يوسف ضمرة

في منتصف العام 2008، نشرت مقالا بعنوان "صعود الثقافة المهمشة"، ولم أكن أعلم أن وراء ذلك الصعود في الثقافة المهمشة، صعودا للمهمشين أنفسهم في العالم العربي كله تقريبا.

لم أتطرق في المقال إلاّ إلى مظاهر ذلك الصعود، فكتبت عن تحرر الكتابة من الالتزام الميكانيكي الذي لازمها عقودا عدة، وأشرت إلى صعود كتابة المرأة التي شهدت في العقدين الأخيرين قفزات نوعية وكمية، وإلى صعود قصيدة النثر التي أصبحت سيدة الدوريات والمنابر، وإلى تنوع الموضوعات وانحيازها إلى الحرية.

واليوم، أكتشف أن ذلك المقال، لم يكن سوى قراءة سريعة أو مشوشة لما يحدث في العمق، لكنها قراءة تلمست التطورات والمؤثرات والتغييرات الشاملة التي كنا على أبوابها.

لم تكن مصادفة أن معظم القادة السياسيين والثوار كانوا يكتبون جنسا أدبيا أو أكثر، من ماو تسي تونغ إلى هوشي منه إلى غيفارا إلى عبد الرحيم محود وكمال ناصر وآخرين غيرهم
وأنا أرى المهمشين في العالم العربي ينتفضون هذه الانتفاضات النوعية والكمية، أدرك اليوم، أكثر من أي وقت مضى، أن الأدب مؤشر لا يخطئ الاتجاه أو التوقيت. وأن الأدباء تحديدا هم من أكثر الناس تلمسا للحراك الاجتماعي العميق الذي لا يُرى ولا يُحس إلا عند صعوده المعلن.

لقد أشار الزعيم التاريخي للأمة العربية جمال عبد الناصر، إلى أن رواية توفيق الحكيم "عودة الروح" لعبت دورا في صقل روحه الوطنية، وفي التفكير لاحقا بالثورة.

ولم تكن مصادفة أن معظم القادة السياسيين والثوار كانوا يكتبون جنسا أدبيا أو أكثر. من ماو تسي تونغ إلى هوشي منه إلى غيفارا إلى عبد الرحيم محود وكمال ناصر وآخرين غيرهم. وهذا يعني أن الأدب يشكل ما يشبه المؤشر العام في المجتمعات والأفراد، ويؤكد أن الثقافة هي من أهم العوامل المؤثرة في التغيرات الاجتماعية كما يشير علماء الاجتماع في هذا السياق.

وبالعودة إلى صعود الثقافة المهمشة، فقد صار ممكنا الحديث الآن عن متغيرات جديدة، ودلالات أكثر وضوحا، فحين صنّفنا كتابة المرأة وقصيدة النثر وموضوعات كحرية الفرد ضمن الثقافة المهمشة، كان ذلك اعتمادا على صعودها في المقام الرئيس. فالصعود القوي، يمنح الفعل دلالة الخروج من دائرة ضيقة أو من حصار غير مرئي، أي من تهميش تفرضه الشروط الموضوعية حينا، والمعطيات الأيديولوجية حينا آخر.

واللافت في هذا السياق، هو أن الأدب الموصوف بالثوري والملتزم، هو الذي كان سببا من أسباب التهميش الذي مورس ضد بعض عناصر الثقافة. وهو -أي الأدب الثوري- يلتقي هنا مع الثقافة المحافظة في بعض المراحل، فكتابة المرأة في العالم العربي عانت من التهميش بسبب الثقافة البطريركية السائدة في العالم العربي حتى وقتنا الراهن وإن شهدت صعودا نوعيا وكميا في السنوات الأخيرة.

وأنا أرى المهمشين في العالم العربي ينتفضون هذه الانتفاضات النوعية والكمية أدرك اليوم، أكثر من أي وقت مضى، أن الأدباء تحديدا هم من أكثر الناس تلمسا للحراك الاجتماعي العميق الذي لا يُرى ولا يُحس إلا عند صعوده المعلن
وقصيدة النثر عانت من التهميش بسبب هيمنة مفهوم الالتزام في الأدب، الذي جعل من قصيدة التفعيلة الثورية شكلا جامدا من أشكال الكتابة، تماما كما حصل مع الشعر الجاهلي الذي تكلس عند تقسيمات وموضوعات وأشكال معينة. والمضامين الثورية مارست تهميشا على موضوعات إنسانية أساسية ووجودية، عانت طويلا قبل أن تعاود الانطلاق مرة أخرى. فمن كان يجرؤ على كتابة قصائد الحب في بيروت المقاومة الفلسطينية مثلا؟ ومن كان يجرؤ على التطرق إلى القلق الوجودي الذي لم يعبر عنه أحد كما عبر الكتاب والفنانون عبر التاريخ؟

وبالتزامن مع صعود الثقافة المهمشة في العالم العربي، تحول الأدب الثوري إلى كتابة تقليدية، من دون أن يعني هذا انتقاصا من موضوع الثورة، لأنه ينطوي في الأساس على قيم إنسانية نبيلة، تقوم الثورات من أجلها أصلا. ولكن، يبدو أن كتابنا وأدباءنا وشعراءنا لم يفهموا معنى الأدب الثوري جيدا، أو كما يجب. فكان الاكتفاء بالمضمون الثوري، والحرص على قداسة الأشكال التقليدية، عنصرين متصارعين في جبهة واحدة.

