حرائق مشتعلة في مبنى الحزب الوطني الحاكم في القاهرة (رويترز)

خالد المهير-طرابلس
 
يرى كتاب وأدباء ليبيون أن التاريخ أثبت وجود ارتباط وثيق بين الإبداع عموما والثورات الشعبية، فيما تشكل الحرية ربط المبدعين بأحلام الناس. وقال أولئك الكتاب في استطلاع للجزيرة نت إن مثقفي أي نظام سياسي مصيرهم الزوال إذا تخلوا عن ضمائرهم.

وقال الشاعر سالم العوكلي إن ثورة الشعب التونسي شكلت استجابة لحلم الشعراء بالحرية وبإيمانهم بإرادة الإنسان، وتحول ذلك الزحام إلى مشهد جمالي ملهم الذي يتشكل من أجل قضية هي كرامة الإنسان.

وأكد أنه عبر التاريخ كان هناك ارتباط وثيق بين الإبداع عموما والثورات الشعبية، وهو انعكاس لارتباط وجودي بين الإبداع وأحلام الناس، وبين المبدع وسؤال الحرية الذي شكل هاجسا رئيسا لمعظم الأعمال الإبداعية، حسب تعبيره.
 
 العوكلي: هناك رتباط بين الإبداع والثورات الشعبية  (الجزيرة نت)
وأضاف أنه على مر التاريخ كان هناك ارتباط آخر بين الإبداع والشعر خصوصا والأنظمة "القمعية"، لكنه غالبا ما يأتي في إطار تبادل مصالح آنية تجعل مثل هذه الكتابات تختفي باختفاء من قيلت فيهم.

ولفت الشاعر الليبي إلى أن الشاب التونسي محمد بوعزيزي كان شاعر تلك اللحظة، حيث قدم من هامش الهامش لكنه رفض إهانة كرامته.
 
وقال إن هذه الواقعة تعيد الاعتبار لقيم كفر بها الشعر فترة طويلة مثل الكرامة والتضحية، والأهم من ذلك تقدير المحيط الذي يحمل الهموم نفسها لمثل هذه التضحية.

من جهته يرجح القصاص والمترجم والسجين السياسي السابق عمر أبو القاسم الككلي أن تأثير الأحداث الجارية  على النصوص الإبداعية لا يحدث بسرعة فورية، فقد يجوز هذا بالنسبة لنوع خاص من الشعر، هو الشعر التحريضي، ولكن الإنتاج الإبداعي، عموما، يحتاج إلى قدر من الاختمار والتأمل بعد استقرار الأوضاع.
 
أدب الكرامة
وتوقع نشوء أدب يحتفي بكرامة الإنسان العربي وفاعليته ويفضح الممارسات المنافية للعقل والكرامة الإنسانية السائدة.
 
 الككلي توقع نشوء أدب يفضح الممارسات المنافية للعقل والكرامة ( الجزيرة نت)
وأكد أن هذه المرحلة متميزة في الأدب العربي المعاصر، ذلك "أننا منذ أكثر من 60 سنة لم نتعود تقريبا إلا على الأدب المتأثر بالنكبة ثم النكسة ثم الانهيار الشامل للنظام السياسي العربي، ورجح أنه جاء الآن دور الأدب المتأثر بانتصار الديمقراطية وحقوق الإنسان.

وقال الككلي إن الأنظمة العربية جمعاء لم تشع في مجتمعاتها، عبر عقود مديدة، سوى القمع والرعب والإذلال والفساد المعلن، على نحو أهدر الثروات الفكرية والمادية لهذه المجتمعات التي كلما آثرت الهدوء والصبر وتجنب الأزمات ازدادت الأنظمة طغيانا وتغولا عليها وأمعنت في إذلالها والحط من كرامتها.
 
وعبر السجين السياسي السابق عن أمله بأن ما جرى من تغيير في تونس، وما يجري من احتجاجات شعبية عارمة في مصر وغيرها من البلدان العربية الأخرى، أول القطرات المبشرة بغيث التغيير الديمقراطي الحقيقي في الوطن العربي برمته، وأن تكون سنة 2011 فاتحة عصر جديد، هو عصر الثورات الشعبية العربية.

