يوسف ضمرة

في رواية غارسيا ماركيز "مائة عام من العزلة"، تساءل الجميع عن معنى مشهد الغريب للفتاة الطائرة، وفسّر كل واحد الأمر من زاويته، لكن الانشغال بهذا المشهد أنسى القراء مشهدا أكثر غرابة، وهو عثور العقيد بوينديا -بطل الرواية- على سفينة على اليابسة، تبعد مسافة أربعة أيام عن البحر.

ويقول ناقد إسباني في هذا السياق إن القارئ "سيظل يفكر في هذا المشهد من دون العثور على إجابة ما، لكن التفكير الموازي هو الأهم، فإذا كنا نتساءل عما أتى بهذه السفينة إلى هذا المكان، فهذا يعني التساؤل عما هو أكبر وأهم وأخطر.. كيف جاء الإسبان إلى هذا المكان ولماذا؟ وكيف يقررون استعباد شعوب لها تاريخها وثقافتها وحريتها؟".

هذا المثال يعطي معنى جديدا للواقعية السحرية، فهي ليست مجرد اتكاء على أساطير وثقافة أسطورية متجذرة، ولكنها تستفيد من هذه الثقافة كي تصل إلى ما هو أبعد. صحيح أن الأدب يفتح الباب للتساؤلات، ولكن الأهم أنه يفتح أبوابا للتفكير والتأمل والوصول إلى معرفة جمالية.

لننظر إلى ما يسمى بالثورات العربية قليلا، فسوف نجد الرسائل عنها مكررة ولا تختلف عن سابقاتها
واقعيات أخرى
لقد فتحت الواقعية السحرية الباب واسعا أمام واقعيات أخرى، بل يمكن القول أمام الواقع أينما كان، فالصورة النمطية عن الحياة والوقائع والأحداث، أبسط بكثير من الصورة الحقيقية الغامضة والغريبة.

ولا يكفي أن نتلقى من صناديق البريد الإعلامية رسائل إخبارية، لأنها تكتفي بالعادي والبسيط والنمطي كل يوم، وتكون مهمتها تبسيط الصورة الحقيقية أو تشويهها أو تقزيمها.

عندما ننظر قليلا إلى ما عرف بالثورات العربية فسوف نجد الرسائل عنها مكررة ولا تختلف عن سابقاتها.. ثمة قتل لمدنيين وتركيز على وحشية نظام ما، ويساعد هذه الرسائل أو يسندها مقالات وكتابات لكتاب ومثقفين يعملون في السياق نفسه. والحقيقة أن الحياة لا يمكن أن تظل ساكنة طوال سبعة أشهر في بلد ما، ولا بد من تغيير أو تحولات، لأن هذه سمة المجتمعات الإنسانية، لكن الرسائل التي تصل إلينا كل يوم تحمل الصورة ذاتها.

يوجد هنا استخفاف بالعقل البشري تمارسه قوى بوسائل عدة، وهذا الاستخفاف مرده إلى إغراق الإنسان في مشكلاته اليومية التي تأخذ الحيز الأكبر من تفكيره واهتمامه، فهؤلاء أصحاب الثروة والنفوذ لا يفكرون في رفاهية الفقراء والمسحوقين، مقدار تفكيرهم في وسائل السطو على الثروات والعباد والبلاد.

ففي ليبيا مثلا اتخذت الأمم المتحدة قرارا بفرض حظر على الطيران الليبي، بحجة حماية المدنيين من قصف القذافي لشعبه، لكن النتيجة كانت أن طائرات الناتو فهمت القرار كما أرادت، وأوغلت في قصف المدن والقرى الليبية، لكن وسائل الإعلام وصناديق البريد تظل ترسل الرسائل ذاتها.

لا يكفي أن نتلقى من صناديق البريد الإعلامية رسائل  إخبارية، لأنها تكتفي بالعادي والبسيط والنمطي كل يوم،  وتكون مهمتها تبسيط الصورة الحقيقية أو تشويهها أو تقزيمها
صور مستنسخة
لا توجد غرائب أو صور هنا، فالصورة مستنسخة عن صور أخرى بعضها قريب جدا والآخر أبعد في التاريخ والجغرافيا، لكن ما يحدث في العمق شيء مختلف، وعلى الثقافة أن تبحث عن هذا الشيء، لا أن يستقبل المثقفون ما يتم إرساله ويقوموا بتبنيه والدفاع عنه أو مهاجمته.

