واسيني الأعرج أثناء حضوره معرض الكتاب بالجزائر (الجزيرة نت)

حاورته في الجزائر/ أميمة أحمد

بلغته التي تجذب القارئ لشخوصه البسيطة اجتماعيا والحالمة بغد أفضل، وأسلوبه الذي يمزج بين السخرية والجدية في رواياته التي تربو على الثلاثين، تبوأ الروائي الجزائري واسيني الأعرج مكانة أدبية مرموقة في الساحة الثقافية العربية والغربية أيضا، وترجمت أعماله إلى عدة لغات.

ويراه كثيرون من أهم الروائيين العرب اليوم، حيث تغوص أعماله وشخصياته الروائية في جزئيات وتناقضات الواقع الجزائري والعربي أيضا، وآخر هذه الشخصيات دنيازاد في روايته الجديد "جملكية آرابيا"، التي تكشف خبايا الحاكم المستبد، كما كشفت أختها من قبل شهرزاد خبايا شهريار في ألف ليلة وليلة.

يشغل واسيني الأعرج -من مواليد 1954 بقرية سيدي بوجنان- منصب أستاذ كرسي بجامعة السوربون بباريس وجامعة الجزائر، ويكتب باللغتين العربية والفرنسية، كما حصل على جوائز أدبية عديدة، ومن أبرز أعماله: "البيت الأندلسي"، "أحلام مريم الوديعة"، "سيدة المقام"، "كتاب الأمير"، "شرفات بحر الشمال"، و"الليلة السابعة بعد الألف".

الجزيرة نت التقته في معرض الكتاب الدولي بالجزائر لعام 2011، حيث كان يوقع روايته الجديدة "جملكية آرابيا"، التي عايشت نهاياتها الربيع العربي في تونس ومصر، ومن هذه الرواية بدأ الحديث.

لنبدأ حديثنا من "الجملكيات العربية"، ماذا قالت دنيازاد في روايتك الأخيرة "جملكية آرابيا"؟ 

- كل القصة تدور في نسق حكائي بين دنيازاد وحاكم عربي، هذا الحاكم العربي عنده 14 قرن من الحياة، وهي حالة رمزية إلى الحكم العربي، ودنيازاد تنصحه لأن دنيازاد في ألف ليلة وليلة هي أخت شهرزاد، لكن شهرزاد تحدثت كثيرا في ألف ليلة وليلة، ودنيازاد هي التي تتحدث الآن في "جملكية آرابيا" وستقول لنا ما لا نعرفه نحن عن طبائع الحكم لأنها تتحدث من الداخل.

عنوان الرواية غريب قليلا، ولكن في الحقيقة هو عنوان مزجت فيه بين الجمهورية والملكية، طبيعة الأنظمة العربية بعد 50 سنة من الانقلابات تقريبا تحولت إلى نمط لقيط هو النمط "الجملكي"، لا هي مملكة نحاربها ولا هي جمهورية لنعرف كيف نطالب بحقوقنا داخل هذه الجمهورية.

عندما تطالعين النص يبدو لك وكأنه كتب البارحة، لأنه عندما كتبت نهايته أو أنهيته كان بالفعل في مناخات الثورات العربية، كان لهذه الثورات تأثير علي وعلى مسار هذا النص الروائي.

هذه الحلقات التراجيدية الرمزية بين الحاكم والمحكوم، هل هذا كان الدافع للثورات العربية التي نراها تؤرخ لمرحلة جديدة كما يقول البعض؟

الرواية التاريخية فيها جزء كبير من المادة التاريخية، لكن الأديب ليس مؤرخا، وإذا أراد أن يكون مؤرخا فسيكون مؤرخا فاشلا
- نأخذ الثورات العربية كخامة جماهيرية، كردود فعل بدءا من تونس ومصر وليبيا مرورا بسوريا واليمن والبحرين ودول أخرى مرشحة للثورة، وعلى الرغم مما يمكن أن يقال، فإن ردة الفعل تلك لا يمكن التنكر لها، وإلا سنكون ضد شعوبنا، فهي سابقة لأن طبيعة الأنظمة العربية بشكل عام هي طبيعة غير عادلة، وظالمة وغير ديمقراطية وقامعة للحريات.

