كمال الرياحي: أخشى على الأدب التونسي أن يسقط في السطحية والمنبرية (الجزيرة نت)

حاوره محمد الأصفر

يعد كمال الرياحي أحد أهم كتاب الرواية من الأجيال الجديدة في تونس، وقد فاز بجائزة الكومار الذهبي للرواية التونسية سنة 2007 عن روايته "المشرط"، صدرت له مؤخرا روايته الثانية الغوريلا، وهو بصدد كتابة عمل روائي ثالث يواصل ما بدأه ليدون ثلاثية تونس المعاصرة على غرار الروائي المصري نجيب محفوظ والأميركي بول إيستر وغيرهما.

الجزيرة نت التقت الروائي التونسي الشاب، وكان معه هذا الحوار حول روايته الجديدة "الغوريلا" ومجمل تجربته الإبداعية.

شخصياتك الروائية تلتقطها من الواقع، لكن على الورق تتحول إلى شخصيات غرائبية وكأنها ملتقطة من ألف ليلة وليلة أو الميثيولوجيات الإغريقية والرومانية، ما قصدك من خلال أسطرتك للواقع؟

كثيرا ما أردد أننا شعوب ميتافيزيقية وخرافية، لذلك حكمتنا الديكتاتورية وأحكمت قبضتها علينا بسهولة، والواقع أكثر عجائبية من العجائبي والغريب. الشعوب التي ترضى بأميين يحكمونها هي شعوب تعودت تمثيل دور "سانشو بنزا" ولم تجرب دور دون كيشوت الحالم -بطل رواية الإسباني ميغيل دي سرفانتس-.

وعندما حلمت يوما هدمت كل الأصنام، لذلك لا أعمل على أسطرة الأسطوري، إنما على توجيه المرآة جيدا لوجوهنا ونزع أقنعتها الكثيرة.

غلاف رواية الغوريلا لكمال الرياحي
(الجزيرة نت)

هدفي من كتابتي دائما كان إعلاء شأن المتروك والمنسي، أو كما قال الكاتب البرتغالي خوزيه ساراماغو" عدم التخلي عن الناس الذين جاؤوا إلى العالم في الظلام"، النساء والمهمشين والشطار والنشالين والمجرمين الصغار والخارجين عن القانون والخارجين عن إطار اللوحة السعيدة. كنت ضد الأدب السعيد، أدب السياحة الثقافية والورود والبساتين، وأنا أكتب للمعتوهين والمجانين وأتحدث على ألسنتهم وأعطي لكل منهم صوتا في روايتي ليقول إنه موجود وإن جاء من الظلام.
 
بعد ثورة 14 يناير كثير من الكتاب في تونس خاصة المخضرمين توقفوا عن الكتابة، بينما الشباب كثفوا من أنشطتهم وأصدروا الكتب وألفوا المسرحيات، باعتبارك ناقدا أيضا كيف تقيم المشهد الآن في تونس؟

الثورة التونسية كما المصرية أيضا خلقت علامات استعجاليتها عند الفنانين والأدباء والمسرحيين، فانطلق الفنانون التشكيليون في تونس يسابقون النبض لعرض أعمال يقولون إنها وليدة الثورة، وظهر الكثير منها مضطربا مهزوزا، وكذلك كان الأمر مع الشعراء ومع العروض الفرجوية التي حاولت المساهمة في المشهد الثقافي لما بعد 14 جانفي (يناير) في تونس.

هناك رغبة واضحة في التعبير وممارسة حرية التعبير بعد سنوات من القمع، وهذا ما يفسر تراجع المستوى الفني في هذه الأعمال الفنية، ولكن هذا من حقهم أيضا.

لكن في اعتقادي لا يمكن لمديح الثورة أن يشفع للأعمال الضعيفة مهما كان إخلاصها لها، يجب أن تصحب الثورة أيضا ثورة في التخييل والتركيب والفن لا أن تتحول الكتابات إلى استعادة فوتوغرافية ساذجة لما جرى.

غلاف رواية المشرط (الجزيرة نت)

مجال تلك الاستعادات اليوميات والريبورتاجات، ولا ضير من الاستعانة بها، لكن على الرواية مثلا أن تكون رواية قبل كل شيء والثورة أو الحرب الأهلية أو الإرهاب لا يمكن أن يصنع أدبا عظيما.

الثورة تمثل خلفية وليس شيئا غير ذلك مثلها مثل الدكتاتورية. أخشى على الأدب التونسي أن يسقط في السطحية والمنبرية والبلاغة الفجة، فهجاء الديكتاتور مع الكولومبي ماركيز أو الغواتيمالي أستورياس لم تقلل من قيمة أعمالهما الروائية وما روايات "السيد الرئيس" لأستورياس و"ليس لدى الكولونيل من يكاتبه" و"خريف البطريرك" و"الجنرال في متاهته" لماركيز و"حفلة التيس" للبيروفي ماريو بارغاس يوسا أمثلة دالة على تحكم الفني في الأيديولوجي.
 
