الجزيرة نت-الدوحة

بحضور حشد من النجوم العرب والعالميين، افتتحت الدورة الثالثة من مهرجان الدوحة ترايبكا السينمائي مساء الثلاثاء بالمسرح المفتوح بالحي الثقافي (كتارا) بالعرض العالمي الأول لفيلم "الذهب الأسود" الضخم، الذي شاركت قطر في إنتاجه وصور جزئيا على أرضها.

وانطلقت فعاليات الافتتاح باستعراض المشاركين على البساط الأحمر وسط حضور كثيف لفنانين وإعلاميين توافدوا لمشاهدة أكثر من 13 فيلما عالميا تعرض للمرة الأولى، بالإضافة إلى 26 عرضا لمجموعة من دول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

 المخرجة اللبنانية نادين لبكي حضرت المهرجان بفيلمها "وهلأ لوين" (الفرنسية)
أسماء بارزة
وتشارك في المهرجان نخبة من أبرز الشخصيات في صناعة السينما في العالم، مثل أنطونيو بانديراس، وفريدا بينتو، وميشيل يوه، وعمر الشريف، وكذلك بمشاركة أبزر المخرجين السينمائيين مثل جان جاك أنّو، ولوك بيسون، ومورغن سبورلوك، وبافيل بافليكوفسكي.

وينضم إلى المشاهير ونجوم السينما العالمية، عدد من أبرز الأسماء في العالم العربي على مدار الأيام الخمسة للمهرجان، بينها الفنانون المصريون محمود عبد العزيز ويسرا ونبيلة عبيد وخالد النبوي وغادة عادل ومجدي الهواري والمخرج خالد يوسف.

كما يستضيف المهرجان كلاً من الممثلة التونسية درة زروق، والممثلة اللبنانية كارمن لبّس، والمخرجة اللبنانية نادين لبكي، والنجم السوري جمال سليمان، إلى جانب عدد من أبرز نجوم الكويت، مثل حياة الفهد، ومحمد بوشهري، وداود حسين.

ويحتفي المهرجان بالنساء أيضا من خلال فيلمين وثائقيين تدور مواضيعهما حول الرياضة، حيث يتحدث الفيلم الأول عن المحظورات التي تحيط بعالم المرأة ورياضة الملاكمة في تونس في فيلم "بنات البوكس" للمخرجين لطيفة ربانة الدغري وسالم الطرابلسي.

أما الفيلم الآخر فهو "سلام دانك" للمخرج دافيد فاين، ويتناول التجربة المؤثرة التي غيرت حياة فريق كرة السلة النسائي بالعراق. ويستند الفيلم المميز "أقلام من عسقلان" للمخرجة ليلى حطيط سالاس إلى قصة الفنان الفلسطيني زهدي العدوي، الذي اعتقل في عام 1975 وهو لا يزال في الخامسة عشرة من عمره.

أما فيلم "اختفاءات سعاد حسني الثلاثة" للمخرجة رانية أسطفان، فهو فيلم وثائقي يعتمد بشكل حصري على لقطات أرشيفية للفنانة سعاد حسني التي "مثلت رؤية للمرأة العربية المعاصرة" حتى وفاتها المأساوية عام 2001.

أنطونيو بانديراس في لقطة من فيلم الافتتاح "الذهب الأسود" (الجزيرة نت)

الذهب الأسود
وفي فيلم "الذهب الأسود" -الذي افتتح المهرجان وهو من إخراج الفرنسي جان جاك أنو- لا تمثل مقولة "نسيب" -وهو سلطان مملكة حبيقة العربية- "أن تكون عربيا يعني أن تكون نادلا على مأدبة العالم" إلا جزءا من إشكاليات جمة يتناولها الفيلم.

ويعرض الفيلم المقتبس من رواية الكاتب السويسري هانز روش "العطش الأسود" لجدلية التخلف والتقدم والعلاقة مع الآخر، والرؤى المتباينة لفهم النص الديني، ومراوحة فهمه بين رؤية متطرفة لا ترى في إنجازات التكنولوجيا الحديثة إلا واحدة من مخلفات الكافر وإنجازاته، وأخرى تدعو إلى الاستفادة من الثروات النفطية المكتشفة (الذهب الأسود) في إقامة المستشفيات والمدارس وغيرها من البنى الحداثية، وحافزا لبناء السلام بين المتصارعين.

