الجمهور الثقافي في كندا متعدد الأعراق (الجزيرة نت)


جاكلين سلام- تورنتو
 
الهجرة إلى بلد جديد تجربة تستفز المخزون النفسي والثقافي للمبدعين خصوصا أولئك الذين عليهم أن يستوطنوا لغة جديدة بما يستتبعه ذلك من انخراط في ثقافة مغايرة، ولعل الكتّاب والمبدعين عموما هم أكثر الناس حساسية في التعاطي مع مسألة الانتماء ومأزق الاقتلاع والتجذر في المكان الجديد.

"معابر: أهلاً بكم في بيتكم كندا" هو كتاب يشارك فيه المبدعون الكنديون حيث يسجلون شهاداتهم الحياتية والإبداعية، سواء من جيل الهجرة الأول أو الثاني، وبعضهم حقق شهرة واسعة وانتشارًا أدبيًّا في كندا وخارجها، وأغلبهم يكتب ويقرأ بالإنجليزية كلغة أمّ.

مايكل أغناتيف
وضع الكاتب والصحفي الكندي من أصل روسي مايكل أغناتيف مقدمة الكتاب وهو يشغل حاليا منصب رئيس الحزب الليبرالي، بعد أن كان قد اشتغل سنوات في الإعلام المرئي والمسموع في شمال أميركا، وتبحث المقدمة مخلفات العنف والكراهية والحروب، وما يبقى من آثارها في أذهان المهاجرين. ويتحدث أغناتيف عن الدول والطوائف التي ابتليت بالحروب والمجاعات.

يشدد أغناتيف على ضرورة أن يراجع الكنديون أسطورتهم، أسطورة الترحاب والصدر المفتوح والنفوس الخالية من الأحقاد والرغبة في التخريب والقتل والترهيب.

يقول أغناتيف "لسنا نعتقد وبكل براءة أن كندا معبر يجتازه الفرد من ضفة الكراهية إلى المدنية، ولم تكن أبدا كذلك. نعم يوجد على التراب الكندي بعض الكره والعنف والتفرقة العنصرية. لذلك من المناسب أن نقول للقادمين الجدد: ليس مفروضا عليك أن تأخذ بكل سبلنا نحو المدنية. لا يجب عليك أن تستوعب براءتنا في كل صيغها. بإمكانك وعليك أن تحتفظ في قلبك بذاكرتك عن اللاعدالة التي تركتها خلفك. ولكن القانون هو القانون. وينبغي عليك أن تترك خلفك فانتازيا الانتقام".

الكاتب والصحفي مايكل أغناتيف رئيس الحزب الليبرالي (رويترز- أرشيف)  
كين ساروا ويوا-الابن
نبدأ بأكثر الحالات دراماتيكية وقلقا، نتوقف أمام تجربة كين ويوا، ابن المناضل السياسي والكاتب النيجيري كين سارو ويوا الذي أعدم في نيجريا ضمن أجواء الدكتاتورية في تسعينيات القرن العشرين. وجرى مؤخرا إطلاق جائزة أدبية شعرية باسمه تخليدا لذكراه وتاريخه النضالي.

الوالد أرسل ابنه إلى بريطانيا حين كان عمره 10 سنوات، كي يكتسب علما وخبرات أملا في أن يعود بعدها للمساهمة في بناء وطنه الأول ولكن الابن تاه عن ذاته وبيته، فقد الهوية ولم يعد يعرف أهو إنجليزي، أم أفريقي، حتى اسمه اختلط عليه.

في هذه الشهادة نرى كيف يبدأ صراع ويوا بداية مع الاسم الذي اختاره له والده، ومع الاسم الذي يريده لنفسه، بين الهوية واللغة والثقافة التي يشعر بأنه تشرب منها، وبين الإرث والدم والانتماء الذي ورثه عن والده.

يقول "لقد أصبحت إنجليزيًّا. عشرون عاما في إنجلترا شكلت هويتي، لكنتي، ثقافتي، قيمي. وحين بلغت من العمر 26 سنة، بدأت أسئلتي عن هويتي تتبلور. قبل ذلك كان هناك دومًا شعور باطني مسكوت عنه، مداره القلق والضبابية، بل شعور بالخيانة والعار من كوني ميالاً إلى الإنجليزية بأكثر من كوني أفريقيًّا. وحين طالبني رفاق والدي في نيجيريا بأن ألبي رجاء والدي وإيمانه بضرورة أن أتابع المسيرة من بعده، وجدت نفسي قلقة من هذا النشاط السياسي وما سيحمله من تبعات على هويتي الشخصية".
 
