هند أبو الشعر أثناء مشاركتها بندوة فكرية بمنتدى شومان الثقافي (الجزيرة نت)

 حاورها/ توفيق عابد

جمعت القاصة والشاعرة والفنانة التشكيلية الأردنية هند أبو الشعر بين الحس الإبداعي والفني وصرامة البحث العلمي كمؤرخة وأكاديمية دون أن يطغى جانب على الآخر، وهي ترى في ذلك إثراء لا مثيل له، وهذا سر تألقها وسط المشهد الثقافي والأكاديمي الأردني وفقا للمتابعين.

يصفها البعض بأنها من ذوي القامات العالية علما وثقافة والتصاقا بقضايا أمتها. صدر لها خمس مجموعات قصصية و19 مؤلفا تاريخيا وأدبيا، أبرزها الرواية، إضافة إلى ستين بحثا تاريخيا وعلميا. الجزيرة نت التقتها وكان معها الحوار التالي:

كمثقفة تطلين على المشهد الثقافي، بصراحة كيف ترينه في ظل الربيع العربي؟

غلاف المجموعة القصصية شقوق
في كف خضرا لهند أبو الشعر (الجزيرة نت)

-لا يمكن تقييم المشهد الثقافي الأردني بعيدا عن المشهد الثقافي العربي، ولا يمكن للمثقف العربي إلا الاعتراف بأن عالما جديدا قد بدأ مع ما اصطلحنا على تسميته بالربيع العربي، وهذا يعني أن هناك حالة جديدة لها معاييرها ومتطلباتها وبالتأكيد نتائجها التي تفرض حضورها علينا.

وأقول إني لا أستطيع التنبؤ بحجم التغيير الذي سيطرأ على المشهد الثقافي العربي نتيجة الربيع العربي خطابا ولغة ووسائل اتصال وأشكالا فنية، لسنا نحن كمثقفين وأكاديميين الجزء الفاعل في المشهد، سنظل فيه، لكنه بعد عقد من الزمن سيكون مشهدا مختلفا بالتأكيد.

توصف ثقافتنا بأنها "ماضوية" تنحاز للتاريخ على حساب الحاضر والمستقبل، ما رأيك؟


- ربما كانت هذه الثقافة مبررة مع بدايات حركة النهضة، حيث كنا تحت سطوة الدولة العثمانية ونحس بأننا الشعب الذي أعطى العالم الإسلامي لغة القرآن الكريم، وبأن لنا تاريخا حافلا بالحضارة والعظمة، لكننا ترجلنا عن موقعنا وخضعنا لحكم الإمبراطورية التركية لأربعة قرون.

هذه المشاعر دفعت بأصحاب الرأي إلى استعادة الأمجاد والاتكاء عليها لتأكيد أحقيتنا في حكم أنفسنا بأنفسنا، ولا أظن أننا سنستمر في هذا الخطاب لأننا توازنّا وعرفنا حجمنا بين الأمم، ولم نعد نحتاج لأن نبرر قدرتنا على حكم أنفسنا بأنفسنا، لكن تمجيد الماضي الذي استمر عند البعض له ما يبرره.

وأقول بأن التحجيم أو التهميش والمبالغة في التمجيد ليست حالة طبيعية ولا بد من المنهجية والموضوعية في تعاملنا مع تاريخنا، مع التأكيد على أن التاريخ من المكونات الرئيسة في تشكيل الشخصية الجمعية، ومن هنا تأتي خطورته وأهميته.

من وجهة نظرك كمؤرخة وباحثة، ما تأثير القضية الفلسطينية على المشهد الثقافي والوجداني العربي؟ 

 من مؤلفات هند أبو الشعر (الجزيرة نت)

- قبل النكبة وبعدها كان الهم الفلسطيني يتسيد المشهد الثقافي العربي، لكن أحداث النكبة واقتلاع الشعب الفلسطيني من أرضه وتشتته جعل الهم الفلسطيني مكونا أساسيا من الهم الثقافي العربي.

صحيح أن لكل أرض عربية محليتها وهمومها وخصوصيتها التي انعكست على منتجها الثقافي، لكن الهم الفلسطيني كان دائما يؤرق ضمير المفكر والمبدع العربي، ومع ذلك فإن حجم هذه القضية لم ينعكس بشكل كبير على المنجز الثقافي، بزخم يوازي حجم النكبة البشعة التي عايشها الشعب الفلسطيني والشعوب العربية المجاورة، وما زلنا لم نكتب أدبا بعمق النكبة، فهل يكتبها الجيل القادم؟ ربما!
 
في آخر مجموعة قصصية "الوشم"، ما الذي أردت قوله، وهل بقيت الهموم الاجتماعية هاجسك؟

أحب أن أكتب تاريخ الأرض وما عليها، ولا أظن أن المعارك والدماء والأبطال والأباطرة هم وحدهم الذين يستحقون التأريخ

- كان هاجسي في "الوشم" يقوم على تطوير تجربتي "أتعب على لغتي وقصتي"، ولا أحب أن أكرر نفسي ولكل نص عالم جديد وتجدد.. أخاف على لغتي وروح تجربتي، لذا ضمت قصصا قصيرة مكثفة واحتوت على تجارب وقدمت شخصيات تفكر وتخاف على الواقع العربي ومخاوف الشخصية العربية وهمومها.

