متظاهرة لبنانية تهتف في بيروت تأييدا لما جرى بمصر وتونس (الأوروبية)

نور الهدى غولي
 
تبدو الحكاية وكأنها بدأت من حادث عابر لشاب تونسي أحرق نفسه احتجاجا على مصادرة عربة خضاره وإهانة كرامته. حريق فرديّ أوصل المنطقة العربية كاملة إلى كل هذه الإرهاصات والثورات والتنحيات والاحتجاجات.
 
والأكيد أنّ ما حدث هزّ كلّ الأنظمة التي تلهث حاليا نحو دروس "تسيير الأزمات" عساها تكون فوضى سائرة نحو الخمود أو مجرد زوبعة في فنجان لدى أكبر المتفائلين!.

هل غيّر هذا الحادث الفردي أقدارا في منطقتنا العربية أم أنه عجّل بها..! وما هي دلالات تغيير بمثل هذا الشكل؟ والأهم.. ماذا تحتاج من "أمتعة" ثورات شعبية بمثل هذه العفوية والاحتقان؟! أسئلة طرحتها "الجزيرة نت" على مجموعة من المثقفين العرب.

لم تبد الروائية الجزائرية فضيلة الفاروق تفاؤلها من التعييرات الحاصلة ربما ليقينها بأنّ "الشعوب العربية لا تملك الوعي الكافي لتغيير واقعها نحو الأحسن". خاصة أنّها ترى كل تلك القطيعة شبه الكاملة بين الشعوب والمثقف، وهو ما يعني أنّ الانتفاضة العربية لم يكن منبعها المثقف العربي بل جهات أخرى، وترجّح أنّ "النظام العالمي ضاق ذرعا بأنظمتنا أكثر من شعوبنا وله يد في كلّ ما حدث".

وتشرح الروائية الجزائرية أكثر فتقول "لقد تمّ تفكيك النظام في تونس لأنّها البلد العربي الأصغر ولأنها تحوي نسبة وعي أكثر من غيرها". وتصرّ الروائية على فكرتها في سوء تقدير الشعوب العربية لما يحدث من تغييرات.

الصاوي: حركة البوعزيزي اليائسة
جسدت ذل جيل كامل (الجزيرة نت)
وعي الشعوب
ولا تثق صاحبة "أقاليم الخوف" بوعي الشعوب لأنها "شعوب تختصر مفهوم الدين في قطعة قماش، وتقتل المرأة إن أحبّت رجلا.. وأغلب نسبة من نخبه تفكّر بنفس الطريقة، وبدل قيادة المجتمع نحو دروب النور، فهي تغذّي فيه روح التعصب ورفض الآخر..".

تعود فضيلة الفاروق للوراء قليلا لتستشهد بما يحدث في الجزائر وهو ما لا يثير انتباه أحد، حيث يلقي شبان في عمر الزهور بأنفسهم من جسور قسنطينة بنسبة شاب أو شابين أسبوعيا، بسبب الفقر والظروف القاسية التي يعانونها، بالإضافة إلى ما تحمله الجرائد من أخبار انتحارات مخيفة، عبر كامل التراب الجزائري.
 
لتنهي مداخلتها بسؤال "لماذا اهتم الإعلام بانتحار البوعزيزي؟ ولم يهتم بقوافل من ينتحرون كل يوم؟".

الثورة لا تنسخ
في مقابل ذلك، يتفاعل الفنان المصري خالد الصاوي مع ما تشهده المنطقة العربية، مشيرا إلى خصوصية بعض "العوامل والظروف المترسبة والتي تساهم في اندلاع شرارة الثورة"، مقدما كمثال ما حدث في انتفاضة باريس عام 1968 بسبب شجار بين أمن الجامعة وبعض الطلاب بخصوص التزاور المختلط في بيت الطلبة..!".

"
ترى الروائية الجزائرية فضيلة الفاروق أنّ "الشعوب العربية لا تملك الوعي الكافي لتغيير واقعها نحو الأحسن". وترجّح أنّ "النظام العالمي ضاق ذرعا بأنظمتنا أكثر من شعوبنا وله يد في كلّ ما حدث"
"
يعود الصاوي للحديث عن شرارة تونس التي ساهم فيها تواجد "عدد كبير من العاطلين المتعلمين واستفحال القمع واحتقار الجماهير.. فحركة البوعزيزي اليائسة على إثر قمعه وإهانته بينما كان يسعى لكسب رزق حلال، قابلا مهنة هامشية بالقياس لإمكاناته الدراسية، جسدت هذه الحركة ذل جيل كامل وانسحاقه، وفي لحظة بدا الشاب وقد أدركه خلاص ما، على طريقة انتحار الساموراي، فتوهج الميدان بمختلف الإيحاءات التي كسرت حاجز الخوف واندلعت الشرارة والتفت الجماهير حول بطلها وأصرت على اعتباره مخلصا من نوع استثنائي..".

