المؤلف الموسيقي رامي خليفة خلال العرض (الجزيرة نت)

محمد هديب

اختار المؤلف الموسيقي رامي خليفة اسم "فوضى" لعمله الأخير، لم يكن يريد القول إنه كونشيرتو البيانو والأوركسترا الذي قدمه لأول مرة مع أوركسترا قطر الفلهارمونية، بل ذهب حتى بالتسمية إلى التجريب الموسيقي وكسر النمط، قال: هي قطعة موسيقية من خمسين دقيقة للبيانو والأوركسترا.

ماذا تقول الموسيقى في هذا العرض؟ الولادة والدمار واللاعنوان والفوضى والانبعاث، خمس مراحل منفصلة ومتصلة في آن. يعود رامي -وهو نجل الفنان المعروف مارسيل خليفة- إلى حرب إسرائيل على لبنان عام 2006، ليرى المراحل التي تشكل الصورة الكلية للحرب على إنسانية الإنسان، فلا يجدها إلا دائرية في مسارها.

وعليه ينبغي الدفاع عن الوجود الإنساني في كل مكان، رغم التهديد الذي يدور في حلقة الوجود ويجعل العنف جاهزا ليبدأ من جديد.

لا أحد في الأوركسترا يمكنه الاستكانة إلى إغفاءة صغيرة، إنها الحرب التي تدفع كل آلة إلى أداء دورها ضد الدمار
استنفار الآلات
المقطوعة تستنفر إلى الحد الأقصى كل الآلات الموسيقية في الأوركسترا، وتستخرج منها طاقات تعبيرية صعبة، بل يذهب أبعد من ذلك ليقول: لا أحد في الأوركسترا يمكنه الاستكانة إلى إغفاءة صغيرة، إنها الحرب التي تدفع كل آلة إلى أداء دورها ضد الدمار.

في ذروة الفوضى ستسمع أصوات القذائف وسيارات الإسعاف والبنادق وصراخ الناس. وتفلت الموسيقى من العرف الموسيقي الكلاسيكي، وتتشظى حتى إن آلات الإيقاع والنفخ تهرب من الهارموني، لأن الفوضى والدمار بلا مسطرة قياس، إنهما معا ضرب لنسغ الحياة وتشويه لصورتها الفطرية.

جعل المؤلف الموسيقي من المرحلة الثالثة واسطة في المراحل الخمس. تركها بلا عنوان، وهذه الـ"بلا" هي الخواء والذهول. ستسمع الفلوت يذهب بعيدا حتى يكاد يذوي، وتسمع نقرات البيانو البطيئة حتى أخفض درجاتها وحيدة مثل حصاة في بئر بلا قرار، وستترك الموسيقى البعيدة مجالا لصور ما بعد الزلزال، صور غير مرتّبة قد يلوح منها شبح طفل يبحث عن أمه في الطريق، أو ألعابه بين الأنقاض.

كان رامي خليفة في باريس يرى تدمير بلاده بآلة الحرب الجهنمية 2006، حتى خرجت الطرفة تناكف التراجيديا وتقول: إن إسرائيل أجهزت على الجسور كلها وتبحث عن "جسر اللوزية" في أغنية فيروز لتكمل مهمتها.

وحين كتب هذا العمل يقول "ناهضت الحرب كلها واستعدت المقولة الشهيرة "إن أفضل ما فيها هو انتهاؤها، وكنت على الدوام أفكر كيف نقاوم الموت؟ ينبغي أن نرفضها وأن نولد من جديد".

خرجت الموسيقى برمتها من الثوب الكلاسيكي وكان البيانو في المقدمة الأكثر جرأة على اقتحام النمط
اقتحام النمط
إن الحرب بالحرب تذكر، ورغم ما في الحروب من أعداء تتغير مواضعهم وبزاتهم إلا أن رامي يقول: "استرجعت طفولتي كلها من خلال هذه المقطوعة، فلم تكن الحرب فكرة عابرة في لبنان، وإن كلا منا يحمل في صدره صور مقرّبين ضاعوا بسبب لؤم الحرب أيا كانت هويتها، فيما الجميع اشتركوا وتوحدوا في لحظة محدقين في الكابوس".

قرر المؤلف الموسيقي أن تكون حصة القبح والدمار أكثر ما تشيعه أجواء مقطوعة "فوضى"، وبإصرار يقول: لا أريدك أن تخرج إلا متضايقا، فأنا لا أقدم زفة عرس بل دمارا وميلادا وفوضى وانبعاثا. هذه مراحل غير منقطعة بل تتناسل من بعضها في حرب بين المحو والبقاء.. البقاء الذي نريد وليس الذي يراد لنا. يهمني أن تبرز صورة القبح لنتمسك بالمعنى الجميل.

خرجت الموسيقى برمتها من الثوب الكلاسيكي وكان البيانو في المقدمة الأكثر جرأة على اقتحام النمط. فكان رامي خليفة واقفا يترك مفاتيح البيانو ليضرب على أوتار البيانو. إن الموسيقى تخرج هنا من الأحشاء، ثم يضغط على الأوتار وضرب مفاتيح البيانو في آن، فتصبح الموسيقى مخنوقة بلا أكسجين.

من غير المتوقع أن يكون الانبعاث وهو المرحلة الأخيرة من المقطوعة، انتصارًا بقرع الطبول. لو حدث هذا لما وصف رامي خليفة واحدا من أكثر مؤلفي القرن الحادي والعشرين إثارة للاهتمام ولما وصفته المحافل الموسيقية بـ"مغير ملامح الموسيقى".

تبدأ آلات النفخ بافتتاح مرحلة الانبعاث وتلوح فيها دائما ذيول المراحل السابقة التي تترصد بهذه الخاتمة، أما اللحظات الأخيرة فيترك فيها البيانو وحده هادئا يروض كل هذا العنف والفوضى ويخلو بالمستمع مثل قصيدة هايكو يابانية لا تحفل بالملحمية وتترك للختام أن يكون قريبا للتأمل وبلاغة الصمت.

المصدر : الجزيرة