أحد العمال يوزع صحيفة "عشرون دقيقة" مجانا بمدخل المترو بباريس (الجزيرة نت)

الطاهر العبيدي-باريس

برزت بفرنسا ظاهرة الصحافة المجانية التي سرعان ما اكتسحت الفضاء الإعلامي في ظرف وجيز، وباتت تشكل خطرا على الصحافة التقليدية، بما فيها تلك الصحف العريقة التي أضحت تعاني انكماشا بالمبيعات، وانخفاضا بعدد القرّاء وتراجعا ماليا.

وقد انطلقت التجربة مع بداية صدور أول يومية مجانية تحمل عنوان "عشرون دقيقة" سنة 2006 ولاقت إقبالا شعبيا كبيرا، واستحسانا لدى المواطن. ويتمّ توزيع الصحيفة مجانا بمحطات القطار والأماكن العامة، ضمن نقاط ثابتة وبالمداخل والمفترقات المؤدية للقطارات السريعة والحافلات والمطارات.

إحدى القارئات تأخذ صحيفة "عشرون دقيقة" التي توزع مجانا بفرنسا (الجزيرة نت)
انتشار سريع
وساعد في انتشار صحيفة "عشرون دقيقة" حجمها الصغير الذي يخوّل للقارئ طيّها ووضعها بالجيب دون أن تنكمش الصفحات، إلى جانب تميّزها بالوضوح والترتيب في الإخراج والسهولة بالتبويب والأركان.

والأهم من ذلك هو الاختصار في المحتوى، مع  تلخيص موجز ودقيق للقضايا المختلفة المتعلقة بحياة الفرنسيين اليومية، ومختصرات حول الأوضاع الدولية والعالمية، مما يجعل المواطن مطلعا على كل ما يتعلّق بمحيطه وما وراء حدود بلده بأقصر وقت ممكن، خصوصا وأن الوقت يعتبر أكبر تحد أمام النسق الأوروبي السريع.

وتظل مجانية هذه الجريدة من أبرز أسباب انتشارها وشعبيتها، وهي تستند أيضا إلى شبكة توزيع تعتمد التوقيت الصباحي الأمثل، حين تكون محطات النقل في ذروة الاكتظاظ بالمسافرين.

أما على صعيد الدعم، فلم تتبع الطرق التقليدية في الاعتماد على الإشهار العادي المتاح، بل سعت إلى عقد صفقات إشهارية استباقية عدة سنوات متتالية مع بعض أشهر المؤسسات التجارية، مقابل مساحات من الإشهار للتعريف بمنتجاتها الجديدة، مما وفر لها رصيدا ماديا معتبرا تمكنها من جني أرباح مالية صافية قدّرها الخبراء الماليين بـ64 ألف يورو (88.4 ألف دولار) يوميا.

كما أن انتشارها الشعبي الواسع جلب لها عروضا أخرى، وباتت تقيم شراكة إشهارية مع كبريات الفضائيات والإذاعات الفرنسية. وقد تخطّت هذه التجربة الحدود الفرنسية لتقتحم بلدانا أوروبية أخرى مثل بلجيكا وسويسرا وإسبانيا.

كما أن إدارة هذا المشروع بصدد دراسة إمكانية تصدير هذه التجربة لإحدى البلدان العربية، خصوصا بعد هبوب نسائم الربيع العربي، وفق ما يتردد بالكواليس. 

أحد العمال يوزع الصحيفة في ساحة بباريس (الجزيرة نت)
هواجس الصحافة التقليدية
وأمام تشكل هذا الواقع الإعلامي الجديد، تتناثر الأسئلة القلقة حول مستقبل الصحافة التقليدية، التي باتت تخنقها ظاهرة الصحافة المجانية، بعد أن ساهم الإعلام الإلكتروني أيضا في تراجعها.

وتأثرت الصحافة التقليدية كثيرا من جراء هذه التجربة المجانية، ممّا دفع المعنيين والمتضرّرين إلى الاحتجاج والاعتراض، بسلسلة من الإضرابات التي لم تفلح في إخماد هذه الظاهرة، التي باتت تلون المشهد الإعلامي الفرنسي وجزءا من النسيج الشعبي.

واعتلت "عشرون دقيقة" الصدارة من حيث عدد القرّاء، وفق الاستبيانات المتتالية، بمعدل مليونين و733 ألف قارئ يوميا. بفارق كبير عن اليومية الرياضية "ليكيب" (الفريق) التي ظلت سنوات تحتل المرتبة الأولى، وفقا لبيانات المعهد القومي الفرنسي للإحصاء المختص لسبتمبر/ أيلول 2010.

كما أنها تجاوزت شهرة جريدة "لوموند "وعدد قرائها بحوالي مليون قارئ، ممّا دفع هذه الأخيرة لتقليد التجربة عبر بعث يومية إضافية مجانية، تحت اسم "ديريكت ماتان "(الصباح المباشر) تمكنت من استقطاب "مليون و752 ألف قارئ يوميا.

وظهرت على الساحة  أيضا عدة تجارب اتخذت هذا المنحى، أبرزها اليومية المجانية "لومترو" (المترو) التي وصل عدد قرائها إلى مليونين و440 ألف  قارئ يوميا، ممّا أهّلها للفور بالمرتبة الثانية ضمن ترتيب الجرائد اليومية. 

المصدر : الجزيرة