ليلى الأطرش: هويتنا ليست من كرتون
آخر تحديث: 2011/1/30 الساعة 21:44 (مكة المكرمة) الموافق 1432/2/26 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2011/1/30 الساعة 21:44 (مكة المكرمة) الموافق 1432/2/26 هـ

ليلى الأطرش: هويتنا ليست من كرتون

الروائية والإعلامية الأردنية ليلى الأطرش (الجزيرة نت) 

توفيق عابد-عمّان
 
ليلى الأطرش إعلامية وروائية صاحبة مشروع إبداعي، لا تصدح بنزعة نسوية بل تضيء الذاكرة وتشعل المكان، ورصيدها حتى الآن سبع روايات وسيرة ذاتية آخرها "رغبات ذاك الخريف" وتستعد لإصدار مخطوطتها الجديدة "نساء بعل". وفي حديثها تدهشك بجرأتها وصراحتها والتعبير عن آرائها.

وفي حوارنا معها دافعت عن ثقافتها العربية بقوة، وشخصت الواقع الثقافي في الأردن دون مواربة، وكشفت بعض الأسرار التي ما تزال مبهمة حتى الآن لسطوة أبطالها وتأثيرهم، وأجابت عن كثير من القضايا، مطالبة بالتحدي والصمود أمام الآخر، وليس التقوقع داخل الذات.

 
كيف تشخصين الحالة الثقافية في الأردن؟
 
- يعيش الأردن حالة ازدهار كبيرة في منتج الكتاب، أسماء جديدة بعضها واعد وموهوب، والآخر لا يمتلك سوى جرأة النشر والادعاء. هناك حراك أدبي يتمثل في نشاطات متعددة يضيع جمهور المتلقين في كثرتها، ولا يزيد حضور بعض الفعاليات عن أرقام قليلة.

أما تجربة المدن الثقافية فأثبتت أنها خضعت لأمراض الوسط الثقافي كالشللية والصداقات، فلم تنجح واحدة منها وشابها "التنفيع"، فمثلا في الكرك مدينة الثقافة أصدرت 17 كتابا لأشخاص من عائلة واحدة، وغابت أسماء كركية حصدت أعلى جائزتين في الترجمة.

ومثله حدث في السلط وإربد والزرقاء، إذ برزت أسماء وغابت أخرى لأنها لا تطلب وليست من الشلة المنتفعة، ولا يزيد جمهور فعالياتها عن عشرة معظم الأحيان.

ومن الإنصاف القول إن عددا من الجامعات يهتم ببعض الأسماء ويقررها على طلابه، ولكن وزارة التربية والتعليم بعيدة عن فرض الكاتب الأردني لأسباب خاصة بالعقل الذي أدار هذه الوزارة في العقود الماضية وفرخ فيها، والأمل معقود على رغبة أصحاب القرار في تحديث عقولها ومناهجها ودورها في الحركة الثقافية.
الروائية الأطرش أثناء محاضرة تحدثت
فيها عن جانب من تقرير التنمية البشرية
( الجزيرة نت-أرشيف)

الأدب نوع من الإعلام، فإلى أي حد استطاع التعبير عن قضايانا في مرحلة تشهد انهيار الثوابت؟
 
- الأدب سبق الإعلام وعبر عن القضايا العربية حين كان الوطن العربي يقرأ، وكانت ملايين النسخ من كتاب تباع في بغداد، وحين كانت بيروت تطبع كل نتاج الفكر العربي والعالمي، وقبل أن يتشرذم الوطن بالنزاعات الطائفية والإقليمية وتتغير خارطة تصنيف الدول العربية من حيث الأهمية والقدرة على الاهتمام بالثقافة.

أما وقد انحسر الاهتمام الشعبي بالآداب والفكر واتجه إلى كتب الغيبيات والتفسير والتأويل والطبخ، فالسياسات هي التي يجب أن تتغير. الصحوة الثقافية تحتاج القرار والمال الرسمي لتنهض، والبداية إصلاح التعليم العربي.

