غلاف كتاب "تحيا ليبيا يا جدي" لجوزف غطاس كرم (الجزيرة نت)

الطاهر العبيدي

بين المهاجر والأوطان مسافات وجغرافيا وتاريخ، واختلاف في الأرض والطبيعة والمناخ، وبحث مستمر عن الشخصية والهوية والانتماء، وتماس موجع في عوالم الاغتراب.. تلك بعض الشذرات التي جاءت في ثنايا كتاب "تحيا ليبيا يا جدّي" للكاتب اللبناني جوزف غطاس كرم، ذاك المسكون إلى حد الهذيان بجراحات الانتماء إلى الوجع العربي.

ويمثل الكتاب استرجاعا لحلقات التاريخ المفقود، واستعادة الطفل العربي المبثوث قدرا أو اختيارا أو اضطرارا في مجتمعات أخرى غير مجتمعات الآباء والأجداد، ليكون المشهد ترحيلا معاكسا لطفل المهاجر، وسفرا عكسيا من الشمال إلى الجنوب لذاك الموزّع بين عالمين: بين وطن ينتسب إليه عبر النسل والامتداد والانتماء، وبين وطن المولد والنشأة، والمتأرجح بين ثقافتين: ثقافة المولد والمدرسة والشارع، وثقافة عائلة تختزن انتماء حضاريا وروحيا وعقائديا وتاريخيا.

اختار كرم أن يكون مهموما بالبحث والتنقيب في ثنايا العطب الفكري والاجتماعي للجالية العربية في المهجر، من خلال ملامسته عن قرب لقضايا الهجرة والمهاجرين، يلتقط نموذجا من مشاغل أبناء عرب ولدوا في المهجر وظلوا يبحثون عن الانتساب.

جاء الكتاب اختصارا لكل هموم أبناء المغتربين، وتحاورا بين التاريخ والحاضر، وانتفاضة على الراكد من هموم المهجر
سؤال الهوية
وزاوج المؤلف في كتابه بين الأدب والتاريخ والجغرافيا والفكر، وبين علم النفس وعلم الاجتماع، لتتشابك صفحات الكتاب مع قضايا الهوية والحضارة والتاريخ، تشابكا جريئا في استدعاء التاريخ، لتحصين الشخصية من إنفلونزا الذوبان في الآخر.

وانطلق الكتاب بسؤال مرّ من أحد أبناء المهاجرين إلى جدّه: هل نحن يا جدي أجلاف متخلفون وغير مدنيين كما ذكر مدرّس التاريخ؟ ليبدأ الحوار متنقلا بين ثنايا التاريخ والسياسة والحضارة والاجتماع، وتسترسل الصفحات متدفقة بالمعلومات منسابة بالأدلة والحجج والبراهين، لاستخراج المحطات المشرقة والرمادية من تاريخ ليبيا القديم والحديث، ونزع الأتربة التي تحجب الصورة الحقيقية لإشعاع هذا البلد ومساهماته في الحضارة الإنسانية.

كان الحوار ذكيا، واختار التواصل بين الأجيال، وقد ساعد في ذلك تمشيط المعلومات التاريخية والجغرافية المتدفقة والغزيرة، مما يدل أن المؤلف بحث ونقب في عدة مصادر متنوعة، على الرغم من أنه مشرقي المولد والموطن، إلا أنه بدا ملمّا إلماما كبيرا بتاريخ المغرب العربي، ويعود هذا إلى منطلقات المؤلف الفكرية والأيدولوجية، حيث يرفض واقع التشظي والإقليمية، ويتمسك قيميّا بالعروبة الحقيقية في أبعادها العلمية العصرية الفسيحة، بعيدا عن الحدود والحواجز الاصطناعية.

وتبعا لذلك جاء كتاب "تحيا ليبيا يا جدي" اختصارا لكل هموم أبناء المغتربين، وتحاورا بين التاريخ والحاضر، وانتفاضة على الراكد من هموم المهجر، وتماسا بين الجد الذي يختزن اعتزاز الانتماء إلى وطنه ليبيا -بلد العروبة والتاريخ- وبين حفيد لا يعرف من وطنه سوى الاسم، وهو غير ملام بحكم وجوده في الغرب منذ ولاته.

اختار كرم أن يكون مهموما بالبحث والتنقيب في ثنايا العطب الفكري والاجتماعي للجالية العربية في المهجر، من خلال نموذج من أبناء عرب ولدوا في المهجر وظلوا يبحثون عن الانتساب
وعي جديد
وتدرّج الكتاب عبر الصفحات في بث الوعي الوطني لدى الطفل المهجري الذي بدأت تتغير ملامح شخصيته، ليستعيد تدريجيا نبض الهوية والانتماء، وتكوّن فصول التحاور بين الجد والحفيد تنقلا وترحالا وسفرا في محطات تاريخية واجتماعية ومعرفية استيضاحية لكل مناطق الظل واستفهامات الحفيد، وجوابا على أسئلة الطفل المهجري، وتمزيقا للضباب الذي يلف واقع التذبذب والانشطار المخيم على أجيال ثانية وثالثة تعيش في الغرب منزوعة الهوية والانتماء.

ويتطور الحوار ويتقدم ليكبر معه وعي الحفيد، وينمو الحس الوطني، وتظل أوراق الكتاب مفتوحة على استفزاز حالات الوعي الكامنة في الانتساب إلى حضارة بلد، وطموحات شعب شارك في صنع التاريخ وصنع الحاضر، فبدا الجد خلاصة مشحونة بالمعرفة والتشبث بالانتماء، وتصدير الإحساس الوطني والرصيد الرمزي.

كان الحوار حميميا أحيانا، ومشتعلا أحيانا أخرى بالأسئلة المترعة بالحيرة والتذبذب، فيهرب الطفل من مثلثاث العلمانية والمدنية والتحرّر، ليحتمي بالجد الذي يراه مرجعا وقاموسا تاريخيا، ودفترا وطنيا مفتوح الكلمات، فينهال عليه  بالأسئلة القلقة: عن بلده والثورة والتاريخ، عن الجغرافيا وعن عمر المختار والصحراء، عن اللغة والعقيدة وعن أشياء كثيرة متناسلة في عمق الصحوة.

في آخر كل فصل من الكتاب، ينتفض الطفل شاهرا ولاءه للوطن الأم، للأرض والتاريخ والأجداد، صارخا "تحيا ليبيا يا جدي"، ليتوزع نداؤه مبثوثا على كل الذبذبات الإذاعية والترددات الفضائية، موجّها إلى كل آباء شرق المتوسط القاطنين هناك في الشمال، أن لا تتركوا أطفالكم يتجمّدون في ذهنيات الصقيع الغربي.

المصدر : الجزيرة