الكاتب الكوبي أمير بايه

حاوره في مدريد: محسن الرملي
 
أمير بايه أوخيدا كاتب وناقد وصحفي كوبي من مواليد هافانا عام 1967. له أكثر من عشرين كتابا تنوعت بين الرواية والقصة القصيرة والدراسة، وحصل على جوائز كثيرة من كوبا وكولومبيا والدومينيكان وإسبانيا وألمانيا، وكانت انطلاقة شهرته من إسبانيا بعد نجاح سلسلته الروائية (النزول إلى الجحيم) التي صدرت منها خمس روايات حتى الآن، يتناول فيها طبيعة الحياة وأسرار ومناخات قلب العاصمة الكوبية في الوقت الراهن.

أشاد بأعماله نقاد وكتاب كبار أمثال ماريو فارغاس يوسا وآغوستو روا باستوس ومانويل مونتابان. وعرف عن أمير بايه نصرته المبكرة والدائمة للقضايا العربية، حيث أصدر كتابه (بسم الله) سنة 1990 حول الشأن الفلسطيني وتم تدريسه في الجامعات الكوبية كنموذج مهم من الأدب الكوبي الجديد.

عرفتُ أمير منذ خروجه من كوبا عام 1999 وبقينا على تواصل بعد أن استقر في برلين، فنلتقي كلما زار مدريد لمتابعة نشر وتقديم أعماله التي كان آخرها روايته (هافانا، بوابة الأميركيتين)، وحيث كان لنا معه هذا الحوار:

 ما الوضع العام الحالي في كوبا وتوقعاتك لمستقبلها؟
 
غلاف "مع الله في الطريق" (الجزيرة نت)
للأسف، في كوبا الآن يتم تعزيز بنية السلطة السياسية لصالح ما تريده حكومة راؤول وفيدل كاسترو، ألا وهو تمرير السلطة إلى ورثتهم.

في سنة 1959 كانت كوبا في طليعة البلدان النامية في أميركا اللاتينية أما الآن وبعد مرور 51 سنة فنحن بلد فقير لا تأتي بعدنا في القائمة إلا هاييتي وبوليفيا. لدينا مشاكل كثيرة وفوارق اجتماعية رغم مزاعم الاشتراكية. وعن المستقبل.. أعترف بأنني متشائم، فلا أتوقع حدوث تغيرات في كوبا على مدى الـ 10 أو الـ 15 سنة القادمة، ثمة شلة قليلة تحكم وتنعم بالثروات المليونية وسط بلد يغص بالمتسولين.

وماذا عن الأدب والثقافة في كوبا الآن؟

 
إن الأدب الكوبي الآن هو أغنى مما كان عليه في أي وقت مضى، يوجد أدب قوي وأعمال هامة تكتب في الداخل وأخرى هامة جدا تكتب في الخارج، وهذا أحدث تغييرا، فلأول مرة ومنذ عقود توقف الحديث بين المثقفين الكوبين عن تقسيم أدبنا إلى "أدب الداخل" و"أدب الخارج"، فنحن الآن نتحدث عن أدب كوبي واحد بغض النظر عن أين يكتب. وقد حدث هذا التغير، لأن آلاف الفنانين والكتاب قد هاجروا.
 
وأضرب لك مثلا على ذلك، هو جماعتي أو جيلي، فقد كان عددنا 52 كاتبا حين بدأنا النشر سنة 1984، أما الآن فلم يبق منا سوى سبعة يعيشون في الداخل، فيما هاجر البقية إلى خارج كوبا.

وما أبرز السمات لهذا الأدب الذي تكتبونه اليوم بشكل عام؟
 
إنه يتميز بالتوجه المباشر إلى الهموم والهوية الوطنية وإلى الاهتمام بقراءة واقع البلد، حيث يتم تناول اليومي الكوبي وينصب الاهتمام على الصراع الإنساني والتحولات الاجتماعية، وبشكل عام هو أدب واقعي باستثناء بعض الأعمال التي تطرح فنتازيا الكاتب عبر لغة مليئة بالصفات والنحت اللغوي التجريبي بهدف إيجاد بيئة خاصة.
 
وفي الأعوام الأخيرة نجد أن الجنس الأكثر شيوعا هو جنس الشهادة الأدبية أو المرتبط بالسيرة والتجربة الشخصية للكاتب، هذا إلى جانب ظهور بعض الشباب ممن يعرفون بكتاب الواقعية القذرة، وهم الذين يحاولون وصف وتدوين المظاهر السيئة في الواقع، وتصوير أكثر الأشياء إزعاجا.

وعلى الصعيد الشخصي، ما الفرق بين إقامتك في إسبانيا وإقامتك الحالية في ألمانيا؟
 
غلاف كتاب "الكلمات والأموات" (الجزيرة نت)
عندما كنت أعيش في كوبا، كنت أحلم دائما بأن أصبح ما أسماه البعض "مواطنا عالميا"، وأعتقد الآن أنني قد حققت هذا الحلم. فالعيش في أوربا وإمكانية وسهولة الانتقال من بلد إلى آخر دون الحاجة لاستحصال موافقات رسمية أو عرض جواز سفرك، هو أمر يغني كثيرا، ومن أجل معرفة ثقافة مختلفة فلا تحتاج لأكثر من توفير الوقت وشيء بسيط من المال يكفي لبطاقة السفر، والتي هي الآن أرخص مما كانت عليه من قبل.

