الموسيقي أنور براهم (الثاني يسارا) مع عازفي فرقته (الجزيرة نت)

أنطوان جوكي-باريس

لم تعد تحصى المرّات التي امتحن فيها الموسيقار التونسي أنور براهم أسس شعريته الموسيقية بفتحها على غنائية موسيقى الجاز الغربية، والنجاحات المذهلة التي سجّلها في هذه المناورات الفريدة. والمرّة الأخيرة كانت "مسرح المدينة" في باريس حيث أدى المعزوفات الثماني من ألبومه الأخير "عيون ريتا المذهلة".

ورافقته في الحفل فرقته التي سجّلت معه هذا العمل عام ٢٠٠٩، وتتألف من عازف الكلارينيت الألماني كلاوس جيسينغ وعازف الغيتار الغليظ (Basse) السويدي بيورن ماير وعازف الدربوكا والطبلة اللبناني خالد ياسين.

بعد استيعابه وخلطه بمهارة نادرة الحساسيات الموسيقية الشرق أوسطية والمغاربية، أقدم براهم منذ أكثر من عشرين عاما على مقابلة هذه الحساسيات مع أشكال وثقافات وممارسات موسيقية أخرى 
حقل ثقافي واحد
في النص التقديمي للحفلة الذي وزع على باب المسرح، ارتأى الناقد الموسيقي الفرنسي ستيفان أوليفيي التطرق أولا إلى آلة العود التي يعزف براهم عليها، فكتب:"العود ليس آلة موسيقية مثل غيرها، بل فضاء مصالحة ورابط رمزي وسحري يوحّد داخل حقل ثقافي واحد شعوبا وتقاليد مختلفة ويتضمّن، في عراقة فنه، الإرث الموسيقي العربي والإسلامي بكامله".

وقد يبدو هذا التعريف عاما عند الوهلة الأولى، لكنه ضروري حين يتعلق الأمر بمحاصرة عبقرية أنور براهم الذي درس واستكشف بعمق جميع الأساليب التي ارتبطت بهذه الآلة الموسيقية على مرّ التاريخ قبل أن يفتح لها (وبواسطتها) فضاء عزف وتحاور جديد.

وفعلا بعد استيعابه وخلطه بمهارة نادرة الحساسيات الموسيقية الشرق أوسطية والمغاربية، أقدم براهم منذ أكثر من عشرين عاما على مقابلة هذه الحساسيات مع أشكال وثقافات وممارسات موسيقية أخرى وتجرأ على تهجينها بمهارة فريدة مع مختلف أنماط الإرتجال الموروثة عن موسيقى الجاز، أو على التحاور من خلالها مع التقليد الموسيقي الغربي بخصوبة نادرة.

وبذلك، صقل الفنان لنفسه -على مر الزمن والاختبارات- طريقة عزف كاملة الخصوصية، تُغامر بشكل رهيب في المسافة التي تأخذها من قواعد العزف التقليدي، وفي الوقت ذاته تحترم الروح التوليفية للموسيقى العربية إلى أقصى حدود.

ومثل جميع ألبوماته السابقة التي صدرت عن "دار الموسيقى المعاصرة" -الألمانية العريقة- وشكلت كما من الحوارات الغنية مع أبرز الوجوه الموسيقية الغربية، مثل يان غارباريك، ودايف هولاند، وجون سورمان، وفرنسوا كوتوريي وأو ريشار غاليانو، سعى براهم في ألبومه الأخير إلى إحداث تصادم بين ثقافات مختلفة، لكنه تصادم مثمر، وإلى ابتكار أراض جديدة بحبكه روابط مستحدَثة بين فضاءات الشرق النيّرة وضباب الرومنطيقية الألمانية الميتافيزيقية ومساحات الشمال الإسكندنافي الثلجية.

درس أنور براهم جميع الأساليب التي ارتبطت بآلة العود على مرّ التاريخ قبل أن يفتح لها (وبواسطتها) فضاء عزف وتحاور جديد
خشوع وحنين
فعلى أرضية متحرّكة ورقيقة من الإيقاعات التي يستخرجها خالد ياسين من الطبلة أو الداربوكا وبيورن ماير من أوتاره الغليظة، يخط براهم بعوده، في هذا الألبوم، نماذج هندسية مستمدّة من التقليد العربي أو زخرفات رهيفة مستوحاة من فن المنمنمة الفارسية ويعانق بخطوطها الملتوية والعذبة النواح الخافت المتصاعد من كلارينت كلاوس جيسينغ.

باختصار، موسيقى شديدة الدقة تتراوح بلا هوادة بين خشوع وحنين، بين عفة وشهوانية، وتشكل بالتالي سفرا حميميا وروحانيا رائعا، خصوصا لعُشاق الفضاءات الواسعة.

وعلى "مسرح المدينة" في باريس، توالت المعزوفات بالترتيب المتَّبع داخل الألبوم مخلّفة مناخات تعزيمية ومتمهّلة ساحرة أو أشكالا أكثر تقشّفا وزُهدا يتحرّر براهم وفرقته فيها من أي ثقل أو جاذبية لابتكار عالم حُلُمي وأثيري يستمدّ شعريته المرهفة وشواطئه المفتوحة من موسيقى الجاز بقدر ما يستقيها من التقاليد الشرقية التأملية.

ومنذ المعزوفة الأولى "عاشق بيروت"، يأتي التحاور بين الآلات الموسيقية والعازفين بثمار ثمينة. إذ يعلّق العود توقيعه المتعاقب ويرتفع صوت آلة الكلارينيت، بعد ذلك يتبنى الموسيقيون عزفا مقاميا قائما على إحلال مناخات ضمن مقاربات هادئة لمواضيعهم تميّز العزف المنفرد والاحتدام الجماعي معا، كما في معزوفة "عيون ريتا المذهلة" المستوحاة من قصيدة محمود درويش "ريتا"، وتبرّر إهداء براهم هذا الألبوم للشاعر الفلسطيني، أو في معزوفة "رقصٌ مع الأمواج"، والمعزوفتان قائمتان على الحنين والاستحضار.

أما معزوفتا "حالة اليقظة" و"توقّف في جيبوتي" فيمكن أيضا أن تحملا عنوان "إشراق" نظراً إلى العزف المرتجف على جميع الآلات في كلّ منهما، عزفٌ يملأ الفضاء السمعي تدريجياً بالنور، على شكل التماعاتٍ صوفية أو انطباعية متتالية.

المصدر : الجزيرة