وفي رؤية لا تخلو من مسحة استشراقية، يبني طاقم العمل رؤيته الدرامية على فانتازيا تاريخية لمملكتيْ "حبيقة" و"سالمة" الصحراويتين، إذ يكتشف النفط في منطقة متنازع عليها بين المملكتين. ويمتد الصراع بينهما لأمد طويل، فينتصر في البداية نسيب على مملكة عمار متخذا من ابنيه عودة وصالح رهينتين، وفيما يُقتل صالح ينشأ عودة في كنف نسيب موليا إياه أمانة المكتبة، منشئا لديه حب القراءة ليزوجه أيضا ابنته ليلى، في مسعى من نسيب للسيطرة على مملكة سالمة التي يقودها عمار.

وتتوالى أحداث الفيلم المقتبس عن رواية كلاسيكية للكاتب هاينز روش بإيفاد عودة إلى مملكة سالمة لمقابلة أبيه، حيث تقوده الظروف هناك إلى تولي القيادة والانتصار في النهاية وتوحيد القبائل تحت لوائه.

الممثلة فريدا بينتو في لقطة من الفيلم
 (الجزيرة نت)
الماضي والحاضر
وإذا كان العمل السينمائي يقدم مملكة حبيقة باعتبارها "نسبيا" نموذجا للحداثة، فإنه يقدم مملكة سالمة باعتبارها "نموذجا ماضويا" يمثل مقولات متأخرة عن مفهوم "الجهاد"، والعلاقة مع الآخر الذي يتولى اكتشاف النفط، والتشكيك في نواياه، وفيما تمثل حبيقة نموذجا عسكريا يعتمد الدبابات والطائرات، تبقى مملكة عمار تتخذ من الجمال والخيول أدوات حربية، لكن المفارقة التي يبنيها الفيلم هو انتصار هذه المعدات البدائية بفضل حنكة "عودة" وصبره الطويل، وانحيازه لقضايا القبائل المستعبدة التي تأخذها حماستها له في إطلاق لقب "المهدي المنتظر" عليه، في حين أنه -كما يبرزه الفيلم- يرفض تلك المقولة متمسكا بإنسانيته.

وفي مملكة عمار، يدور جدل واسع بين رؤية متشددة في فهم النصوص الدينية وبين رؤية عودة وشقيقه الطبيب الذي مثل واحدا من النماذج الساخرة من الواقع المجتمعي ومقولاته، التي تميل إلى الاعتدال وتنزع إلى السلام، لكن كليهما يجد نفسه في معمعة الحرب التي يبدع المخرج في رسم ملامحها، وإضفاء روح الأكشن على الدراما السينمائية.

وفي النصف الأول يقع الفيلم تحت رتابة حوارات طويلة هي أقرب إلى النموذج السينمائي العربي منها للغربي، لكن المخرج يبرع في النصف المتبقي من الفيلم ببعث الحيوية فيه حين ينقله إلى النموذج الحركي، ويخرج بالكاميرا إلى الفضاء الصحراوي، وبإبراز ملحمة العطش والمعاناة مع لهيبها عبر لقطات ساحرة.

وفي الوقت الذي تبدو فيه البنية الحكائية للنص ودلالاته الرمزية تحيل إلى الصحراء، فإن أجواء التصوير التي اتخذت من المغرب العربي مكانا لها (تونس) قد خدشت فكرة البيوت الصحراوية التي لا تمثل العمارة في المغرب النموذج المناسب له، وإن كان المخرج قد تذرع بتلك الأمكنة "لإبراز مفهوم الحريم الذي شاع في المغرب أكثر منه في الصحراء".

وبالمجمل فإن أداء كوكبة النجوم في الفيلم -وعلى رأسهم أنطونيو بانديراس- قد أعطى مسحة تشويقية لفيلم قدم معالجة مبسطة لـ"ثيمات" فكرية وسياسية كبيرة تعج بها "بلاد الذهب الأسود".

المصدر : الجزيرة