معرض إيفينير بباريس.. تقابُل هويتين
آخر تحديث: 2011/1/24 الساعة 16:39 (مكة المكرمة) الموافق 1432/2/20 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2011/1/24 الساعة 16:39 (مكة المكرمة) الموافق 1432/2/20 هـ

معرض إيفينير بباريس.. تقابُل هويتين

صورة أرشيفية من موقع الفنانة تظهر معرضا سابقا لها

أنطوان جوكي-باريس
لا يمكن إهمال معرض التركية إينشي إيفينير الذي انطلق حديثاً في متحف باريس للفن الحديث تحت عنوان "بيانات محطمة"، فهي بدون مبالغة أحد أبرز الوجوه الفنية المعاصرة في بلدها وأنشطها. وأكثر من ذلك، تمكنت هذه الفنانة بموهبتها فقط من اختراق الساحة الفنية الدولية.

ويشهد على ذلك حضورها في أبرز المعارض السنوية الدولية، كمعرض شنغهاي عام ٢٠٠٨، ومعرض "بوزان" في كوريا الجنوبية عام ٢٠١٠. كما أن معارضها الفردية المهمة تقام إما في معرض "وايت شابل" اللندني الشهير، أو في معرض "غوغنهايم" (برلين) الغني عن التعريف، أو في معرض "بونيي كونستال" في ستوكهولم.

ولا نعجب من نيلها العام الماضي جائزة "سام" الفنية الفرنسية التي أمّنت لها فرصة الاستقرار في باريس فترة ستة أشهر وعرْض عملها في متحف هذه المدينة للفن الحديث، فهذه الفنانة نجحت في استخدام إمكانيات الفن كممارسةٍ لتجاوز أي نوع من الحدود فيما يتعلق بمسألتَي الهوية وكشْفِ فضاءات الحرية.

وقبل التطرق إلى مضمون المعرض، نشير أولاً إلى أن خصوصية إيفينير تكمن في تركيز عملها على الجسد كموضوعٍ أو مادةٍ رسامية وعلى الرسم بالحبر الصيني على ورق كتقنيةٍ.
 
وفعلاً، تشكّل رسومها المنفذة بحركيةٍ كبيرة وبأسلوبٍ تصويري خاص القاعدة الثابتة لجميع مشاريعها، وإن لجأت في السنوات الأخيرة إلى تقنية الفيديو لتحقيق بعض أعمالها، وحتى في هذه الأخيرة عمدت إلى إسقاط رسومٍ أو نماذج رسمية ومزجها مع ابتكارات محقَّقة داخل الإستوديو.

لوحة "بارلامنتو" التي تناقش الهوية الأوروبية والعلاقة بتركيا (الجزيرة نت)
وإن بهذه التقنية أو تلك تتلاعب إيفينير بالعلامات والتقاطعات والتضاربات والسلوك المقولب، وتخلط الجمالي بالسياسي والشهواني بالالتزام المواطني ضمن مقاربة "بيو سياسية" -والعبارة استعارتها من المفكر جورجيو أغامبن المتأثر بدوره بميشال فوكو- فإنها تقودها إلى استخدام الشخصيات الماثلة في جميع أعمالها كركائز لتأملات نظرية حول رهانات المجتمع المعاصر والديمقراطية.
 
مواطن جديد
ففي سياق العمل الذي شاركت به عام ٢٠٠٩ في "تظاهرة الفن المعاصر" (ضاحية باريس) مثلاً ويحمل عنوان "مواطِن جديد"، كشفت إيفينير ما يمكنه أن يُشكّل محرّك عملها الرئيسي بقولها "بالنسبة لي أوروبا ليست فقط ثقافة تسمح بتشريع أبواب المخيلة، بل أيضاً حضور ذهني بخطاباته حول الحرية والتكافؤ الناتجة عن تقليدٍ مقاوم عريق".
 
وتضيف "لكن من جهةٍ أخرى، يمكن لتصوُّر وتصميم الثقافة الأوروبية كشيءٍ صافٍ وحصري أن يصبح مجدداً كارثة حقيقية، إذ صحيحٌ أني أشعر بأني جزءٌ من هذه الثقافة منذ أن تبنّيتُ فكرها النقدي وأدبها، لكن ذلك لم يسمح لي بالانضمام إلى حدودها السياسية".

ولا يبتعد هذا القول من موقف تركيا الرسمي من الاتحاد الأوروبي الذي ما زالت أبوابه السياسية مغلقة في وجهها رغم تبنيها قيم الأنوار والعلمنة منذ قرن من الزمن، ووقوع جزء من أراضيها داخل القارة الأوروبية، ورغبة أبنائها الصريحة في الانتماء إلى هذا الاتحاد.

لكن إيفينير تطرح هذا الموقف على مستواها الفردي، كما في معرضها الحالي الذي يتألف من ثلاثة تجهيزات تقارب فيها تدريجيًا موضوع الديمقراطية وتلقي من خلالها نظرة نقدية لاذعة على مسألة الاستبعاد الذي يمكن أن تؤدي إليه الهوية الأوروبية الحالية.
 
إحدى لوحات إيفينير (الجزيرة نت)
بيانات محطمة
في القاعة الأولى، نشاهد الرسوم التي أنجزتها خلال إقامتها في باريس انطلاقاً من صور لأحداثٍ راهنة ووثائق مختلفة، وتمكنت بواسطتها من خلق عالم مسكون بشخصيات هجينة تبدو كأنها خارجة توًّا من لاوعيها.. أعمالٌ تشكّل خير مدخل للتجهيز الثاني الذي يحمل عنوان "بيانات محطمة" ويتألف من صورة كبيرة مسقطة على جدار بواسطة ثلاث كاميرات فيديو.
 
ونشاهد داخلها شخصيات وحيوانات مرصوفة بوضعيات مضحكة أو احتفالية وضمن حركية مكررة. وتنبثق طاقة حيوية من هذا العمل الذي يظهر كبداية تنظيمٍ للأشياء داخل فضاءٍ غير محدد، ويُشكّل قطيعة مع التمثيل الكلاسيكي.

أما التجهيز الأخير فيحمل عنوان "بارلامنتو" وقد حققته إيفينير انطلاقاً من تصميمٍ مبسط وعارٍ لمبنى البرلمان الأوروبي في مدينة ستراسبورغ الذي يُشكل رمز التماسك الثقافي للاتحاد الأوروبي، لكنه يظهر في هذا العمل كمشهدٍ مشبوه وغامض تتشابك داخله المفارقات والألغاز والكليشيهات والتناقضات، وتتم التشييدات الهوياتية فيه بين توافقٍ في طوابق المبنى العليا ومعارك في طوابقه السفلية التي تقع تحت الأرض.

باختصار، نستشفّ في مسعى إيفينير الفني ثنائية ثابتة تتحكم في عملها وتقودها إلى مقابلة ليس فقط الهويتين التركية والأوروبية بل أيضاً الماضي والحاضر، الشرق والغرب، الرجل والمرأة، البشري والحيواني، المقبول والمستبعَد، كما نستشفّ توقاً في كل عمل من أعمالها إلى العثور لنفسها -كفنانة وفرد- على أفضل موقع يمكنها من التحول إلى وسيطٍ أو حافزٍ للآخرين بواسطة مخيلتها ووجودها السياسي.
المصدر : الجزيرة

التعليقات