أمجد ناصر
 
عندما قرر معرض فرانكفورت للكتاب استضافة الثقافة العربية عام 2004 أرسلت لجنته المشرفة فريقاً من الباحثين والصحفيين إلى عواصم عربية بغية تقصي أحوال الثقافة وإنتاج الكتاب وتداوله فيها.
 
عاد الفريق الألماني من جولته العربية ووضع تقريراً باللغتين الألمانية والإنجليزية، وكانت الحصيلة -كما يمكن أن نتوقع- مخيبة للآمال.. لن أخوض -هنا- في تفاصيل تقرير الفريق الألماني الذي قيض لي الاطلاع عليه، ولكني سأذكر واحدة من معطياته الصادمة.
 
ففي إحدى الدول العربية التي شملتها الزيارة أورد التقرير هذه المفارقة: ينفق مواطنو تلك الدولة في شراء الولاعات وأعواد الثقاب أكثر مما ينفقون في شراء الكتب، بما في ذلك المقررة منهجياً على الطلاب!

لم تشكل استضافة الثقافة العربية في معرض فرانكفورت للكتاب حدثاً ثقافياً فعلياً للجمهور الألماني الذي كان ينتظر -على الأغلب- تلك الفرصة للاقتراب من ثقافة بعيدة، غامضة. الحدث كان في توكيل الجامعة العربية برمجة معظم المشاركات، ومعروف أيّ نوع من الثقافة يمكن أن تسفر عن برمجةٍ تشرف عليها هيئة موزعة على الطيف الحكومي العربي.
 
الحدث المنتظر لم يحصل، إذ تحولت المشاركة العربية إلى نوع من "التمثيل الرسمي" الانتقائي الطابع، وظلت الأسئلة التي تؤرِّق الثقافة العربية بعيدة عن الأجنحة الرسمية الباذخة.. مثلما هي بعيدة عن المنابر الرسمية.
 
"
عدد الكتب الأدبية والفنية العربية الصادرة عام 1996 -على سبيل المثال- لم يتجاوز 1945 كتاباً، وهو ما يشكل 0.8% من الإنتاج العالمي، وأقل مما أنتجته تركيا في العام نفسه
"
تقرير التنمية
لكن قبل عام واحد من صدمة الولاعات وأعواد الثقاب التي كشف عنها تقرير فريق معرض فرانكفورت للكتاب، كان "تقرير التنمية العربية" قد كشف حالنا حيال أنفسنا وحيال العالم على صعيد إنتاج المعرفة.
 
بيَّن التقرير الذي شكلت معطياته وأرقامه صدمة كبيرة للوعي العربي، أنَّ عدد الكتب الأدبية والفنية العربية الصادرة عام 1996 -على سبيل المثال- لم يتجاوز 1945 كتاباً، وهو ما يشكل 0.8% من الإنتاج العالمي، وأقل مما أنتجته تركيا التي لا يتعدى سكانها ربع سكان العالم العربي، في ذلك العام.
 
أما على صعيد الترجمة -بما تعنيه من انفتاح على الآخر وتثاقف معه- فقد ظهر حالنا مزرياً، فبينما تمكنت المجر (نحو عشرة ملايين نسمة) من ترجمة 519 كتاباً لكل مليون نسمة، كانت النسبة عربياً أقل من كتاب واحد لكل مليون نسمة، في حين بلغت النسبة في إسبانيا (نحو 40 مليون نسمة) 920 كتاباً مترجماً لكل مليون نسمة!

المذهل في الأمر أن الدول العربية أنفقت بين عامي 1980 و1997 نحو 2500 مليار دولار في بناء المصانع والبنية التحتية، مقابل ما يقترب من الصفر في الإنفاق على الشأن المعرفي.
 
ما يذهل في ذلك الرقم ليس ضخامته ولكن انعدام مردوديته على الفرد العربي، فقد انخفض الناتج المحلي للفرد عربياً بدل أن يرتفع بسبب تلك الاستثمارت، لأن ما حصل في الواقع هو نقل لوسائل الإنتاج وليس للتقانة بما تتضمنه من أبعاد علمية ومعرفية يمكن البناء عليها لاحقاً.
 
هذا يعني فشلا في إحداث بيئة حاضنة للتقانة ومنتجة لها، وفشلا في خلق تنمية اقتصادية مستدامة.. ناهيك عن الفشل في تحقق التنمية البشرية التي تعتبر النمو الاقتصادي وسيلة لرخاء الفرد والمجتمع، كما تهدف -وهذا هو بيت القصيد- إلى توسيع الخيارات المتاحة أمام الفرد باعتباره جوهر العملية التنموية.
 
وهذا لا يحدث من دون حرية، فقد اعتبر تقرير صادر عن الأمم المتحدة أن التنمية البشرية معنية جوهرياً بالحرية وببناء قدرات الناس.. إنها تتخذ موقع القلب في عملية كهذه متضافرة العناصر والجهود.
 
"
من طبيعة الثقافة أن تكون نقدية، أن تعترض، أن تضع يدها على مواطن الخلل، أن تحلم وتتخيل وتغامر
"
حديث الأرقام
حديث الأرقام وحده لا يمكننا من معرفة واقع تخلفنا المعرفي (= الحضاري) عن أمم لا تملك الموارد المادية التي نملكها، وربما لا تملك الإرث المعرفي الكبير الذي نملكه. المشكلة ليست في الأرقام، رغم غياب الشفافية في لغة الأرقام في العالم العربي، بل قد تكمن في نظرتنا العامة إلى المعرفة نظماً وجماعات وأفراداً.
 