أعجبت دائما بالثقافة الألمانية، فهي واحدة من أهم وأكثر الثقافات نفوذا في العالم الغربي، وها أنا اليوم أعيش في خضم هذه الثقافة، في خضم هذه اللغة، إنها تجربة فريدة من نوعها. هذا عدا أن إسبانيا لا تبعد عني سوى ساعتين من السفر ولهذا فإنني أمضي قسطا من كل عام غارقا بالثقافة الإسبانية، التي هي ثقافتي الأصلية. إن العيش على هذا النحو هو أمر مثر ورائع فعلا.

ماذا عن مدى المعرفة بالأدب العربي في كوبا؟
 
للأسف فإن الأدب العربي في كوبا غير معروف، لا نعرف إلا بعض الأسماء التي ترجمت قبل أعوام طويلة بفضل بعض مثقفينا الذين سعوا إلى نشرها، ومن هذه الأسماء محمود درويش وسميح القاسم وأسماء فلسطينية أخرى، وذلك لطبيعة الاهتمام وبعض الشبه من حيث الظلم الدولي بين القضيتين الفلسطينية والكوبية، لقد نشرت أنطولوجيا شعرية سنة 1983 ضمت خمسين شاعرا عربيا، وأكثر الشعراء الشرقيين شهرة هناك هو عمر الخيام، أما من الرواية فالأمر أقل حيث عرفنا روايتين لنجيب محفوظ وواحدة للطيب صالح مثلا، كما لا يوجد تصور كاف هناك عما يجري في الأدب العربي أو السينما العربية باستثناء بعض الأفلام التي قدمت في المهرجانات.
 
أما في الأدب فكما قلت لك، الأسماء قليلة وتبدو لقارئنا أسماء غريبة، علما بأن ثمة فضولا كبيرا لمعرفة الأدب العربي من أجل الاطلاع وفهم الثقافة والحال العربي الآن، لا أدري لماذا لم تقم السفارات العربية هناك بفعل شيء للتعريف بثقافة بلدانها، بينما وجدنا أن السفارة اليابانية مثلا قد قامت بدعم نشر الأدب الياباني والتعريف به بشكل كبير وبكل أجياله.

وما الذي يمكن فعله، في رأيك، من أجل التقريب أكثر بين الثقافتين العربية والكوبية؟

التفكير بالجسر الأول لإحداث هذا التقارب، ألا وهو الترجمة، فالمشكلة الرئيسية تكمن في قلة الترجمة والمترجمين بين اللغتين العربية والإسبانية، ومن ثم القيام بشيء كالذي قام به أليخو كاربنتير في أعوام الستينيات، حيث اختار أسماء لكتاب وأعمال رأىبأنه لا بد من ترجمتها ونشرها.
غلاف "الأبواب في الليل" (الجزيرة نت)

ولهذا من حسن حظنا نحن الكوبيين وبفضل فكرة كاربينتير تلك نشرت مجموعة أعمال أدبية عربية هامة لكتاب كلاسيكيين ومعاصرين، كالمتنبي ومحمود درويش ونزار قباني في الشعر، وفي النثر "ألف ليلة وليلة" ورواية (زينب) لمحمد حسين هيكل وجبران خليل جبران والطيب صالح.

الأمر الآخر الذي يمكن فعله هو خلق فضاءات نشر مشتركة بين الكتاب العرب والكوبيين أو بين الكتاب باللغة العربية والكتاب باللغة الأسبانية، بحيث يأخذون بعضهم بأيدي بعض ويبحثون أو يقيموا معا جسور التواصل المتاحة والممكنة بين الثقافتين، وربما تكون شبكة الإنترنت أحد الفضاءات الهامة لذلك.

بمناسبة تطرقنا للثقافة العربية، حدثنا عن كتابك (بسم الله) الخاص بالشأن الفلسطيني؟

هذا الكتاب هو عبارة عن شهادات لسبعة فلسطينيين من أصدقائي الذين كانوا يدرسون الصحافة معي في الجامعة وقد صغتها بشكل روائي، من بينهم قادر داود الذي كان يرأس رابطة الطلبة الفلسطينيين في كوبا، وقتل في القصف الذي حدث في تونس سنة 1985، ولهذا أهديت الكتاب إلى هذا البطل، لقد نلت على هذا الكتاب أهم جائزة أدبية في كوبا، وهي جائزة اتحاد الكتاب، وأعيد طبعه لأكثر من مرة لما حظي به من نجاح كبير على صعيد القراءة ودرس في الجامعات الكوبية كنموذج من الأدب الكوبي المعاصر.
 
ثم كتبت الجزء الثاني منه تحت عنوان (مع الله في الطريق) مضمنا فيه شهادات فلسطينيين آخرين تصف هذا الصراع وتسجل قصصا حول البربرية الصهيونية ضد الشعب الفلسطيني، ونشر في بريطانيا سنة 2000 باللغتين الإسبانية والعربية.

المصدر : الجزيرة