"وزارة الشعب" شعار رفعه متظاهرون عند جدران مبنى رئاسة الوزراء (الأوروببة)

محمود منير
 
"نموت ونحيا على عهدها ** حياة الكِرام وموت العِظام"، بكلمات النشيد الوطني التونسي اشتعلت حناجر المتظاهرين في مدينة سيدي بو زيد، احتجاجاً على قمع النظام السابق وفساده وتجويعه لهم سنين مديدة.

ورغم أن كلمات النشيد الوطني وضعت مع مجيء بن علي للسلطة في عام 1987 -محل النشيد الوطني السابق "نخوض اللهيب بروح الحبيب زعيم الوطن"، الذي يتغنى بالرئيس السابق الحبيب بورقيبة- فإن النشيد ذاته جمع التونسيين في ساحات البلاد حتى سقوط الطاغية.

"حماة الحِمَى" كتبه الشاعر المصري من أصل لبناني محمد صادق الرافعي، وأضيف إليه بيتان من قصيدة الشاعر التونسي الراحل أبو القاسم الشابيّ الشهيرة: "إذا الشعب يوماً أراد الحياة"، ليظلّ مرجعية لكل التونسيين.

نظرة من الداخل
الشاعر والروائي التونسي محمد علي اليوسفي يرى أن مطلع قصيدة الشابي استخدم بوصفه شعاراً، لأنه دخل في التركيبة الثقافية والخطاب الجمعي، وأن إنشاد النشيد الوطني كان أشبه بإعلان موقف.

اليوسفي: إنشاد النشيد الوطني كان
أشبه بإعلان موقف (الجزيرة نت)
ويقول اليوسفي -في اتصال مع الجزيرة نت- إن "القصيدة كانت محرضةً للاحتجاج عبر توظيفها في مواقع الإنترنت والفيسبوك على أيدي الشباب التونسي، وكان استحضار محمود درويش والقصائد الوطنية المغناة له أو لغيره مؤججاً للحماسة والشعور الوطني".

الشعر وحده لم يُسهم في خروج الملايين إلى الشارع، بل سبقه مغنو الراب الذين بدؤوا في العقد الأخير يتحسسون معاناة الناس، ويجتذبون بكلمات عامية بسيطة أوساط الشباب.

"ريس البلاد، شعبك مات" كانت سبباً في اعتقال مؤديها حمادة بن عمر، أو "الجنرال" كما يحلو لمحبيه تسميته، وقد ألهبت كلمات هذه الأغنية مشاعر الشباب التونسي الذي عممها على مواقع الإنترنت، قبل أن تكون طريقه إلى الثورة.

بن عمر أفرج عنه بعد أن طالب المتظاهرين بإطلاق سراحه، ويقول في أغنيته "هاني اليوم نحكي معاك باسمي وباسم الشعب الكل/ اللي مازال عايش في العذاب 2011/ ما زال فم اللي يموت بالجوع"، وقدّم قبلها أغنية "تونس يا بلادنا" وغيرها من الأغاني الناقدة للسلطة واستبدادها وفسادها في تلك الفترة.

ويعتقد اليوسفي أن الشعر الشعبي كان يُؤلف ويُنشد بعفوية في التجمعات الحاشدة، وبدا أكثر رشاقة وقدرة على التأثير، لكنه أشار إلى الحضور الطاغي لمغني الراب بسبب "تسييس كلماته ومباشرتها".

وأضاف "لم تلفتني الشعارات وتوظيف الشعر فيها، لكن ما يثير هو تآزر الناس، وتَشكّل عقلية جديدة محبة ساعدت في ظهور حلقات حوار ونقاش معرفي تملأ الآن المطاعم والمقاهي التونسية، وإن كانت مواضيعها الرئيسة سياسية بامتياز".

شعر شعبي وفصيح
من جهته أشار الشاعر الفلسطيني المقيم في دمشق خالد أبو خالد إلى نوعين من شعر الاحتجاج والمقاومة، الأول ينهل من وجدان الشعب وهذا غالبا ما يقوله الحداؤون أي الشعراء الشعبيون، مؤكداً أن "هذا الشعر يصل أسرع من سرعة الضوء، ويفجر الروح، ويضع الناس على المسار".
 