تخبرنا وسائل الإعلام وبالصورة عن هبوط مؤشر البورصة في مكان ما، أسهم خضراء وأخرى حمراء، ودوائر ومثلثات وغيرها، ثم تأتي أسعار الذهب الخام ومزيج برنت. ولكن أين هي المشكلة الحقيقية؟ بالتأكيد هي ليست في الأسهم والمثلثات والدوائر وما شابه ذلك، بل هنالك أزمة اقتصادية عميقة وشاملة لن يسلم منها أحد.

ليس منظر السفينة على اليابسة في رواية ماركيز حينئذ صورة رهيبة، فالصورة الموازية أو المخفية مرعبة أكثر، والسؤال هو: كيف سينجو العالم من هذه الأزمة العميقة؟ فليس من المبالغة القول إننا قد نكون أمام كوارث بشرية تودي بحياة الملايين.

ثمة شيء بدأ أصلا.. تقسيم البلدان وتفتيتها والدخول إليها ونهبها تحت حجج وذرائع عدة. وهناك قوات "ديمقراطية ليبرالية" منتشرة على مساحات واسعة على كوكبنا، وهناك صراعات، بعضها معلن وبعضها الآخر غامض وسري. وها هو المسرح يعد الآن، ولا بد من بحر قزوين، ولا بد من صدام مع روسيا والصين.

ولا يأتينا هذا كله عبر صناديق البريد، فالرسائل التي تصل إلينا مبسطة وساذجة.. حماية المدنيين وصون حقوق الإنسان والتقليل من القمع، بينما الحقيقة أن القتل مستمر ومتواصل يوميا في غير موقع وجبهة وبلد.

ثمة شيء بدأ أصلا.. تقسيم البلدان وتفتيتها والدخول إليها ونهبها بحجج وذرائع عدة
رسائل مضللة
في مقابل ذلك هناك آلاف يسقطون، فلننظر إلى العراق مثلا كم خسر من البشر منذ الاحتلال؟ وكم يخسر يوميا؟ وأفغانستان وباكستان واليمن وليبيا وساحل العاج.. أين الرسائل عن ساحل العاج؟ يا إلهي ما أبسطها. قررت الديمقراطية الليبرالية أن الحسن وتارا هو الفائز في الانتخابات ولا بد من دعمه، فكانت حرب أو لنكن أكثر دقة، كان ثمة عدوان فرنسي صريح على ساحل العاج بالطائرات والمدفعية والأسلحة المختلفة، وبلا أي تفويض من أحد.. ماذا نسمي هذا؟

يأتي هذا بينما يكتفي المثقفون بتلقي أجورهم نظير تشويههم الحقائق وتضليل الرأي العام، فالمهم أن يتمتعوا بامتيازات السلطة والمال، أو بفتاتها، وليذهب العالم إلى الجحيم.

الغريب أيضا أننا لا نتساءل عن الفجائية في تحريك ملف ما، أو في رسم صورة ما.. فجأة تصبح حرية السوريين مهمة.. نعم فجأة، لأن حرية اللبنانيين في ظل الوجود العسكري السوري لم تكن مهمة ذات يوم. لقد استمرت منذ منتصف السبعينيات حتى منتصف العقد الأول في الألفية الثالثة ولم يتساءل أحد في الغرب الديمقراطي عن ذلك.

ولم يكن عدوان الصهيونية على غزة بعيدا، فالدم لم يجف بعد، وسقط الآلاف ودمر القطاع، بسبب قذيفة محلية الصنع. أيّ مهزلة تنقلها صناديق البريد هذه؟ هل كان ذلك كله حقا بسبب قذيفة أو صاروخ سقط في أرض بور؟ ولماذا لم يتساءل الغرب عن الدم الفلسطيني ومجازر الأطفال والنساء؟

المصدر : الجزيرة