ثم ماذا حققت هذه الأنظمة منذ 50 سنة؟ على مدى نصف قرن لم تفعل شيئا، اليابان أعادت بناء نفسها ماذا فعل هؤلاء الحكام في بلداننا التي تدعي أنها جمهوريات؟ 

وبالتالي من حق الناس في لحظة من اللحظات أن ينتفضوا، من حقهم أن يحركوا هذه البنية الآسنة، ولهذا أنا لا أشكك مطلقا في جوهر أو الخامة الداخلية الطبيعية الموجودة عند الناس من أجل استرجاع حريتهم المغتصبة.

يأتي بعد ذلك المشكل أخذ طابع آخر بالتدخلات الأجنبية مثلا في الحالة الليبية تحديدا، هذا الموضوع يدفعني لأن أطرح الكثير من الأسئلة، أنا لا ألوم الليبيين، لست في مكانهم، أتفهم الليبيين الذين كانوا في الوضع الذي كان القذافي وابنه يجهزون أنفسهم للقضاء على بنغازي.

ولكن المشكل، أنا كمثقف كبر وترعرع في جو معادٍ للاستعمار ومعادٍ للتدخل الأجنبي، هذه ثقافتي، يصعب علي أن أقبل بالتدخل الفرنسي الإنجليزي، لكن في الوقت نفسه يصعب علي أن أتهم الشعب الليبي بأنه عميل لحلف الناتو، ولهذا يحتاج الأمر للكثير من التأمل.

روايتك "جملكية آرابيا" تسرد تاريخ 14 قرنا، هل يمكن للروائي أن يكون مؤرخا؟

- هناك أنواع كثيرة من الروايات، دعينا نتكلم عن الرواية التاريخية، فيها جزء كبير من المادة التاريخية، لكن الأديب ليس مؤرخا، وإذا أراد أن يكون مؤرخا فسيكون مؤرخا فاشلا، ولهذا أقول من حق الكاتب أن يستفيد من التاريخ، لكن أن يعيد قراءة هذا التاريخ ويعيد هيكلة هذا التاريخ وفق المعطى الأدبي وليس معطى المؤرخ لأن المؤرخ يبحث عن الحقيقة العامة.

أنت تبحث عن التفاصيل داخل الحقيقة العامة، مثلا: المؤرخ لا يتحدث عن الحياة اليومية لحياة الأمير عبد القادر، لا يتحدث عن علاقات الأمير عبد القادر مع زوجاته، لا يتحدث عن حب الأمير عبد القادر لامرأة أو لتجربته العاطفية، هذا بالمطلق كشخصية تاريخية، لكن الرواية تستطيع أن تفعل ذلك.

 قرأت رواية عن نابليون كلها حميميات نابليون، كتبها كاتب فرنسي اسمه رامبو، في ثلاثة أجزاء، كلها حميميات نابليون، الكاتب قرأ التاريخ ويعرف أن نابليون كان لديه علاقات.. إلى آخره، لكن تفاصيلها هو الذي أنشأها، إذن أنت من منطلق الحقيقة الكبيرة تنشئ تاريخ التفاصيل التي لا يقولها التاريخ، هذا الفرق بين الروائي والمؤرخ.

يطرح دائما الأدب النسائي والأدب الذكوري، هل يمكن تصنيف الإبداع حسب الجنس؟

من حق الناس في لحظة من اللحظات أن ينتفضوا، من حقهم أن يحركوا هذه البنية الآسنة، ولهذا أنا لا أشكك مطلقا في جوهر أو الخامة الداخلية الطبيعية الموجودة عند الناس من أجل استرجاع حريتهم المغتصبة
- لا أعتقد أن هناك أدبا نسائيا وأدبا ذكوريا، لكن فيه خصوصيات نسائية وأخرى ذكورية، الأمر يختلف، لأنه لما نقول أدب، كأنه فيه أجناس تنشئها النساء وأجناس ينشئها الرجال، لكن هناك خصوصيات، وخصوصيات المرأة ليس فقط المسألة البيولوجية، لأن فيها تفاصيل، لأننا نحن نعيش في مجتمعات قهرية للمرأة، يجب أن نقوله.