هناك من يرى أن العولمة تلغي الهوية، وآخرون يرون أنها تحرر الثقافة العربية من قيودها، فماذا ترين؟

- لا أدري لماذا نتصور أن الهوية هشة أو من كرتون ومهددة بأن تطير عند أول هبّة من المؤثرات الخارجية.. هذا التصور سبب الارتداد السلفي والفكري والإحساس بضعف الذات ومقوماتها والعجز عن المواجهة والصمود.

ولا أعني هنا "الصدام" بل التأثر والتأثير، فلا يمكن لأحد أن يعيش في معزل عن التلاقح الثقافي في عصر الاتصال الذي نعيشه.. أنا أرى أن وعي العرب  لتجارب الآخرين وللتبادل الثقافي دون ذوبان في الآخر هو في مصلحتنا كمحصلة نهائية.

توصف الكتابة بأنها عملية تجميلية للروح.. ما وجهة نظرك؟
 
- لا أكتب لأتجمل ولا لأرسم عالما من اليوتوبيا، بل لأتخفف من أسئلة مقلقة ملحة من خلال تنامي الشخصيات والأحداث لعلني  أجد الأجوبة في نهاياتها، وقد تداهمني أفكار وجمل ومواقف بعدما أبدأ التفكير في الشخصيات لا قبلها.. حينها أجبر اللحظات على الخضوع للكتابة.

أما أجمل الأفكار فتداهمني حين أنطلق بالسيارة وحدي على طريق خال أو لا يعرف زحمة السير، ولكن معظمها يضيع للأسف.. حاولت مرة التسجيل فضاعت الأفكار.

هناك إقرار بوجود أزمة نقدية.. من وجهة نظرك، هل هي ناتجة عن أزمة ضمير أم النقل عن الآخر؟

- يخضع معظم النقد العربي لأمراض الثقافة العربية.. نقاد لا يقرؤون، وما حدث في جائزة الشيخ زايد دليل قاطع.. لجنة أكبر جائزة لا تعرف المسروق من غيره، هذا قمة البؤس والإفلاس، فكيف ينقد من لا يعرف؟

ومعظم هؤلاء يدرّسون في الجامعات، أي يخرّجون نقادا على طرازهم.. لهذا ليس هناك حركة نقدية عربية مؤثرة، وهناك الانبهار بنظريات نقدية تركها أصحابها.. ثم الشللية والمحاباة، وهو ما ينعكس سلبا على مجمل الحركة النقدية العربية ويتركها بلا كبير أثر على الأدب.
"
يؤسفني أن أوضاع النساء في تراجع رغم ازدياد مخرجات التعليم بشكل كبير، ولكنها الحاجة الاقتصادية أو المكانة الاجتماعية والفكرية التي تعلّم الفتاة دون منحها قرارها الخاص بحياتها
"

يتهمك البعض بأنك متمردة على "زمن الحرملك" وتقدمين الرجال بصورة سلبية؟
- أعتز بتمردي على القوالب منذ بداياتي الأولى، ولكنني مهمومة بمسائل النساء في سياقها الاجتماعي دون خلق عالم للنسوة أفصل فيه الرجل قامعا وظالما للمرأة.. بالعكس أعتقد أن مشكلة المرأة هي مع ذاتها أولا ثم مع ظروفها، وإذا ظهر بعض التعسف والقهر لبعض البطلات فلأن الرواية تخلق العالم الموازي للواقع.
 
يؤسفني أن أوضاع النساء في تراجع رغم ازدياد مخرجات التعليم بشكل كبير، ولكنها الحاجة الاقتصادية أو المكانة الاجتماعية والفكرية التي تعلم الفتاة دون منحها قرارها الخاص بحياتها.. وبطلات أعمالي الروائية والقصصية كلها تمثل شرائح النساء الخانعة كما المتمردة ومن تقاوم، المتعلمة والجاهلة، التي ملكت ذاتها ومصيرها ودفعت الثمن مثل المستسلمة لظروفها.
 