روايتك الغوريلا تابعناها في فيسبوك إرهاصا وامضا مشفرا متهكما على الديكتاتورية، كيف تطورت إلى رواية؟

بدأت كتابة هذه الرواية أواخر سنة 2007 وأنهيتها بداية 2011 وما كنت انشره في فيسبوك منها كان محاولة لتهريب النص الذي عاشني وعشته، وشكلا من أشكال المقاومة التي ليس لي غيرها بحكم أني لا أنتمي لأي تيار أو حزب سياسي.

أردت أن أكتب ثلاثية تونس المعاصرة بكل توحشها، بدأتها برواية المشرط واستمرت بالغوريلا وستعقبها رواية أخرى قريبا ليكتمل مشهد تونس المغيبة من الأدب السعيد الذي سيطر على المشهد الأدبي منذ سنوات
كنت أقاوم النظام بأمرين اثنين: تنزيل مقاطع من الغوريلا لأقول له إن المبدع فيّ لن يموت من الجوع والثاني تنزيل صوري وأنا ضاحك لأثبت له أني مع ذلك سعيد ولن يهزمني التجويع والتعطيل 11 سنة.

لجوئي لفيسبوك كان للمطالبة بحقي في العمل بعد حصولي على الماجستير وبقائي عشر سنوات معطلا، الروائي التونسي عبد الجبار العش كتب مقالا يقول إن شعب فيسبوك يطالب بتمديد فترة بطالة كمال الرياحي ليكمل الرواية. 

بعد عودتي من الجزائر وقبيل سقوط بن علي بشهرين، كنت في نوفمبر/تشرين الثاني الأسود أعرض روايتي الغوريلا مسرحيا في مركب بئر لحجار بتونس، كان الجمهور في حالة ذعر ما يمكن أن يحدث، فقد كان النص هجاء صريحا في نظام بن علي حتى اضطر بعض الإعلاميين إلى مغادرة المسرح خوفا مما قد يحدث.

معظم أعمالك السردية تنطلق من شارع بورقيبة كخلفية مكانية وزمانية وتعود إليه، متى يثور الرياحي ويشق شارعا لنفسه؟

شارع الحبيب بورقيبة -الشارع الأهم في تونس العاصمة- هو منطق الأحداث منها تنطلق وإليها تعود ككل التونسيين، شارع واحد فيه كل شيء: ابن خلدون (تمثال) والكنيسة ووزارة الداخلية وبرج الساعة وبائعو الورود والنشالون والغانيات والفنانون والعمّال البسطاء.

رواياتي توهم أنها في شارع بورقيبة، لكن لو تأملت جيدا ستجد معظم أحداثها تحدث في الأرياف، أرياف الشمال الغربي، ذلك الشمال المطعون بالغياب كما يقال، الذي همشه بورقيبة وأجهز عليه بن علي، شمال بلا بحر، شمال غابي. لا تنتظر منه إلا أن يخرج منه غوريلا يشعر باللقاطة في مجتمع مزقته الجهويات. حتى أطلقوا عليه عبارة الزيرو ويت "08" تندرا وسخرية، مفتاح المنطقة للتواصل هاتفيا.

أردت أن أكتب ثلاثية تونس المعاصرة بكل توحشها، بدأتها برواية المشرط واستمرت بالغوريلا وستعقبها رواية أخرى قريبا ليكتمل المشهد. مشهد تونس المغيبة من الأدب السعيد الذي سيطر على المشهد الأدبي منذ سنوات.
 
في رواية الغوريلا بطلك أسمر مهمش لقيط، وفي المشرط لمسنا ظلالا لمثل هذه الشخصية من خلال شخصية النيقرو، ماذا يعني لك السواد كمبدع وسود البشرة في تونس هل نالوا حقوقهم فعلا؟

لا يمكن لمديح الثورة أن يشفع للأعمال الضعيفة مهما كان إخلاصها لها، يجب أن تصحب الثورة أيضا ثورة في التخييل والتركيب والفن لا أن تتحول الكتابات إلى استعادة فوتوغرافية ساذجة لما جرى
اللون الأسود عالمي، ولدت في الظلام وعشت فيه وبه، كان النور ترفا في قريتنا المنسية في الشمال. عندما كنت طفلا كانت أمي تقطع علي نور القنديل في ساعة من الليل لتوفير النفط، فكنت أسقط وكائناتي وحكاياتي في الظلام. 

منذ كتاباتي الأولى انتبهت إلى معاناة السود في مجتمعاتنا العربية الطاردة للاختلاف مجتمعات تلهج بتميز العرق، لذلك لم أتردد يوما في الإشارة إلى داء التمييز العنصري عندنا، ومع كل عمل جديد ألامس هذا الجرح ولو بشكل محتشم. في تونس لم أر عبر تاريخها وزيرا أسود حتى بعد الثورة كان الأبيض التركي هو صحاب المقام العالي.

ليست العنصرية في مجتمعاتنا العربية عنصرية أفريقيا الجنوبية إنما هي عنصرية ناعمة وربما هي أشد إيلاما، أن تعنف الآخر جسديا فهذه درجة من الاعتراف به إنما التغييب أشد وأقسى.

وستثبت الأيام أن آلاف القوائم الانتخابية في الأحزاب المائة والنيف التي ظهرت في تونس ليس فيها سود. مجتمعاتنا متخلفة بسببين، التمييز الجنسي بين المرأة والرجل والتمييز العرقي واللوني. 

المصدر : الجزيرة