كتاب "الجبل ضد البحر" للباحث الفلسطيني سليم تماري عقب ترجمته للفرنسية


أنطوان جوكي-باريس

لم نفاجأ بصدور الترجمة الفرنسية لكتاب الباحث الفلسطيني سليم تماري "الجبل ضد البحر" لدى دار "أكت سود" (سلسلة سندباد) بالتعاون مع معهد الدراسات الفلسطينية في بيروت، فالكتاب هو من أفضل الدراسات السوسيولوجية التي وُضعت بشأن مسألة انبثاق الحداثة في المشرق العربي، وفلسطين تحديداً.

وخلافاً لمعظم الباحثين العرب الذين عالجوا هذا الموضوع بشكلٍ مجرّد ومنمَّط ووقعوا في شرك التعميم عبر أخذهم المجتمع العربي أو الفلسطيني كوحدة دراسية، يمنحنا تماري صورةً معقّدة لدخول الحداثة إلى مجتمعاتنا، فيكشف اختلاف هذه الصورة بين المدن الكبرى أو العواصم والمدن الريفية الصغيرة والقرى، بين الجبل والبحر، ويقترح علينا تحليلاً فريداً وعميقاً للتحولات الاجتماعية في فلسطين خلال القرن العشرين من منطلق العلاقة الملتبسة، وغالباً الصراع بين ثقافة الساحل المنفتحة على الخارج وثقافة الداخل المنطوية على ذاتها.

في القسم الأول من الكتاب، يتبيّن لنا كيف ترسّخت في بداية القرن العشرين ثقافةً علمانية ذات طبيعة تجارية وكوزموبوليتانية (عالمية) في المدن الفلسطينية الساحلية الكبرى بفضل توفّر التقنيات ووسائل الاتصال
علمانية الساحل
في القسم الأول من الكتاب، يتبيّن لنا كيف ترسّخت في بداية القرن العشرين ثقافةً علمانية ذات طبيعة تجارية وكوزموبوليتانية (عالمية) في المدن الفلسطينية الساحلية الكبرى بفضل توفّر التقنيات ووسائل الاتصال، قبل أن تتوارى هذه الثقافة تدريجياً بعد تدمير مراكزها على يد إسرائيل وتحوُّل مدن الضفة الغربية وغزة الصغيرة والقروية الثقافة إلى مكان إعادة صياغة السلوك المعياري للمجتمع الفلسطيني والنظام الأخلاقي للمقاومة السياسية.

ويرى الباحث أن فرْض هذه المدن الصغيرة قيَمها التقليدية والمحافظة على جميع شرائح المجتمع الفلسطيني شكّل أرضيةً خصبة لانتشار التزمّت الديني ولنجاح حركة المقاومة الإسلامية (حماس) لاحقاً في تعبئة أبناء الريف والمدن والمخيمات معاً. لكن، بخلاف الكثير من الباحثين، لا ينظر تماري إلى انبثاق الأصولية الدينية في فلسطين كعودةٍ للتقليدية لاعتباره الأصولية الدينية ظاهرة حضرية تحتقر الحداثة بقدر ما تحتقر الممارسات التقليدية القبلية أو الدينية. أما التواطؤ بين أصولية وتقليدية الذي لوحظ خلال الانتفاضة الأولى فأسبابه سياسية ومسلكية.

وفي هذا السياق، يذكّر تماري بعدم تمكّن الحركات القومية واليسارية من تأمين أجوبة ملموسة على البؤس الناتج عن الاحتلال الإسرائيلي، أو من خلق محيط ثقافي لمساعدة الشعب الفلسطيني على مواجهة انهيار نظامه التقليدي، وانحدار دور العائلة القروية وتنامي صعوبات الحياة في المدن وانتفاء آفاق العمل أمام الجيل الشاب وعدم تأقلم البنيات الموجودة مع حاجات مجتمعٍ في حالة تطورٍ مستمر. وبالتالي، فإن فشل التقليدية ودعاة التغيير معاً هو الذي مهّد السبيل إلى الأصولية، بغض النظر طبعاً عن الواقع اليومي الفظيع للاحتلال.

في القسم الثاني من الكتاب يتوقف تماري عند سِيَر ومذكّرات مفكّرين وأدباء وفنانين مقدسيين من بداية القرن العشرين أناروا بحضورهم منعطفاً حاسماً في تاريخ فلسطين الاجتماعي الحديث، وتاريخ العالم العربي بشكلٍ عام
سِيَر ومذكّرات
وفي القسم الثاني من الكتاب يتوقف تماري عند سِيَر ومذكّرات مفكّرين وأدباء وفنانين مقدسيين من بداية القرن العشرين أناروا بحضورهم منعطفاً حاسماً في تاريخ فلسطين الاجتماعي الحديث، وتاريخ العالم العربي بشكلٍ عام. واختيار الباحث لهم غير عشوائي على الإطلاق، فكل واحد منهم يمثّل أو يعكس جانباً من الحداثة الفلسطينية (وأحياناً العربية) بشكلٍ غير متوقّع.

خليل سكاكيني مثلاً ثوّر تعليم اللغة العربية وقواعدها. ومنذ عام ١٩٠٧، ابتكر في مقالاته كتابةً تسد الهوة بين اللغة الفصحى واللغة المحكية وتتميّز باقتضابها وتجرّدها من الزخارف اللغوية التي كانت شائعة في القرن التاسع عشر. وفي الفترة ذاتها، وضع عمر الصالح البرغوثي كتاب "تاريخ فلسطين" الذي تكمن أهميته في المصطلحات التاريخية المستخدمة فيه وفي نظرة صاحبه إلى الحرب العالمية الأولى كعامل حداثة وتحرّر.

من جهته، سعى عالم الأنثربولوجيا الفلسطيني توفيق كنعان إلى جرْد العادات والتقاليد القروية كتمهيدٍ لدراسة أصول وطبيعة القومية الفلسطينية. ومثل كثيرين حوله، نظر إلى الثقافة الفلسطينية الحديثة كمركّبٍ من التقاليد الكنعانية والعبرية والنبطية والهيلينية والعربية المسلمة.

أما الموسيقار واصف جوهرية فيشكّل، أكثر من جميع معاصريه، شاهداً على زمنه. إذ تبدو حياته التي أمضاها برفقة الضباط والجنود العثمانيين والبريطانيين أو في الفنادق الخاصة لأرستقراطيي القدس أو في المهرجانات الشعبية، على شكل كرنفالٍ مستمر.

ولا ينسى تماري الكاتب اليهودي العربي إسحاق شامي الذي أسقط شخصيات رواياتٍه، المسلمة بمعظمها، داخل مشهدٍ فلسطيني ودمشقي ساحر لن يلبث أن يتحوّل بفعل الاستعمار الأوروبي والصهيوني ويدخل في حقبة القوميات المتصلّبة، أو المحرّض الشيوعي نجاتي صدقي الذي قام بتعريب الشيوعية وتطويرها من عقيدة خاصة باليهود القادمين من أوروبا الشرقية إلى اشتراكية عربية، وشارك، في سياق نشاطه السرّي، في النقاشات الحامية في موسكو خلال العشرينيات، ثم انخرط في الكتائب الدولية لمحاربة فرانكو قبل أن يُسجن في فلسطين خلال الانتداب، وفي النضال من أجل استقلال لبنان وسوريا.

المصدر : الجزيرة