من أعمال الفنان خوان ميرو

أنطوان جوكي-باريس

تنظّم مؤسسة "بايلير" الفنية في متحفها بمدينة بال السويسرية معرضاً ضخماً بعنوان "السرّيالية في باريس" يهدف إلى كشف الإنجازات الكثيرة التي حققتها هذه الحركة منذ انطلاقتها عام ١٩٢٤، والدور المركزي والطليعي الذي لعبته رموز الحركة على المستويين الفني والأدبي طوال هذه الفترة.

المسألة الأولى التي يتوق المعرض إلى إبرازها هو أن السرّيالية لم يتم حلّها على يد جان شوستر عام ١٩٦٩ نتيجة إرهاق أو تجاوز للقيم والأهداف التي رفعتها، بل لأن التيارات السريالية والحركات الطليعية التي انبثقت من رحمها واعتبرت نفسها امتداداً لها كانت قد أصبحت غزيرة بشكل يتعذر على أي شخص قيادتها أو تنسيق نشاطاتها ومواقفها، خصوصاً بعد وفاة أندريه بروتون عام ١٩٦٦.

ورغم إعلان دفن السريالية أو وفاتها في كثير من المرات، يكشف المعرض عن انبثاق مجموعات سريالية جديدة بعد عام ١٩٦٩، ليس في باريس فقط، لكن أيضاً في بلجيكا وألمانيا والولايات المتحدة وحتى اليابان. وما زالت السريالية تجسد الإرادة التي تقابل الواقع المأساوي للنظام السائد بالقوى المتفجِّرة للخيال.

السرّيالية والدادائية
أما المسألة الثانية التي يركّز عليها المعرض فتتمثل في إظهار الاختلاف الجوهري بين السرّيالية والدادائية الذي غالباً ما يهمله النقّاد لصالح رؤية خاطئة تجعل من السرّيالية مجرد امتداد للحركة الأخرى.

وفي الظاهر، تابع تريستان تزارا وبروتون الهدف ذاته، وارتكزا على نفس التقليد الفوضوي الذي ظهر في القرن التاسع عشر لمقابلة عالم "متحضِّر" سجين قواعد غير إنسانية وعبثية، بعالم ينعم بحرّية مطلقة.

لكن بينما اكتفى تزارا بالإدانة والسلبية والسخرية، رغب بروتون في تحرير القوى الخلاقة للمخيلة من أجل تفجير حواجز الفكر والإدراك والشعور القديمة التي تتحكم بحياة الشعوب، بواسطة صور ثورية.

ولأن بروتون ارتكز في تعريفه بالصورة السريالية على لوحات جورجيو دو كيريكو وخوان ميرو وملصقات ماكس أرنست ورسوم أندريه ماسون ومنحوتات هانز آرب، يكشف المعرض عن أعمال رئيسة لهؤلاء الفنانين، يتجلى على أثرها الدور الحاسم الذي لعبته الفنون التشكيلية منذ البداية في تحديد السرّياليين لمشروعهم ككل.

مان راي-المجموعة السرّيالية عام 1924
تطور السريالية
وتحظى مرحلة العشرينيات والثلاثينيات من نشاط السرّيالية باهتمامٍ خاص داخل المعرض نظراً إلى خصوبتها الفريدة وتطور الحركة الثابت خلالها الذي يشهد عليه عدد الشعراء والفنانين الجدد الذين انخرطوا فيها آنذاك، مثل لويس بونيويل وسلفادور دالي ورونيه شار وألبرتو جياكوميتي وفيكتور براونر وأوسكار دومينغيز وهانز بلمر؛ عدد يتجاوز بكثير عدد المطرودين منها أو الذين غادروها طوعاً.

وفي تلك الفترة، كتب بروتون في معرض تحديده الفن السرّيالي: "كي يستجيب العمل التشكيلي لضرورة مراجعة القيم الحقيقية التي يتفق الجميع حولها اليوم، عليه أن يرتكز على نموذج داخلي".

وتُميّز هذه المراوحة بين عالم خارجي وعالم داخلي، بين حلم وواقع، جميع الأعمال الفنية السرّيالية، كما تميّز رواية بروتون "نادجا" ورواية أراغون "قروي باريس" اللتين صدرتا في الفترة نفسها وتقودان قارئهما في شوارع وأزقة باريس التاريخية أو الاستيهامية حيث يتناوب الماضي والحاضر، المراقبة والتخيُّل، العقل والجنون، النص والصورة، ويتداخلان بشكلٍ يقلب الحدود العادية لإدراكنا.

ولأن هاتين الروايتين تشكلان نموذجين مثاليين للعمل الذي قام به السرّياليون على مدى نصف قرن تقريباً في مختلف ميادين الإبداع، نشاهد في المعرض طبعتهما الأولى إلى جانب مخطوطات ودواوين شعرية مزينة بالرسوم وكتب فنية وأعداد من المجلات التي أصدروها، كمجلة "أدب" أو "الثورة السرّيالية" أو "السرّيالية في خدمة الثورة".

ولا يُهمل المعرض الأفلام السينمائية التي حققها السرياليون، بل نشاهد في صالات صغيرة داخله فيلم أنتونان أرتو "الصدَفة والكاهن" وفيلمَي بونيويل ودالي "كلبٌ أندلسي" و"العصر الذهبي".

المصدر : الجزيرة