كثير من الأدباء صنعتهم أحزاب أو مواقف سياسية، فمن يقف وراء نجاحاتك؟

- صنعت نفسي بنفسي لأنني عندما كنت في السنة الجامعية الأولى في بيت لحم عُرضت عليّ عضوية المجلس الوطني الفلسطيني ولم أقبل، ففي حياتي رفضت أن أكون حزبية لأنني أؤمن بأن الإنسان المستقل يستطيع أن يكتب بحرية، ومن هنا على الكاتب أن يكون مستقلا، فإن لم يكن كذلك سيضطر لتبني وجهة نظر أي حزب أو منظمة ينتمي إليها حتى لو كانت على خطأ ويدافع عن الخطأ، لذلك رأيت نفسي دائما كاتبة مستقلة لأن المستقل يستطيع مهاجمة أو انتقاد من يشاء.

قلتِ إنك رفضت عضوية المجلس الوطني الفلسطيني في سن مبكرة.. لماذا؟

- أنا امرأة لا تملك إلا عقلها، لذلك أردت الاحتفاظ بعقلي لنفسي فلا أريد أن يغسل بأي شكل من الأشكال، فأنت ترى ماذا يحدث الآن لهؤلاء.. لا أريد أن أتبنى موقفا ثم أجد نفسي إما خجلة منه أو مضطرة للدفاع عن الخطأ.
 
ترى من كان هاديا أو ملهما لك في مسيرتك الأدبية؟

- نماذج كثيرة، وفي كل مرحلة من عمري كنت أحتذي بها، فعندما كنت صغيرة أو حينما بدأت القراءة كانت روايات جورجي زيدان تشغل عقلي، ثم تطورت فبدأت أقرأ لأرسين لوبين ونجيب محفوظ والترجمات عن الفرنسيين والأميركيين والروس وأقرأ بلغات أخرى، وتوسعت قراءاتي للمعارف والعلوم الأخرى.. أنا لا أكتفي بقراءة الرواية وإنما أقرا كثيرا في علم النفس والاجتماع.

لست نبتة بلا جذور، عندي جذور عربية وثقافية، ولكنني أرفض أن أكون نسخة من أي أحد أو امتدادا لأحد.. أنا تأثرت بكل واحد في مرحلة من مراحل عمري، لكن هذا التأثير انتهى لأنني أحاول التجديد وأكتشف في نفسي أشياء جديدة.
الأطرش أثناء نشاط ثقافي بعمّان
(الجزيرة نت-أرشيف)

 
لمن تكتبين بالضبط؟

- بداية أكتب لنفسي لأجيب عن أسئلة مضطربة في داخلي، ولا أحد يعرف ماذا أكتب حتى أقرب الناس إليّ وهو زوجي إلى حين انتهاء المشروع، ثم أبدأ بإطلاع الناس عليه، فبمجرد أن يذهب إلى المطبعة أحس بأنه ليس لي بل للآخرين.
 
 
لك حكايات مع الراحل الشاعر نزار قباني.. هل من إضاءة؟
 
- قابلت نزار قباني مرتين أثناء عملي في تلفزيون قطر، وأنت تعرف أنه بعد قصيدة "خبز وحشيش وقمر" كانت بعض قصائده وحتى شخصيته إشكالية في منطقة الخليج. في اللقاء الأول أذكر أنه قال لي صباح اليوم التالي "هذا سيصبح كبرنامج ما يطلبه المشاهدون"، ولكن قدر لهذا اللقاء أن يخزن ولا يراه أحد ثانية بعد نشره، لأن المخرج وضع خلفية للشاعر تمثال فينوس وهي عارية دون أن نتنبه لذلك، وهوجمنا في المساجد وتحفظوا على الشريط.