المجتمعات القهرية تخلق نوع أمن الخصوصية عند المرأة، ونفس المجتمعات القهرية تعطي الحق والأولوية والتقييم الإيجابي للذكورة، لذا أظن فيه خصوصيات، لكن لا يوجد أدب رجالي وأدب نسائي بالمعنى المطلق.

يرى كثيرون أن أدب المغرب العربي غير معروف كثيرا بالمشرق العربي والعكس صحيح، بينما العلاقة مختلفة مع فرنسا حيث تنشر روايات جزائرية قبل نشرها بالجزائر.

- أنا لا أتفق مع هذه الأطروحة، لأن روايتي أول شهرتها كانت في المشرق، أتكلم على الأقل فيما يتعلق بحالتي الذاتية، وأقصد هنا أن بعض النصوص اخترقت هذه الحدود.

نحن نقرأ الأدب المشرقي بسهولة، وتقريبا أعرف كل الكتّاب، لأن المدرسة الجزائرية مؤسسة أصلا على الأدب المشرقي، أقصد الأدب الكلاسيكي مثل طه حسين والرافعي وجبران وغيرهم، لكن في العصر الحديث وقعت بعض القطيعة بين المشرق والمغرب، وصار الأدب المغاربي لا يصل للمشرق العربي ولا أدب المشرق يصل للمغرب العربي إلا لماما.

بدأ الآن هذا التفتح على النصوص، لكن يظل هذا النقص -للأسف- موجودا وعلينا أن نتداركه، وهو لا يرتبط في الحقيقة بإرادة الكاتب، بل بمؤسسات  تسويق الكتاب ومع ذلك نحاول ترميم الأمر بالطباعة في المشرق.

على الصعيد الذاتي لا أشعر بالفاصل بيني وبين المشرق، ربما لأني عشت في المشرق نحو عشر سنوات وتحديدا في سوريا، وجزء من عمري هو سوري، وولداي أيضا، ولهذا أنا حزين كثيرا على سوريا، فلا يمكن أن يعيش هذا البلد الجميل وشعبه الرائع، وهذه النخبة الثقافية الكبيرة مثل هذه الأوضاع الصعبة والمزرية.


هل  ترى أن الرواية العربية لعبت دورا في تفجير الثورات العربية؟ 

نحن أمام المرحلة الأولى وهي إسقاط النظم، لكن الثورة هي تغيير النظم، وليس فقط إسقاط الحكام أو رأس النظام، هل تأسست النظم الجديدة الأكثر عدلا والأكثر محبة أو الأكثر شوقا؟ ..
حتى الآن لم تتأسس
- الروايات العربية تحدثت في الخمسين سنة الأخيرة -على الأقل- عن أوضاع عربية مزرية، عن الفقر والظلم والحريات المفقودة وغياب المواطنة والمشاكل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية المختلفة.

هل نقول إن الثورات العربية مؤسسة على هذه الروايات؟ من الصعب قول ذلك، لكن نقول إن الروايات العربية كان لها دور من حيث هي نصوص أدبية تضع في أفقها مسألة الحرية كرهان أساسي، فالإنسان عندما يقرأ رواية سيتشبع بهذه العناصر التي تقولها الرواية.

كثيرون اعتبروا أن "جملكية آرابيا" تتحدث عن الثورات العربية، لا لم تتحدث عن الثورات العربية، هي تتوقف عند حدود انهيار الحاكم، بمعنى بداية هذا الوعي الناشئ الذي كان مخبوءا وأصبح الآن أمرا واضحا، لكن الثورات العربية هي في حركية، يعني لم تصل إلى أفقها، ونتمنى أن تنجح كلها، لأن الثورات عبارة عن مراحل وليست مرحلة واحدة. 

نحن أمام المرحلة الأولى وهي إسقاط النظم، لكن الثورة هي تغيير النظم، وليس فقط إسقاط الحكام أو رأس النظام، هل تأسست النظم الجديدة الأكثر عدلا والأكثر محبة أو الأكثر شوقا؟ .. حتى الآن لم تتأسس.

المصدر : الجزيرة