محتجون يمزقون صورة الرئيس المصري في مظاهرات مدينة الإسكندرية (الأوروبية)

محمد الحمامصي-القاهرة
 
الغضب الشعبي الذي تشهده مصر حاليا يكاد يخلو حتى الآن من أصوات المثقفين والكتّاب، دفاعاً عن هؤلاء الشباب الذين ثاروا مطالبين بالحرية والكرامة والإنسانية، وحق الشعب المصري في العيش والعمل.

أصوات عالية رفعها فنانون وإعلاميون وأطباء ومهندسون وفئات أخرى من المجتمع المصري، في حين توارى صوت المثقفين شعراء وروائيين ومفكرين.
 
لذا كان لزاماً سؤالهم "لماذا يعلو صوتهم حين تناديهم السلطة للقيام بمهام الترويج والدفاع عن أفكارها، بينما يخبو وينطفئ ويتوارى حين يناديهم الشعب للدفاع عن مقدراته وحقوقه في الحرية والتعبير والحياة؟".

سيد جودة: المثقف الحقيقيَّ هو من يشعر بآلام شعبه ويقف في وجه الطغيان
موائد السلطة
"هؤلاء الذين يسمعون نداء السلطة دون نداء أوطانهم، هم مثقفون خانوا شعبهم، لأن المثقف الحقيقيَّ هو من يشعر بآلام شعبه ويكتوي بها، هو من يقف في وجه الطغيان ويقول: لا"، بهذه المقولة الحاسمة يرسم الشاعر المصري سيد جودة المشهد الثقافي المصري في ثالث أيام الغضب التي تشهدها أرض الكنانة.

ويضيف جودة "هؤلاء المثقفون الذين امتلأت بطونهم من موائد السلطة، كانوا يسطون على أموال الشعب الذي لا يجد قوت يومه، حيث رب الأسرة قد يشنق نفسه لعدم قدرته على إطعام صغاره الجياع، وتنتحر امرأة حامل لعجزها عن دفع ثمن ولادتها، والشباب المفعم بالطاقة والحيوية يحرق نفسه ويلقي بنفسه في النيل يأسًا من الحياة، وشباب آخر عاطل عن العمل وغير قادر على بدء أسرة، وقد قارب أحدهم على الأربعين".

ويؤكد الشاعر المصري أن "مثقف السلطة" ينعم بمال هؤلاء الفقراء، مشيراً إلى أن "مصر العزيزة" تسقط يومًا بعد يومٍ، فيما يقف المثقف "عاجزاً" عن المشاركة -ولو بقلمه- لـ"إنصاف" هذا الشعب الذي يرفض الظلم والطغيان.

ويرفض جودة أن يكون "أداة رخيصة" أو "بوقًا علاه الصدأ"، مؤكداً أنه لن يُفيد هؤلاء المنتفعين ما يكتبونه بعد أن تعود الحرية للشعب المصري، على حد قوله.

طلعت شاهين: مثقفو مصر تم تدجينهم ودخلوا الحظيرة
وتأكيداً على مشاركته في "غضب مصر"، يهدي جودة شعره للشعب قائلاً: "قوم يا مصري.. مصر دايمًا بتناديك!"، وأقول لرئيس مصر: "ارْحَلْ!/ طالَ مكوثُكَ فوقَ مَدِينَتِنا زَمَنًا/ لا واللهِ.../ ما باركناكَ/ ولا زيَّناكَ/ ولَوْ حتى ساعةَ ليلٍ/ فاجْمَعْ كلَّ ظلامِكَ وارْحَلْ!".

حظيرة التدجين
المترجم والأكاديمي طلعت شاهين أكد أن "مثقفي مصر ومعظم مثقفي العالم العربي تم تدجينهم ودخلوا الحظيرة، كما قالها وزير الثقافة المصري فاروق حسني"، مضيفاً أنهم "تعلموا من السلطة البقاء على كراسيهم التي قدّمتها لهم الحكومة ليستمتعوا حتى بعد سن الإحالة إلى التقاعد".

شاهين يغمز من قناة نماذج معروفة وواضحة لا تزال تتصدر المناصب الثقافية والإعلامية في مصر، وهي تنتمي إلى جيل الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، ويتساءل "هل توقفت مصر عن الإنجاب منذ الستينيات وحتى الآن، وهل يجب على الأجيال الجديدة أن تنضوي تحت "شلة" أو "تيار" أحد مسؤولي الثقافة".