سأقتصر هنا على الجانب الثقافي في الإطار العام، الواسع لمصطلح "المعرفة". فهذا ما أعرفه نسبياً أكثر من غيره، وهذا هو المجال الذي أعمل فيه منذ نحو ثلاثين عاماً.

لا أريد أن أقول إن أولي الأمر عندنا يتحسَّسون مسدساتهم عندما تُذكر كلمة ثقافة أمامهم (على ما يُنسب إلى وزير الدعاية الهتلري غوبلز)، ولكنهم لا يرتاحون إلى هذه الكلمة. فهي تفيد عندهم معنى الاعتراض والرفض، وليس هذا الفهم بعيداً في الواقع عن حقيقة دور الثقافة.
 
فالثقافة التي لا تعترض على الاستبداد ولا ترفض الفساد وتردي أحوال الناس ليست سوى بوق في جوقة المديح المتزلف للحاكم وأركان نظامه.. هذا مسخ الثقافة وليس الثقافة نفسها، أو مجرد فولكلور وديكورات خاوية من أي مضمون ملهم أو مستفز.
 
فمن طبيعة الثقافة أن تكون نقدية، أن تعترض، أن تضع يدها على مواطن الخلل، أن تحلم وتتخيل وتغامر. لكنَّ أولي الأمر عندنا لا يقبلون بالاعتراض، ويعتبرون الرفض انشقاقاً وخروجاً على "الإجماع" المتوهَم، أما الحلم والمغامرة فقد يؤديان إلى ما لا تحمد عقباه.
 
وفي الحالة العربية يبدو أن على الثقافة القيام بأدوار متعددة: أن تقدم معرفة، وأن تخوض في الشأن العام، وأن تنتج وتدافع عن نتاجها، وهذه مهام قد لا تكون مطلوبة من ثقافات أخرى أنجزت شعوبها نظماً ديمقراطية ومنابر مكفولة -بل مُسلَّماً بها- لحرية القول والاعتقاد والعمل.
 
فليس على الشاعر أو الروائي أو الفنان الأوروبي (مثلاً) أن يتحسس مواقع خطاه، عندما يتصدى لعمل إبداعي ما، كأنه يمشي في حقل ألغام.. ليس عليه أن يقلق من سيف الرقابة والتابوهات السياسية والدينية والاجتماعية.. هذا أمر لا يقلقه، بل ربما لا يفكر فيه، فقد تكرَّس حقه -من خلال بيئة حرية القول والاعتقاد التي يعيش فيها- بتناول الموضوعات أياً كانت طبيعتها.
 
مشكلته إن وجدت، هي في شكل الفعل الإبداعي وليست في الفعل نفسه.. مشكلته ليست في الموضوع ولكن في كيفية تناول الموضوع، بأي صورة وشكل. وهذا عندنا دونه خرط القتاد، كما يقولون.
 
"
هناك إذن نوع من الريبة العربية حيال الثقافة والمثقفين (= النشاط الحيوي للمجتمع) انعكس في أشكال شتى من المعوقات، إن لم يكن من القمع والاضطهاد المعنوي والمادي على السواء
"
الريبة العربية
هناك إذن نوع من الريبة العربية حيال الثقافة والمثقفين (= النشاط الحيوي للمجتمع) انعكس في أشكال شتى من المعوقات، إن لم يكن من القمع والاضطهاد المعنوي والمادي على السواء.
 
فماذا نسمي أحكام الطوارئ السائدة في بلدان عربية كبرى، تلك الأحكام التي تشل المجتمع بأسره؟ ماذا نسمي الرقابة التي لا تزال مسلطة على عنق الثقافة والمثقفين؟ ماذا نسمي تذيِّل الثقافة موازناتنا العامة؟ كيف نفهم توافرنا على موارد اقتصادية لا تتوافر لغيرنا وتخلفنا على مستوى الإنتاج العلمي والفكري والفني؟ بل كيف يمكن فهم هذه المفارقة: "أمة اقرأ" لا تقرأ؟

هكذا تجد الثقافة العربية نفسها -بما هي تعبير حيوي وخلاق عن وجودنا- مركونة على الرف في بلادها، وليس غريباً -والحال هذه- أن يحبط الإبداع العربي في مهده أو أن يفرَّ بجلده إلى الخارج.
 
ولعل هذا يفسّر وجود ظاهرة الثقافة العربية في مهجرها الجديد، فلم يعد المهجر العربي يتعلق بأسباب اقتصادية كما كان عليه من قبل، بل صار ذا أسباب تتعلق غالباً بالحرية.. الحرية التي لا يزدهر الإبداع الأدبي والفني والعلمي إلا على أرضها وفي فضائها. أليس مدعاة للتساؤل المؤلم أن خيرة العقول التي أنتجها العالم العربي تم نزفها -إن لم أقل طردها- إلى الخارج؟

علينا أن لا نستغرب بعد ذلك أن تتقدم الولاعات وأعواد الثقاب -وربما أشياء أخرى- على الكتاب.. الصدمة تتراجع عندما نعرف الشروط التي تحكم الإنتاج الثقافي في العالم العربي، ويصير مفهوماً لِمَ نحن على هذا النحو من الركاكة الحضارية، وانعدام التأثير -تقريباً- في العالم.

المصدر : الجزيرة