الكتابة الكثيرة هي أبرز ما كان يشغل إدوارد سعيد ويلح عليه بعد إصابته بالسرطان
(الفرنسية-أرشيف)

أحمد الشريقي

منذ أن وعى المفكر العالمي إدوارد سعيد -بعد رحلة كان قد وضع فيها اسمه في مصاف أبرز مفكري عصره- أن "سيف ديمكلس" مسلط على رأسه، وهو التعبير الذي اختاره لمعايشته لمرض السرطان الذي أصيب به، مدركا أن سني عمره معدودة، لم يفارقه هاجس ترك بصمته الفكرية التي بدأها بكتابه النقدي عن الروائي جوزيف كونراد، وأتبعه بكتابه المدوي "الاستشراق".

في العام 1991 تلقى سعيد نبأ إصابته بسرطان الدم، وبعد استيعابه الخبر الذي وضعه في موعد مؤجل مع الموت، بدأ رحلته المثيرة في السباق معه، مقررا أنه إلى أن يأتي ذلك الموعد فإن عليه أن يفرغ ما في جعبته من رصيد فكري وأدبي.

وتستعيد رفيقة عمره مريم سعيد أيامه الأخيرة، وأفكاره التي كان يهجس فيها قائلة "كانت الكتابة الكثيرة هي أبرز ما يشغله، وما يلح عليه بسبب الضغط الذي كان يلازمه، من أن الوقت بدأ يقصر وأن الفسحة المتاحة له ضئيلة جدا".

مريم سعيد تتوسط مصطفى البرغوثي (يمين) والعازف الإسرائيلي دانييل بانربيوم (الفرنسية- أرشيف)

نهم الكتابة
وتضيف زوجة صاحب "الاستشراق" -للجزيرة نت- خلال وجودها في الدوحة أخيرا أنه "مع كل إشراقة وصحوة كان يتيحها له العلاج من مرضه "اللوكيميا" النادر الذي أصيب به في العام 91 إلا عاد أكثر نهما للكتابة وكأنه في بداية تدشينه لمشروعه الفكري، وبداية إطلاق نفسه كناقد أدبي.

وفي غمرة نشوته التي كان يمنحها إياه العلاج كان لدية ثقة بالانتصار على المرض"، لافتة إلى أنه حتى في ظل المعاناة الهائلة لم يكن يفقد فكاهته التي كانت تخفف كثيرا عن العائلة من وطأة معاناته.

في أميركا التي شهدت ميلاده مفكرا وناقدا أدبيا عالميا كان إدوارد فلسطينيا بامتياز، يدافع عن قضية "خاسرة" في أوساط لا تلقى القضية ترحيبا فيها ولا صاحبها رغم اعتباره نجما ساطعا في أوساط الأدب العالمي، وفي العالم العربي كانت كتب صاحب "الثقافة والإمبريالية "تواجه منعا ولا تروق أفكاره حول دولة ثنائية القومية تجمع اليهود والفلسطينيين رضا كبيرا، لا في أوساط نخب ثقافية عربيا ولا حتى في أوساط شعبية.

بيد أن سعيد الذي شن هجوما كبيرا على الرئيس ياسر عرفات لدى توقيعه اتفاق أوسلو ودشن فراق الثقافة والسلطة، مقدما استقالته من المجلس الوطني الفلسطيني، لم يغير أفكاره بحسب مريم التي تؤكد أن "أبو وديع" كان يلح عليه مشروعه الإنساني أواخر حياته وفكرة العيش المشترك، مشيرة إلى المشروع الموسيقي مع العازف الإسرائيلي (دانييل بانربيوم) وحمل اسم الديوان الشرقي الغربي، الذي يضم عازفين عربا ويهودا، كان واحدا من الأفكار العملية التي آمن بها الراحل لفكرة التعايش والالتقاء الحضاري.

وما كان يشغل سعيد بحسب زوجته عندما أصابه سرطان الدم هو العودة إلى جذوره في الشرق وأن كتابه "خارج المكان" الذي سجل فيه ذكرياته في المكان الأول حيث طفولته في القاهرة، كان تتويجا للرغبة التي اكتنفته باستعادة أيامه الأولى في القدس والقاهرة.

وتشير إلى أنه بعد إنهائه كتابه الشهير "الثقافة والإمبريالية" اتجه -إضافة إلى كتاباته الصحافية في الأهرام والحياة اللندنية- إلى الكتابة في حقل النقد الأدبي الذي بدأ به مشروعه النقدي والفكري، وكتب فيما بعد "صور المثقف" والذي كان عبارة عن عدد من المقالات كان قدمها لإذاعة الـ"بي بي سي".

 إدوارد سعيد مع العازف الإسرائيلي
دانييل بانربيوم (رويترز)
جرأة نقدية
وترى مريم -زوجته الثانية، بعد زواج أول لم يعمر طويلا من سيدة أميركية- أن سعيد لم يتخل عن جرأته النقدية في أواخر حياته انسجاما مع الخط الذي بدأه في مستهل حياته الفكرية، ولم يكن يخاف من أي جديد يطرحه، لافتة إلى أن موقفه من الرئيس الفلسطيني عرفات من حرب الخليج الثانية لم يكن شخصيا بقدر ما كان حرصا على حياة الفلسطينيين في الكويت، الذي رأى أن موقف عرفات بالاصطفاف إلى الجانب العراقي كان مهددا لهم.

وتضيف أن موقفه من اتفاق أوسلو فيما بعد جاء من موقف مبدئي ومن قراءة متعمقة للاتفاق، وأنه قال لمنتقديه في ذلك الوقت لقد قرأت أوسلو بكل تفاصيله، لافتة إلى أنه كان دقيقا في رؤيته ومهتما بالتفاصيل.

وحول الربيع العربي وما تقديرها لو أن سعيد حيا، تلفت إلى أنه كان سيسعد بهذه الثورات، مشيرة إلى مناهضته احتلال بوش للعراق، وسجلت الحزن الذي اعتراه لموقف الشعوب العربية تجاه احتلال العراق في العام 2003.

وعن زواجها بسعيد تقول مريم التي كانت تعمل موظفة بنك، إنها تعرفت إليه من خلال أخته، لافتة إلى أن الفارق في الاختصاص المعرفي بينها وبينه لم يكن عائقا في التواصل والمشاركة في الآراء والاطلاع على كل ما يكتب، مشيرة إلى أن أهم ما كانت تحبه فيه هو موقفه وآراؤه السياسية.

وعن ردود الفعل التي كان يتلقاها تعتبر أن أهم ما يضايقه هو التأويل الخاطئ لمواقفه وتفسيرها في اتجاهات غير صحيحة، وتشير إلى ارتباطه الوثيق بجذوره، لافتة إلى أن ابنه الأكبر وديع تمت تسميته على اسم أبيه تقديرا للمحبة التي كان يحملها له، فيما اختار اسم ابنته نجلاء على اسم عمتها لإعجابه بالاسم.

وعن رغبته بدفنه في لبنان، تقول مريم إن علاقة حميمة كانت تربط زوجها به فأمه نصف لبنانية، وإن ارتباط عائلته يعود إلى أربعينيات القرن الماضي وكان يصيف وعائلته هناك، لافتة إلى أنه طلب في أواخر حياته أن يدفن في مدافن العائلة هناك لمحبته الشديدة لعائلته من جهة ومحبته للبنان من جهة أخرى.

المصدر : الجزيرة