المرة الثانية زار نزار قباني الدوحة قبل وفاته بقليل، وقابلته تلفزيونيا بالاعتماد فقط أن هذه الشخصية الكبيرة الإشكالية كانت موضع نقاش إعلامي، فأردت أن آخذ كلامه وأناقشه، فتعمدت التركيز على قصته مع الشعر وانتحار شقيقته من داخل الكلمات التي قالها، وأذكر أنني سألته: تقول إنني أحب المرأة التي تمسح جبيني بمنديل، فمن هي؟ فأجاب "إنها الممرضة"!!

أما السؤال الذي أثاره كثيرا وكاد يخرج من الإستوديو فهو: بعد مقتل زوجتك بلقيس في تفجير السفارة العراقية في بيروت، قرأت لك قصيدة تتغزل بمضيفة طيران، فهل يستطيع الشاعر أن يغير بهذه السهولة؟ فأجاب "شو بدك إياني أموت؟"، وبعد خروجنا من الإستوديو طلب حذفه قائلا "هذا السؤال لا يليق بك، أرجو أن تحذفيه"، ولكنني لم أحذف السؤال وبث على الهواء!!

 
بصراحة، هل اقتنعت بأن نزار قباني شاعر المرأة فعلا؟

- لا نزار قباني شاعر المرأة ولا إحسان عبد القدوس كاتبها، لأنهما يكتبان عن المرأة من نظرة ذكورية "مجرد أحاسيس"، وبالتأكيد لا أستطيع أن أمسح شعر قباني، لكني أجد رؤيته للمرأة رؤية ذكورية، وأن عقدة حياته هي انتحار شقيقته.. هذا السر الذي كتمه عن كل الناس لأنها أحبت وماتت، فهل انتحرت فعلا أم قتلت في جريمة شرف أم أجبرت على الانتحار؟.. الله أعلم.

لا أحد يعرف لأن قباني كان من المكانة أنه لا أحد يقدر على الغوص في تفاصيل تلك القصة، ولم يعرفها أحد ولم يسمح لأحد أن يتحدث عنها إلا عندما ذكر "قصتي مع الشعر" ورواها بطريقته، وأنا لا أؤمن بالسيرة المروية من جانب واحد.
غلاف "رغبات ذاك الخريف" (الجزيرة نت)

 
يقال إنك روائية مشاكسة معروفة باختراق المحرمات؟

- أعتز بأنني مشاكسة وأخترق المحرمات، لكني أخترقها بشكل قضية وليس لإثارة جنسية، وأنت قرأت رواياتي وتعرف أنني قلما أستعمل كلمة نابية أو جارحة إلا لضرورة الشخصية عندما وصفت "سعدية" نفسها في روايتي الأخيرة.
أنا دائما أخترق قضايا جنسية كالمحلل في "مرافئ الوهم" ولا أصف الشكل المبتذل، فهم أخذوا على هذه الرواية علاقة الفتيات اللواتي يعملن في صالون السكر.. أنا تحدثت عن الانكشاف بين امرأة مختونة وغير مختونة، وهذا شيء طبيعي مهما كانت ثقافة المرأة.

الشهرة.. ماذا أعطتك وماذا أخذت منك كروائية؟

- عملي في الإعلام أتاح لي مناقشة ولقاء رموز الوطن العربي، والبحث  والسفر لتصوير أماكنهم، والاطلاع اليومي المباشر على الأحداث ما يذاع منها أو ما يمنع، وحصاد الشهرة الفورية.

أما الرواية فهي أنا، رؤيتي للعالم، وهو ما سيتبقى مني، فالإعلام استهلاكي، أما الرواية فلو أتيح للقراءة أن تبقى فستظل بين يدي الناس ما وجدوا.. هل هذا من أحلام اليقظة؟.. ربما!
المصدر : الجزيرة

التعليقات