كانت الرموز تقترب في تلك الكتابة من المساس بالمقدسات الثورية، وكان الغموض كذلك. وكان التكنيك المركب أو غير المألوف يشكل طعنة لذاك المقدس. وحتى بعد ترجمة العديد من الآداب العالمية، وبخاصة أدب أميركا اللاتينية الغرائبي، وما سمي بالواقعية السحرية، لم يشفع لكثير من الكتاب العرب الذين حاولوا الخروج من عباءة المقدس. تماما كالمرأة التي وجدت لنفسها مكانا في الثورة والنضال فقط. أما المرأة الأخرى فلم تتمكن من التعبير في شكل آخر إلاّ في وقت متأخر، وذلك بعد انهيار تلك المفاهيم التي شكلت فعل التهميش.

فُهمت الكتابة الثورية كصدى للواقعية الاشتراكية الميكانيكية، والتي كان أول من خرج عليها هم الكتاب السوفيات أنفسهم، ونذكر في هذا السياق روايات جنكيز آيتماتوف "وداعا يا غولساري" و"جميلة" و"السفينة البيضاء". ونذكر أيضا "داغستان بلدي" لرسول حمزاتوف.

كان من الغرائب الكبيرة أن يفتتن الكتاب والشعراء العرب بزوربا اليوناني مثلا، وأن تكون "الشراع والعاصفة" و"الثلج يأتي من النافذة" لحنا مينه رمز الكتابة الحديثة. وأن تقفز "شرق المتوسط" لعبد الرحمن منيف فوق "الأشجار واغتيال مرزوق". وأن يكتب منيف نفسه جزءا ثانيا لشرق المتوسط بعد سنوات، تلبية للقداسة التي طبعت ذلك النوع من الكتابة، على حساب كتابة ثورية حقيقية، لكنها في العمق لا في الشعارات والأيديولوجيا.

بالتزامن مع صعود الثقافة المهمشة في العالم العربي، تحول الأدب الثوري إلى كتابة تقليدية، من دون أن يعني هذا انتقاصا من موضوع الثورة
لقد أشار الفيلسوف والمفمر هربرت ماركوز إلى الكتابة الثورية، واعتقدَ أنها لا تتعين في المضامين الثورية، مقدار ضرورة تحطيمها الأشكال التقليدية في الكتابة، وهو ما جعله يعتقد أن رامبو وبودلير شاعران ثوريان جدا، بل وأكثر الشعراء ثورية في العالم.

وحدد ماركوز مفهوم الكتابة الثورية بتوافر عنصرين متناقضين، هما الهدم والبناء، هدم الأشكال التقليدية والثوابت المكرسة في الكتابة، وبناء أشكال جديدة مغايرة، ملمحا إلى أن الأشكال الجديدة التي ستنشأ سوف تحمل بالضرورة أفكارا ومفاهيم جديدة ومغيبة عن التداول. وهو يلتقي في ذلك إلى حد كبير مع الناقد الشهير"فان أوكونور" الذي قال: كل شيء في الرواية هو تكنيك.

وعودة إلى صعود الثقافة المهمشة، فإننا نكتشف أنه صعود لا يقتصر على الكتابة الأدبية وحدها، مقدار ما هو مؤشر على صعود بنية اجتماعية مهمشة، وطبقات مهمشة، تشكل في الأساس قلب المجتمع الإنساني، الذي يضخ الدم إلى أجزاء الجسد كلها. فلم يكن إقدام البوعزيزي على حرق نفسه سوى شرارة صائبة في هشيم مكدس. فلو لم يكن المهمشون وصلوا إلى استعداد مطلق للصعود، لما كان للحادثة سوى أن تنشر في الصفحات الداخلية كحادثة طريفة أو غريبة.

ولو لم يكونوا كذلك في مصر، لما تمكن صراخ المهمشين في تونس من الوصول بهذه السهولة. أي أن الكتلة المهمشة في المجتمعات العربية، كان جرى التعبير عن تهميشها في خلال صعود الثقافة المهمشة من قبل.

وهذه الثقافة المهمشة تمكنت في وقت قصير من احتلال بؤرة المشهد الأدبي في العالم العربي كله. ونذكّر فقط برواية المرأة، وقصة المرأة، وقصيدة النثر. ولم ننتبه في خلال هذا الصعود إلى أنه يشير إلى حراك أكثر عمقا، وأكثر حدة وشمولية. 

المصدر : الجزيرة