لهذا يعتبر الصاوي أنّ شرارة تونس قد "شهد الناس لحظتها شيئا جللا ومباغتا حطّم فيه المقموع قفصه وانطلق للسماء، فاشتعلت الثورة. وهذه اللحظات الاستثنائية لا يمكن التعامل معها بمنطق القص واللصق. فالبشر أعقد من ذلك، ولربما قام شاب آخر بكتابة بيان الثورة عبر حرق جسده ولا تندلع الثورة، ثم تندلع في اليوم التالي عقب تصريح رسمي يستخف بالجماهير..".

ويسترجع الفنان الصاوي حادثة الصحفي العراقي منتصر الزيدي الذي فاجأ العالم بضرب الرئيس الأميركي السابق جورج بوش بالحذاء. معتبرا أنّ هامش التأييد الكبير كان جراء عفوية الفعل ورمزيته، فالضربة لم تغرق وجه بوش بالدماء، لكنها نقلت إحساسا مشتركا بالإهانة التي لحقت ببوش وليس الإصابة في ذاتها. ويشير الفنان إلى ضرورة الانتباه للتفاصيل الصغيرة، وهو ما يركز عليه لكونه ممثلا وقبلها مخرجا مسرحيا لتصيّد "الشرارة العارضة التي لا يمكننا القيام بحسابها سلفا أبدا".

أحجار شطرنج
أولت الكاتبة الإماراتية مريم السعدي أهمية لما وقع في تونس واصفة إياه بالحدث العظيم "لأنه جاء انتصارا بحتا وخالصا لكرامة الإنسان، ولم تحركه أيديولوجيات بل نار إنسان أحرقه القهر. وحتما لم يحرق نفسه! فهذا القهر الموجّه المتقن الذي مارسته القيادات العربية للأسف في أغلبها ضد شعوبها، وكأنّ الشعب هو العدو للحاكم، وليس هو عضد الحاكم وثروة الوطن الحقيقية".

وتتابع أن "ثورة بهذه العفوية الشعبية تعطي، أي حاكم، إنذارا بأن يعامل شعبه كعبيد، وأن يدرك أن السلطة الممنوحة له تكليف لإكرام شعبه والسهر على راحته وأمانه، وليس العكس! والأكيد أن التغيير حاصل وتونس أمسكت زمام قيادته، وربما يحصل ما يتخوف منه الكثيرون وتُسرق ثورة الياسمين كما هي عادة الكثير من المشاريع العربية، لكن الأهم أن تلك الوقفة البطولية التونسية ستظل خالدة تماما كخلود أبيات الشاعر التونسي الأشهر الذي أراد الحياة فلم يمت".

الرياحي: الأنظمة العربية مصابة بالهستيريا لأنها وجدت نفسها في مأزق مع شعوبها
  (الجزيرة نت-أرشيف)
ومن جهته يحلل الكاتب التونسي كمال رياحي الوضع العربي بأكمله، معتبرا أن الأنظمة العربية "أصبحت مصابة بالهستيريا، لأنها وجدت نفسها في مأزق مع شعوبها التي تريد أن تقتدي بالشعب التونسي. واليوم مصر، ولبنان والجزائر وحتى اليمن تعيش مخاض ثورات وانتفاضات شعبية".
 
ويستدرك ليؤكد أن "الشعوب العربية لم تعش يوما ثورة حقيقية إلا الثورة التونسية، فما يسمى ثورات سابقا ليست سوى انقلابات عسكرية قام بها الضباط أو غيرهم وسموها العهود الجديدة والثورات الشعبية".

ويقدم الكاتب في الأخير مجموعة "شروطٍ" يراها ضرورية لأي تحرك تغييري، وذلك من خلال "ثورة كوبرنيكية داخل بنية تفكيرها أولا، وأن تبعث مؤسسات المجتمع المدني وتقويها، وأن تعطي للمرأة حقوقها المسلوبة، وأن تحيّد الدين عن النشاط السياسي.. عندها يمكن أن نتحدث عن ثورات تنجح وتؤسس لديمقراطية فعلية. لو حدثت ثورات اليوم فستطيح بالدكتاتور وستستمر الدكتاتورية".