 أبو خالد: المناضل الفيتنامي هوشي منه كان يسترشد بنضالات التونسيين والسوريين   (الجزيرة نت)
"وهناك شعر تأثيره تراكمي، وأعني به الشعر الفصيح، وهو في حالات الجزر السياسي يتحول إلى نوع من الرافعة لاستنهاض الهمم، وغالبا ما يطلق منظومة قيمية صحيحة فيما يتعلق بكفاح الشعب، إما من أجل الاستقلال وطرد المحتل الأجنبي وإلحاق الهزيمة به، وإما بهدف الحرية إذا كانت هناك أنظمة تمتص دم الشعب وتستغله وتعمل في خدمة الأجنبي"، يضيف أبو خالد.
 
وذكّر صاحب "معلقة على جدار جنين" بالشاعر الشعبي نوح إبراهيم الذي شارك في ثورة فلسطين وحفظ الناس قصائده عن ظهر قلب، فيما مثّل على شعر الشعر الفصيح بالشاعر عبد الرحيم محمود وإبراهيم طوقان وأبو سلمى، حيث كان البيت الذي ردده عبد الرحيم محمود، وهو ذاهب إلى معركة الشجرة 1948 محفزاً لهمم الثوار، حينما قال: "سأحمل روحي على راحتي ** وألقي بها في مهاوي الردى
فإما حياة تسر الصديق ** وإما ممات يغيظ العدى".

ولفت أبو خالد إلى أن أغلب الهتافات التي تواكب الاحتجاجات هي نوع من محاكاة الشعر، حيث البحث عن العبارات الموقعة ذات الوزن والقافية الواحدة.
وتحدث صاحب "رمح لغرناطة" عن تأثير الشعر الشعبي لدى التونسيين، مستعيدا توظيف بعض الفرق الشعبية مطالع شعبية معروفة لا علاقة لها بالسياسة، لكنها ركبت عليها سياسيا ما هو ضروري لتشكيل رافعة آنية في ظروف مختلفة، ومنها ثورتهم ضد الرئيس المخلوع بن علي.

وشدد أبو خالد على إرادة الشعب التونسي، بوصفها أساس ثورته، مستعيداً مقولات المناضل الفيتنامي هوشي منه الذي كان يسترشد بنضالات التونسيين والسوريين، كما تفيد بذلك أدبياته.

المكبوت والمحرم
بدوره ميّز الأخصائي النفسي والشاعر الأردني باسل الحمد بين مسألتين أساسيتين؛ الأولى تتمثل في الشعارات التي تُرفع في المظاهرات -وقد تكون ذات وزن وذات قافية شعرية، لكنها بحد ذاتها ليست شعراً- والثانية استلهام بعض الموروث الشعري، لأن هذه القصائد تحمل مدلولات تتعلق بالحرية والحق والنضال.

الحمد: قصائد الشابي محفزة وتحمل
معاني إيجابية تجاه الحياة (الجزيرة نت) 
في النموذج التونسي، أوضح الحمد أن استخدام قصيدة الشابيّ "إذا الشعب يوماً أراد الحياة" في مظاهرات الاحتجاج يحمل عدة دلالات، فهي جزء من الموروث الشعري التونسي الحديث التي تعامل أو تشاكل مع قضايا مثل الاستعمار، ولأن هذه القصيدة مكتوبة بلغة فصيحة فلا يكاد منهاج لغة عربية في العالم العربي يخلو منها.

وأضاف الحمد "تحمل هذه القصيدة معاني إيجابية تجاه الحياة، وترفض فكرة السلبية والارتكان إلى القدر، ليس بمعناه الإلهي ولكن بمعناه الحتمي، فيما يتعلق بصيرورات الحياة".

 وتابع "أعادت قصيدة الشابيّ والنشيد الوطني التونسي إلى الناس مجموعة من المشاعر التي يمكن أن تسمى بالنوستالوجيا (الحنين إلى الماضي)، وهي لحظات أجمل من الحاضر، ولأن هذا الماضي ارتبط بمواجهة كل ما هو ضد الشعب".
 
ولم يغفل الحمد "اللاوعي الجمعي لدى الناس الذي يستحضر في بعض اللحظات رموزا ودلالات عنت في مرحلة ما خروجاً عن المكبوت والمحرم كالسلطة، سواء أكانت ممثلة في الاستعمار -وهو كابت معرفي ومتفوق بقوته وجبروته- أو ممثلة في السلطة الأبوية التي تحمل مدلولات القمع والاضطهاد".

ونبّه إلى أن ما أُنتج من شعر في الثقافة العربية في أغلبه شعر مديح وفخر وغزل ورثاء، لكنه لم يكن في أغلب الوقت شعرا يتجه نحو التحرر والخروج عن المألوف، خلافا لقصيدة أبو القاسم الشابيّ، لذلك تم استحضارها، حسب قوله.

المصدر : الجزيرة