أحيانا أحاكم هذه المجموعة وأراها تتحدث بهموم أستاذة جامعية، وأحس بأنني أنظر فيها فتجربتي الفكرية أصبحت أنضج وهذا سينعكس على إنتاجي في القصة، فلم تعد الهموم الاجتماعية هاجس الشخصية لدي "هواجسها هنا كبيرة ومصيرية وإنسانية" لكن الخوف من الزمن والموت لاحق الشخصيات أحيانا بدلا من الفقر والسلطة، وهما من الهواجس المتسيدة على شخصياتي المبكرة.

كمؤرخة يقال بأن تاريخنا الحديث مزور يمجد الماضي على حساب الواقع المعاش، ما وجهة نظرك؟

- هناك فارق حقيقي بين أن تقرأ التاريخ أو أن تحاكمه بأدوات العقل والمنهج العلمي، وعادة ما يصدر القارئ العادي حكمه على ما وصلنا من روايات دون أن يكون لديه أدوات القياس والحكم وعندها يجد أن ما يكتب مزور، ونحن نعلم الطلبة الذين سيكتبون التاريخ بمنهجية صارمة لئلا يتحولوا لأدوات بأيدي البعض وعندها يصبحون أدوات خطرة.

لا أنكر أن ما تقوله ينطبق على بعض ما يكتب، وهناك مخاوف حقيقية من أن يصبح المؤرخ أداة لخدمة السلطة فليس كل ما يكتب مزور. أنا أرفض التعميم في أي حكم أسمعه والمنطق العلمي لا يقبل بمقولات عامة، المخاوف من انزلاق بعض الذين يكتبون التاريخ نحو الكتابة غير الموضوعية قائم والتاريخ خطر عندما يتم توظيفه لأغراض فئات، والفيصل هنا هو تعليم الناس المنهجية للحكم على ما يكتب.

البعض يتهمك بأنك مؤرخة مهادنة ولست صدامية، فكيف تردين على هذه الآراء؟

التحجيم أو التهميش والمبالغة في التمجيد ليست حالة طبيعية ولا بد من المنهجية والموضوعية في تعاملنا مع تاريخنا

- لقد انتهجت خطا واضحا ومدروسا منذ أن تحولت إلى العمل الأكاديمي، وبدأت أكتب التاريخ واستهواني البحث في الأحوال الاقتصادية والاجتماعية والطبقية، وتوجهت نحو كتابة التاريخ الاجتماعي والاقتصادي ولم اكتب في التاريخ السياسي و العسكري، وربما كانت خلفيتي ككاتبة قصة سببا في هذا التوجه.. هذا ما أحلله بيني وبين نفسي.

أحب أن أكتب تاريخ الأرض وما عليها ولا أظن أن المعارك والدماء والأبطال والأباطرة هم وحدهم الذين يستحقون التأريخ، لكن أعترف بأنني لست صدامية بهذا المعنى لأنني صاحبة موقف وأحفر بعمق في المصادر ولا أبني أحكاما مسبقة وأنتصر للحقيقة أولا وأنتصر للإنسان في كل ما أكتب.

تجمعين في أعمالك بين القصة التي تمزج الخيال بالواقع والتاريخ الذي يتطلب التزاما بالحقيقة، فكيف توازنين؟

الهم الفلسطيني كان دائما يؤرق ضمير المفكر والمبدع العربي ومع ذلك لم ينعكس بشكل كبير على المنجز الثقافي

-لا أجد الآن مشكلة في الجمع بين الجانب الإبداعي لدي وهو القصة والفن التشكيلي، وبين الجانب العقلاني والمنهجي بدراسة التاريخ كعلم وتدريسه، فقد تعبت عندما اتخذت قرار التحول إلى العمل الأكاديمي ووجدت نفسي أمام معضلة صياغة ونحت لغة جديدة في كتابة التاريخ تختلف عن لغة الإبداع، لكن دراسة التاريخ من مصادر رائعة شكلت لدي إثراء لا مثيل له لمخزوني وبت أعتقد أن على الكتّاب أن يقرؤوا التاريخ ليكون الأرضية الصلبة التي يقفون عليها.

لقد عملت بجهد لأوازن بين هذين العالمين، ووصلت إلى معادلة الإفادة من محيطات التاريخ الزاخرة لزيادة مخزوني ككاتبة تتعامل مع فن القصة والسرد، والإفادة من لغتي ككاتبة في تقديم نص تاريخي علمي وجميل في آن لا ينفر القارئ أو يخاطبه بجمود ولا يغيبه في مجاهل اللغة.

المصدر : الجزيرة