيا ومثقفا وسينمائيا وروائيا ومستشارَ سياسيين وممثلَ بورجوازية مخملية تتبادل المصالح والصداقات والخدمات وتمارس الضغط.

استشهد الكاتبان بالمقدمة -تفاديا لتهمة معاداة السامية كما قال بونيفاس عن كل من يتجرأ على نقد ليفي- بكِتابِ المحلليْن الاجتماعييْن ميشال ومونيك بانسون شارلو "رئيس الأغنياء: تحقيق حول الأليغارشيا في فرنسا ساركوزي" والفيلسوف الكبير الراحل ميشال فوكو في كتابه "غير العاديين".

وكان فوكو أكثر قساوة في نقده "الخرافة ليفي" حين وصفه "بعنقاءِ مجتمع الاستعراض السخيف والبهلواني".

شهرة ليفي ازدادت بصدور كتابه "الحرب دون أن تُحَبّْ" عن دار غراسيه، مستلهما روح وسيرة مالرو وزير ثقافة الجنرال ديغول الذي قاوم مع الجمهوريين الإسبان ضد فرانكو الفاشي.

توظيف ساركوزي لليفي -اليساريِ فلسفيا واليميني سياسيا- مجرد صفقة انتهازية وتكتيكية بين قاضي فرنسا الأول وأميرِ وسيِّدِ اللوبي الدعائي والثقافي

وزير الخارجية
يحكي ليفي "وزير الخارجية الثاني بعد جوبيه" -كما وصفه المؤلفان- في 640 صفحة مائتي يوم بين الثوار، وكيف أقنع ساركوزي بشن الحرب، واتصاله به من بنغازي للظفر بموافقته على استقبال أعضاء المجلس الانتقالي، الذين وصفهم بـ"المساعيد الجدد"، نسبة إلى شاه مسعود أسد بانشير عدو طالبان ومجسد الإسلام الديمقراطي حسب تعبيره.

ويعتقد ليندغارد ودولابورت في كتابهما -الذي عُتّم عليه كما حدث مع كتاب باسكال بونيفاس- أن توظيف ساركوزي لليفي (اليساريِ فلسفيا واليميني سياسيا) لا يعدو كونه صفقة انتهازية وتكتيكية بين قاضي فرنسا الأول وأميرِ وسيِّدِ اللوبي الدعائي والثقافي الأول والأخير، المغلف في شكل فيلسوف مزيف، حسب أستاذه الراحل جاك دريدا.

ويضيف ليندغراد ودولابورت -متحدثيْن عن دور ليفي في الحرب- أن الصفقة تعكس في الجوهر مصلحة مكيافيلية تمكنه وساركوزي من تدارك هزيمتهما أمام الثورتين التونسية والمصرية، اللتين أثبتتا خطأ تحليلهما وتحفظهما وتأخرهما في مباركتهما.

كما أن استعمال ساركوزي لأشهر مثقف مؤثر في الساحة الإعلامية وطنيا وعالميا وصهيونيا، يسمح للرئيس الأقل شعبية منذ 1958 بالعودة بقوة إلى واجهة الأحداث بالقضاء على القذافي، الذي كان على وشك إبادة شعبه حسب تعبير ليفي الرافض لوصف الحرب على غزة بالإبادة، وشارون بالنازي، وصاحب مقولة "الجيش الإسرائيلي أكثر الجيوش أخلاقية".

ليفي الخديعة
"الخديعة الثقافية"، كما أسماه الفلاسفة الكبار مثل جيل دولوز وجاك دريدا والمؤرخ بيار فيدال ناكيه، أو "أمير الفراغ"، كما أسماه الفيلسوف كورنليوس كاستورياديس، كان محل تناول منهجي كامل وشامل.

نجم كل وسائل الإعلام دون استثناء هو أيضا من اتخذته سيغولين رويال المرشحة الاشتراكية المهزومة مستشارا قبل تشجيع وإقناع ساركوزي اليميني بشن الحرب، ومنتج وممول أفلام مُنِيت بفشل ذريع، وكاتب 38 مؤلفا في 38 عاما، 11 منها هي مقالات نشرت بالصحافة، وأخرى لا تمت بصلة للفلسفة، تعالج غيرته على حقوق الإنسان في دارفور والبوسنة وجورجيا وليبيا، وليس بفلسطين والعراق وسوريا اليوم، وقبلها الجزائر التي دافع عن جنرالاتها الذين نجحوا في محاربة "إرهاب الفاشيين الإسلاميين الخضر"، وغير الفاشيين بليبيا.

نجم الفلاسفة الجدد يلعب دور مالرو وسارتر، لكنه يجعل نفسه بطلا لكل كتبه تحت وطأة الأنا المرضية ويتناقض مع نفسه ويكذب ويزيف الحقائق -مثال اللقاء الكاذب مع مسعود- ويفهم الفلسفة لأنه ذكي ويكتب بشكل جيد لكنه ليس فيلسوفا حسب أستاذه الراحل دريدا.

أخيرا وليس آخرا هو مثقف كاذب ومزيف ومتناقض كما أثبت العديد من كتبه، وسفير الكيْل بمكيالين عندما يتعلق الأمر بمصلحة وأمن إسرائيل، ومحامي الإسلام الديمقراطي تارة والإسلام الفاشي والأخضر، ومجسد مقولة الخير والشر الأخلاقية على طريقة صقور البيت الأبيض.

المصدر : الجزيرة