وتلهم لحظة انتحار البوعزيزي القاص أحمد يوسف عقيلة، ويقول في حديث مع الجزيرة نت "يا لها من لحظة عاطفية مشحونة، أن يتحول مواطن شاب مقبل على الحياة إلى كتلة من اللهب.. وبقدر ما طرح المواطن الملتهب سؤالا كبيرا.. بقدر ما قدم إجابة عن القهر المتراكم منذ عقود".

وأضاف "البوعزيزي قال بكل وضوح اللهب وحرارته للأنظمة الحاكمة: إذا كنتم تملكون البوليس بكل أدواته القمعية فأنا أملك جسدي القابل للاشتعال.. وأن القهر وقود يكفي لإحداث الشرارة.. وأن الصفعة تعود دائما على صاحبها.. وأن الصبر فضيلة محدودة الصلاحية.. وأن النار في صقيع الأنظمة المحنطة أكثر جذبا وجدوى من خطابات الزعماء الطويلة التي لا تقول شيئا".
 
دور المثقف
 أحمد يوسف: القهر وقود يكفي لإحداث الشرارة
( الجزيرة نت)
أما الكاتب والشاعر الحبيب الأمين فيتناول دور المثقف ويقول إن تصدير فكرة التحلل من الدور الرمزي والوعظي للمثقف التقليدي التي تساور بعض المثقفين لا تفيد إلا في نسخ التطابق مع فكرة الزعامات وتقلبات أنظمة الحكم العربية في المسار والموقف بالمطلق التي غادرت موضة النضال وتحررت من تراثها البطولي إبان عهود المنصة وخطابات الراديو المطولة وباتت عارية من أي ورقة توت تستر عوراتها ويكنس فظائعها للإنسانية.

ويؤكد الأمين أن الراهن العربي وما يشهده من ثورات شعبية على السلطات في تونس ومصر هو مشهد لا يستدعي الرصد الصحفي الإخباري بالنسبة للمثقف واستهلاكه بالتداول "بل هو مغرم ومرغم بالتعاطي والتفاعل" مع تلك التحولات. ويشدد على ما ترابط ما يسميه الارتباط العضوي بين ثالوث الحرية والرأي والضمير.

ويضيف "لا يمكنني بالفعل والقول إلا الانحياز لثورة أبناء الجيل وشعوب الأمة التي كلت وملت وبلغ منها الظلم الاجتماعي والأبوية السياسية الفاشلة مبلغ الجسد والروح"، مشيرا إلى أن الشعوب مضطرة للثورة وهي ترى كرامتها تهدر ودماءها تسفك وحرياتها تحاصر وحياضها يهدم وعزتها تداس.
 
فعل الحرية
من جهته يرى الشاعر حسام الوحيشي أن المثقف الذي يرهن صوته بالسلطة فهو ساقط لا محالة، أما الشاعر الذي يكتب الشعر الحقيقي فإنه يكتب قصيدته "لتكون وطنا مسبلا خارج القضبان فتصل للمواطن الحر بل وتصنع المواطنة التي هي فعل تحليق، فعل حرية".

 الأمين: ثورة الشعوب بتونس ومصر ستعيد للأوطان هيبتها ( الجزيرة نت)
أما الشاعر عبد الوهاب قرينقو فقال إنه عند بداية "انتفاضة الياسمين" التونسية تحمس أدباء ليبيا ومثقفوها لهذا الحِراك المجاور وبارك الشعراء إرادة الحياة الكريمة، لكن مع التغيرات الدراماتيكية المتسارعة وانتقال الانتفاضة إلى مصر يوما بعد يوم "لاحظنا التهميش الإعلامي الكبير لرأي المثقف الليبي وموقف الإعلامي الليبي، وحتى المدون الليبي وهنا عبر الجزيرة نت تأتي المبادرة الأولى ومن صحفي ليبي على كل حال".

وتحدث قرينقوا عن تونس، وقال إنه من المهم تحقيق الخطوة الأولى في سبيل تحقق الحرية والديمقراطية للشعب التونسي، ولكن الخطوة الثانية معلقة في الهواء لم تتحقق بعد.

وقال "تخلصت تونس ممن وصفته بالدكتاتور لتسجن في قفص الشعب الدكتاتور الذي لا يعجبه أحد، لا يرضيه شيئا ويأبى أن يفارق الشارع الحاكم".

المصدر : الجزيرة