لوحة حانوت الكباب للفنان جون فريدريك لويس ورسمت عام 1858


أحمد الشريقي
 
تستلقي إسطنبول هادئة على ضفاف البوسفور، ترتفع مآذنها إلى السماء، وتشمخ الأشجار عالية بين بيوتاتها ذات الطراز الشرقي، في لوحة أولى  تشكل فاتحة لرحلة استشراقية ملونة في فضاء الإمبراطورية العثمانية مطلع القرن الثامن عشر وحتى منتصف القرن العشرين ضمن معرض يقدمه المتحف الإسلامي بالدوحة، مجملا ما تفتقت عنه المخيلة الاستشراقية لعالم العثمانيين.
 
إنها فتنة الغرب بالشرق، ما يجده مرتاد معرض "رحلة في عالم العثمانيين" الذي يتواصل حتى الرابع والعشرين من الشهر الجاري وينظمه متحف المستشرقين التابع لهيئة متاحف قطر.

ومنذ فتح القسطنطينية في منتصف القرن الخامس عشر ظلت هذه المدينة (إسطنبول حاليا)، ملهمة للإبداع الغربي لاستكشاف عوالم الفاتحين الجدد، ومثار فضول لروائييهم وشعرائهم وتشكيلييهم لسبر أغوار الجار الجديد للغرب، ولعاصمته –مدينة "رغبات العالم"- التي ضمت خليطا من المشرق والمغرب في عاداتها وطرزها المعمارية وفنونها مجتمعة.

حسين باشا القائد البحري العظيم في الأسطول العثماني للفنان جان باتيست هيلير 1800  
وشكلت ثيمات الجمال الطبيعي، المعالم التاريخية، ونمط الحياة في إسطنبول مصدر فتنة الغربيين لقرون عدة، وحملت مشاهد الحياة اليومية، في أكثر من مدينة من مدن الإمبراطورية العثمانية بصخبها وأسواقها، وباحات المساجد، والميناء، والمقاهي، وأماكن النزهات، والشوارع وبيوت المدينة القديمة، المواضيع الأكثر طرقا للفنانين في أعمالهم.

لا تبتعد اللوحات الثلاثون التي يضمها المعرض عن تلك الاهتمامات التي شغلت المستشرقين بكافة اهتماماتهم الأدبية والإبداعية.
 
صانعو المجد
وإذا كانت اللوحات الثلاث الأولى تقدم إسطنبول عاصمة الإمبراطورية بهدوئها ورومانسيتها ومآذنها، فإن مبدعيها لا يتأخرون في تقديم "بورتريهات" لصانعي المجد العثماني بدءا من محمد الثاني (فاتح القسطنطينية) الذي تأتي صورته أصغر حجما بين اللوحات مرورا بسليم الثالث وسليمان القانوني وقائد الأسطول البحري العثماني خير الدين بربروسا.

ويعمد الفنانون المستشرقون في تقديمهم للشخصيات العثمانية إلى إظهار العالم الداخلي، والتكوين النفسي لهذه الشخصيات كما رصدها المستشرقون من خلال انطباعاتهم عن السلاطين ورجال البلاط العثماني وعما تناهى إلى مسامعهم عن هذه الشخصيات.

وهكذا يبدو السلطان سليم في إحدى اللوحات التي تمثله شخصا ثاقب النظرة قوي الملامح، عاكسة صورة السلطان العثماني الذي دشن فتوحات آل عثمان في المشرق العربي عبر إسقاطه لدولة المماليك في المعركة المشهورة مرج دابق في منتصف القرن السادس عشر، لكن تلك الملامح لا تبدو على واضع قوانين الإمبراطورية سليمان القانوني الذي يبدو في لوحة جانبية متأملا.

صورة شخصية لخير الدين بربروسا بريشة برناردينو كامبي 1550
كما يفرد الفنان برناردينو كامبي صورة لقائد الأسطول البحري العثماني خير الدين بربروسا، الذي تصفه مصادر غربية بأنه قرصان، في حين تمجده مصادر عربية للدور الذي لعبه في صدّ محاولات البرتغاليين والإسبان احتلال بعض دول الإمبراطورية، حاملا لرمح ثلاثي الشعب في رمز للقوة الجبارة التي يتمتع بها حاكم البحر. 

إضافة إلى أحد قواد البحر العظماء وهو حسن باشا (1713-1790) المعروف باسم غازي حسن أو جزايرلي أي من الجزائر، وفي اللوحة المتخيلة لكاميني يظهر حسن باشا وبجانبه أسد ضخم الجثة، والأسد ليس تعبيرا رمزيا للقوة بقدر ما هو حقيقة تاريخية نقلت عن ترويض حسن باشا لأسد أفريقي.
 
العلاقات الدبلوماسية
وعبر مجموعة ضمت لوحات متتابعة من مقتنيات المتحف الوطني بأمستردام، يظهر الفنان المستشرق جان باتيست فانمور العلاقات الدبلوماسية بين "الباب العالي" والسفير الهولندي كورنيليس كالكوين لدى القصر العثماني في القرن السابع عشر، وتصور اللوحة الأولى اختراق السفير مع حاشيته السور الغامض للسرايا. واندفاع الانكشاريين إلى مواقعهم على أطباق للأكل ألقاها السلطان إليهم.

وفي اللوحة الحية يبدو السفير في المستوى الأول يتقدم بعظمة يليه الأمناء والأشراف التابعون له.  كما يتجه بعد ذلك إلى الديوان، حيث يحضر السفير وحاشيته مجلس الوزراء وقد ارتدوا الملابس الرسمية قبل استقبال الخاقان لهم.

وفي لوحة ثالثة يعبر السفير وحاشيته باحة قصر "الطوب قاب" خلال مأدبة "تشاناك ياغماسي" في سبتمبر/أيلول من عام 1727م. وفي لوحة أخرى عشاء للسفير نفسه أقامه على شرفه الصدر الأعظم، وفيما يشبه توثيقا لزيارة كالكوين تعرض لوحة ثالثة للقائه مع السلطان أحمد الثالث.

وكان كورنيليس كالكوين قد عمل سفيرًا لجمهورية هولندا في إسطنبول عاصمة الإمبراطورية العثمانية من عام 1727 حتى 1744. واللوحات توثق وصوله إلى الإمبراطورية في 14 سبتمبر 1727 حيث قدم رسائل اعتماده إلى السلطان أحمد الثالث.
 
هروب من جزيرة خيوس
للفنان فرانشيسكو هايز 1839
عالم الحريم
كما قدم بان مور الذي استأثر بمعظم لوحات المعرض، مجموعة من اللوحات التي تظهر تفاصيل الحياة اليومية كما عايشها في إسطنبول مقدما مشاهد متتابعة لحفلة نسائية على ضفاف البوسفور، وموكب زفاف في لوحة أخرى، كما يعرض طفلا في ذهابه الأول إلى المدرسة، ورقصة الدراويش في إحدى تكايا المولوية.

ويفرد المعرض لوحتين ضمن أكثر المواضيع التي مثلت فتنة للمستشرقين وهو عالم الحريم، كما بدا بريشة أنتوان إيغنياس مللينغ مصورا حريم السلطان العثماني في إحدى قصور الحريم.

وتتقاطع معظم لوحات "عالم العثمانيين" في توق مبدعيها لتقديم صورة الشرق ومحاولة لترك إرث يقدم توثيقا تشكيليا لواحدة من أغنى الحقب الإنسانية على مر التاريخ.

المصدر : الجزيرة