أساليب مهترئة
أما الشاعرة اللبنانية لوركا سبيتي فتجزم بأن "الدول العربية تمرّ بمرحلة انتقالية, من جيل قديم اهترأت أساليبه وقضاياه, إلى جيل جديد هو ابن الثورة التكنولوجية, وحضارة القطب الواحد الرأسمالية المؤلهة للاستهلاك والنازعة أي معنى وجودي عن الحياة.. هذا الجيل وجد نفسه موحدا عبر الهم المشترك وعبر الثورة التكنولوجية التي صنعت له مجتمعا بديلا ساعده على الانسلاخ التام".

وتشير الشاعرة إلى الانفصال المطلق بين السلطة السياسية وجيل الشباب "فهذه السلطة قد شاخت عمريا (الرئيس بن علي مثلا يبلغ من العمر 74 سنة, ومبارك في الثمانينيات)، ونكلت بالمجتمع وعاثت فيه فسادا، مما وسّع الهوة مع الجيل الجديد، بحيث لم تبق في ذاكرته أي صورة تدفعه لاحترام هذه السلطة والسعي للحفاظ عليها".

"
الشاعرة اللبنانية لوركا سبيتي تلوم المثقف العربي لاكتفائه بدور المراقب، وتشير إلى تخاذل المثقفين
"

كما تلوم الشاعرة المثقف العربي بما تسميه تضييعه لفرصة تاريخية واكتفائه بدور المراقب أو على الأقل المنظّر للثورة. وتشير إلى تخاذل المثقفين على مستوى إنتاج الأفكار المرافقة لهذه الثورة.
 
وتقول إنه "بعد أن كانت الأفكار تسبق الثورات وتحضِر لها باتت كسولة ومجتًرة نتيجة لانغماس المثقفين الشباب في أنانيتهم واختيار أكثريتهم المصالح الشخصية على الحق والحرية, وكنتيجة لابتعاد مثقفي الجيل السابق عن الميدان بسبب تراكم انهزامياتهم وابتعادهم عن روح العصر الجديد. وغدت الثورة عملا ميدانيا على الأرض لا تنتظر مثقفيها أنّ يبشروا لها".

وتعود صاحبة ديوان "عند أول مرسى" لترك بعض الطمأنينة لكون الفرصة لم تضع كليا، و"الثورات بحاجة لمن يوجهها، وبحاجة لمن يطرح لها تصورا جديدا، للحكم والدولة، قائما على حرية الفرد واستقلاليته وتطوره, فهذه الثورة التي أشعلها فرد واحد يجب أن يقطف ثمارها كل الأفراد دون استثناء".

الثورة تغري بالثورة
ويعود الروائي المصري خالد البري إلى الوراء قليلا، ويستشهد بخطوة جورج بوش في الإعلان عن مشروع الديمقراطية في الشرق الأوسط واختياره تونس نموذجا ومقرا.
 
ويوضح "هذا بالنسبة لأيّ شخص متوسط الوعي في العالم العربي شيء يدعو للضحك، لكنّه بالنسبة للنظام التونسي السابق وللدول الغربية والشرقية ذات المصلحة في دوام الحال كما هو، فإنّه اختيار صحيح رياضيا. عدد قوات الأمن كاف تماما للسيطرة على الشعب، وكاف لإجهاض أي حركة احتجاجية تأتي بنظام لا يأتمر مباشرة بمصالح الدول الكبرى".
 
البري: العنصر البشري هو كلمة السر
  (الجزيرة نت)
ولخّص صاحب "رقصة شرقية" القضية في اعتبار "العنصر البشري هو كلمة السر، ورأى أهمية إحياء هذا "المعامل" في المعادلة لأنه كان دائما العنصر الذي يمنح الرغبة في التغيير صفة ثورة. كتحرّك لأناس مغلوبين على أمرهم، مدفوعين بخليط من الرغبة واليأس قادر على أن يتحدى القوة الغاشمة ويسقط الحسابات الرياضية".

وواصل الكاتب تعداده لأهمية هذا العنصر البشري لأنه صعب التعامل معه، وصعب قياسه. معتبرا أنّ أهميته تكمن في العدوى، "فحركات التحرر في العالم كله معدية. وموجات الديمقراطية معدية. وما ذلك إلاّ لأن الإنسان بطبعه كائن مقلد، التثاؤب يغريه بالتثاؤب، والضحك يغريه بالضحك، والثورة تغريه بالثورة"!.

وأوضح البري أن الوضع في مصر أشبه بإنسان يئن من الألم منذ سنوات بصوت مسموع لكن أحدا لا يكترث له. وأوضح "لم يكن يتخيل أنّ ثمة حلا آخر غير الأنين، لكنه فجأة حين سمع انفجار الإناء في تونس، ورأى ذعر من بدوا واثقين من أنفسهم، أدرك أنّ ثمة حلا آخر سوى الأنين المتواصل".

المصدر : الجزيرة