ملصق فيلم "قداش أتحبني" للمخرجة الجزائرية فاطمة الزهراء زعموم (الجزيرة نت)

نور الهدى غولي-الدوحة

كل شيء في الفيلم الجزائري "قداش أتحبني" أو (كم تحبني؟) الذي دخل مسابقة الأفلام العربية الروائية في مهرجان الدوحة ترايبيكا السينمائي في دورته الثالثة، كان مبنيا على ذاك الوجه المعبّر للطفل عادل (رسيم زنادي).. حكاية الطفولة المهدورة فقط لأن الأولياء قد لا ينتبهون لذلك.

وتراهن مخرجة الفيلم وكاتبة السيناريو فاطمة الزهراء زعموم على التقاط المشاهد لرسائل مررتها بكثرة عن المشاعر الإنسانية التي يصعب الانتباه إليها أحيانا.

المخرجة فاطمة الزهراء زعموم (يسار) مع بطل الفيلم رسيم زنادي (الجزيرة نت)
يوميات طفل
ماذا يعني الحب إن كنت ستتخلى عني في الأخير؟ ما هو الوفاء؟ هل ستتغير حياتي إن غيرت تفصيلا بسيطا فيها؟ هل يمكن تعويض هامش الوالدين بحضور آخر؟ مجموع أسئلة بريئة كانت تتقافز طيلة الفيلم في ذهن الطفل عادل (ثماني سنوات) الذي تركه والداه في بيت جده في انتظار التوصل إلى حل بينهما وهما على وشك الطلاق.

تبدأ يوميات الطفل في البيت الجديد ويعايش الإيقاع البطيء لحياة جدته وجده إلى درجة قد يتعب معها المشاهد من بطء مماثل. يضطر الطفل للتغيب عن مدرسته والاكتفاء بمرافقة جده للسوق القريب والاعتناء بعصافير البيت أو مساعدة جدته في الطبخ.

تنهمر صورة الجزائر في الفيلم بالكثير من التفاصيل، بأحيائها القديمة وعاداتها في الأكل وثقافة التستر والحجاب، بموسيقاها وأوضاعها الحياتية التي لم تتغير كثيرا منذ زمن. كان هناك زووم موفّق من المخرجة على هوامش حياتية جزائرية خالصة، فتمرير المشاعر الإنسانية لم يفوّت عليها الانتباه إلى ضرورة الكشف عن العادات والخصوصيات المحلية في أدق تفاصيلها.

بانتقال سلس بين مقاطع الفيلم يتعرف المشاهد على الجو العام للحكاية، عن التمزّق الأسري الذي صار يمس الكثير من عائلات اليوم، وعن رغبة الجد (الجيل القديم) في الحفاظ على ركيزة الأسرة، ومحاولة إقناع (الجيل الجديد) بضرورة التنازل من أجل الإبقاء على حياة طبيعية للطفل بعيدا عن فكرة الطلاق.

يجابه الجدّان بلافتة كبيرة يعلقها الوالدان: "لا تتدخلوا في شؤوننا، فهذه حياتنا الخاصة". هنا يجد (الجدان) صعوبة في التعامل مع الوضع، ويحاولان رعاية الطفل ومنحه كمّا كبيرا من الحب تعويضا عن فراغ أمه وأبيه. فهل ينجح الأمر؟

لم يكن الفيلم قصة معقدة أو حبكة مشتغلا عليها، بل فيه سرد حياتي مبسط يمكننا أن نصادفه كثيرا، لكن ميزة التقاط تلك الأحاسيس المرهفة هو ما جعل من الفيلم ذا عمق في المعنى
سرد مبسط
مع طول غياب أهله تتأزم نفسية الطفل. يترجم المشهد نفسه، في توتر العصفور المحجوز في القفص، في خلق هامش مشترك بين توتر الطفل والعصفور، فيعمل عادل الصغير على إطلاق سراحه، لكنه يبقى هو حزينا.

يغيّر أوراق جدران غرفة عمه (ينام بغرفة عمه الذي تزوج من فرنسية) طمعا في تغيير الأجواء من حوله وتساعده جدته في ذلك، لكن الوضع لم يتغير.

يمرض ويرفض الأكل ويحاول الجدان بكل السبل إخراجه من تلك الحالة التي أثرت فيهما. بالموازاة أيضا يطعّم الفيلم بقصة حب موازية بين شابين تحول الظروف المعيشية بين زواجهما، يسترقان لحظات خاصة لهما كلما وجدا لذلك سبيلا، ومع حكايتهما نلمس طابع الكوميديا في الفيلم. لقطات خاطفة تغير من مجرى الفيلم الدرامي المؤثر لبعض الابتسام والضحك، فالحياة بمطلقها تحوي كل الحالات.

جو حميمي آسر خلقته الفنانة الجزائرية نجية دباحي لعراف (الجدة خديجة)، قسمات وجهها الحادة وأجوبتها المختصرة الشارحة للأسئلة التي كان يطرحها بحدة حفيدها عادل. صوتها الجميل الذي غذى بقوة الموسيقى التصويرية في الفيلم. (هو صوتها الفعلي) كانت تدندن أغاني جزائرية وهي تحضّر وجبة الكسكسي أو وهي منشغلة بأعمال البيت والتنظيف.

تحاول الجدة جاهدة في الأخير أن تخرج حفيدها من دوامة خوفه وحيرته وتوتره، فتقصد مدير حديقة الحيوان حتى يسمح لعادل برعاية الحيوانات وهو ما سيخلق بهجة خاصة في نفسه. يعود عادل من جديد إلى المدرسة، وهو محاط بحنان كبير من طرف جديه في ظل غياب الأهل. يعيش يومياته بصورة عادية، وينتظر شيئا ما.

لم يكن الفيلم قصة معقدة أو حبكة مشتغلا عليها، بل فيه سرد حياتي مبسط يمكننا أن نصادفه كثيرا، لكن ميزة التقاط تلك الأحاسيس المرهفة هو ما جعل من الفيلم ذا عمق في المعنى.

ببساطة الحب الدافق الذي غمر به الجدان حفيدهما، تعويضا لما لا يعوض: "دفء حضن الوالدين". هل يكفينا عزاء هذا الحب المشاع من طرف أناس آخرين قريبين منا في ظل غياب آخرين انتظرنا منهم حبا أكبر؟  

المصدر : الجزيرة