ورأى شاهين أن الأنظمة العربية نجحت في تكوين "زبائن" بين المثقفين من ذوي المصالح الخاصة، يتحدثون عن التنوير عندما تجد الحكومة نفسها في مواجهة السلفيين، ويكبلهم "الصمت" عندما يهب الشعب لتحقيق مطالب وطنية.

منصورة عز الدين: كثير من مثقفي مصر يدعمون بوضوح الانتفاضة الحالية كل بطريقته
رفض التعميم
بدورها تحفظت الكاتبة والروائية منصورة عز الدين على صيغة التعميم عبر توجيه الاتهام للمثقفين جميعهم، وقالت "هناك من بين المثقفين المصريين من لعبوا أدواراً مهمة في النضال ضد السلطة، وحتى في الانتفاضة الحالية، كثيرون منهم يدعمونها كل بطريقته وبشكل معلن وواضح".

ويتفق الكاتب أسامة عفيفي مع هذا الرأي، مؤكدا رفضه لمقولة "كل المثقفين من مثقفي السلطة"، وأن شواهد التاريخ الإنساني والعربي ليست بحاجة إلى تذكير، حيث للمثقف العربي مواقف كثيرة في مواجهة السلطة الدكتاتورية، وكتابات بعضهم تتعرض للمصادرة والرقابة لأنها تطالب بالحرية والعدالة، إضافة إلى بياناتهم المناهضة لسلطات الاستبداد التي تتصدر صفحات الصحف المعارضة، وقال إن عدداً من المثقفين يلتحمون بمظاهرات الشارع وغالبا ما ينظمون وقفاتهم الاحتجاجية الخاصة بهم في الميادين.

ولفت عفيفي إلى بيان اتحاد كتاب مصر الذي انحاز لمطالب انتفاضة الشباب الحالية، وأدان القمع والعنف الذي مورس ضد حركتهم، ورأى في ذلك خير دليل على تشبث كتاب مصر بدورهم الطليعي والوطني.

أصلاء ووصوليون
الكاتبة والناقدة بدرية بشر اعترضت أيضاً على فرضية "وضع المثقفين جميعهم في سلة السلطة"، وقالت "هناك منتفعون من السلطة من مذاهب ومراتب وشرائح متعددة، وبعض المثقفين ينتمون لهذه الفئة بوصفهم منتفعين لا لكونهم مثقفين، وهؤلاء يمارسون ما يمارسه كل منتفع من السلطة، لا هم له إلا تحقيق مكاسبه الشخصية، حين يتأكد أن دخله الذي يتأتى من الدفاع عن أفكار السلطة أكبر مما يمكن أن يحصل عليه من الدفاع عن الشعب".

بدرية البشر: من الظلم وضع جميع المثقفين في سلة السلطة
"المثقفون هم في النهاية بشر تجد منهم المتسلق والوصولي، وتجد منهم الأصيل صاحب الموقف النزيه والمدافع عن حقوق الناس"، هكذا تتلخص رؤية بدرية بشر، مؤكدة أن "التزام المبادئ والأخلاق النزيهة ليس واجبا على المثقف دون غيره، بل على الجميع".

وتضيف "من المعيب على أي فرد مهما كانت خلفيته الاجتماعية والثقافية والسياسية أن يتواطأ مع سلطة تنهب شعبها، وتستأثر وحدها بالمكتسبات والثروة وتتلاعب في حقوق الناس".

وشددت بشر على أن "خطأ مسؤول حكومي أو قاض أو رجل أعمال أو وزير يعادل -وقد يفوق- خطأ المثقف نفسه في تزييف الوعي لدى الناس بميله إلى مصالح الحكومة ضد مصالح الشعب"، وأن "المثالية والرومانسية" جعلتا خطأ المثقف "فادحاً"، فيما أخطاء الآخرين "مبررة" أو أقل جرماً.

ولفتت إلى إشكالية "صناعة ثقافة تجعل من بعضنا ملائكة والبعض الآخر شياطين"، إذ إن الجميع متساوٍ في المسؤوليات والواجبات، والاستهتار بحق الشعب "عار"، سواء ارتكبه مثقف أو تاجر، داعية إلى "تصحيح" هذا اللبس لينصف المثقف نفسه ويرتدع عن الخطأ.

المصدر : الجزيرة