هوية ممزقة
ويواصل "كلما اقتربت من عالمه وتعمقت فيه، وجدتني أكثر امتعاضًا لأن خيارات كثيرة في حياتي كان محرضها الرغبة في الهروب من تأثيره وما أراده لي، بأكثر مما أريد لنفسي شخصيًّا. بعد أن أعدم، أصبحت هذه المشاعر أشد حدّة. كنت ممزّقًا بين هوية ابن المناضل السياسي كين سارو ويوا، وهويتي الإنجليزية. كنت أتأرجح بين البلد الذي حاولت أن أتركه خلفي وأنساه، وبين البلد الذي أعطاني هوية لم تعد تلائمني".

ويعترف ابن المناضل العتيد بأنه حتى التاسعة والعشرين من العمر لم يستطع تكوين فكرة عن هويته الشخصية وما يريده من الحياة، ثم قام بحل تمزقه بين إنجليزيته وجذره الأفريقي عبر الهجرة إلى كندا التي كان قد زارها سابقا للمشاركة في حملات الدعم التي قامت بها منظمة "ابن كندا" من أجل إطلاق سراح والده المناضل السابق قبيل اغتياله.

أميرة شعراء تورنتو الشاعرة ديون براند (الجزيرة نت-أرشيف)
ويتحدث ويوا الابن عن موطنه الجديد فيقول "بقيت موزعا بين أفريقيا وكندا. أخيرًا أنا في البيت. على رف في البيت تتموضع كتب أبي ورسائله. أبي يجعل لي جذرًا، ويذكرني بالمكان الذي قدمت منه. وهو الطين الذي عجنت منه. هذه بعض كلماته لي من آخر رسالة: "لا أمانع في أن يعيش أولادك في الخارج... يجب أن تستفيد من تجربتك في إنجلترا، كي تعلي من شأن هويتك الأفريقية الأوجينية"، نسبة إلى العرقية الأوجينية التي ينتمي إليها.

ويعلق على كلمات أبيه بالقول "أصبحت هذه الكلمات رؤيتي في الحياة ومعينا على تحقيق واجباتي اتجاه نفسي، عائلتي، أبي ومجتمعي. لو كان لأبي أن يعرف كيف ستمضي رحلتي وأموري، لاختار لي الطريق إلى كندا بدلاً من بريطانيا". ثم يضيف مضيقا الهامش بين تناقضاته "هنا في كندا وجدت الفضاء الذي ساعدني على أن أعبر عن نفسي وأن أبدأ رحلة التعريف بوطني".

ألبرتو مانويل
الكاتب والمترجم الأرجنتيني الأصل المعروف عالميًّا بشغفه بالقراءة والترجمة، بعد أن جاب بلاد العالم وتنقل وأقام في هذا البلد وذاك منذ طفولته، انتقل هو وأسرته للعيش في تورنتو كندا منذ عام 1988.

ويقول مانويل "حين أفكر الآن في الوطن، أفكر في كندا. الآن هنا اقتنعت بالمشاركة في الشأن العام... هنا وليس في مكان آخر شعرت بالرغبة في أن أقدم نفسي كجزء من المجتمع. هنا في هذا البلد صار لدي إحساس بأنني مواطن في الحقيقة".

ويضيف "كان الإغريق يرون رابطة الدم والتراب كي يحصل الفرد على المواطنة، لكن كندا لا تقر بذلك. لا تتطلب المواطنة هنا شيئًا إلا تقديم الخبرة الفردية الذاتية. القادمون الجدد بإمكانهم أن يحافظوا على ماضيهم، ويستزيدوا من الحاضر".

لكن هذا الانتماء لم يمنع الكاتب من التعبير عن رأيه في أن الديمقراطية في هذا البلد، كلمة سرابية. ويبرهن على ذلك بالإشارة إلى أن الحزب الكندي الحاكم الذي يسمى الليبرالي، لم يكن لديه مانع من تفريق المتظاهرين الكنديين باستخدام رشاشات الفلفل. و"ما زلنا نسمع عن حملات الرقابة على الكتب، وهذا ما يجعل تعريف الديمقراطية في كندا، موضع استفسار".

ميشيل بيري
لكن هذه الهوية والانتماء إلى كندا، غير المشروط برابطة الدم يثير استغراب الروائية ميشيل بيري، المهاجرة منذ طفولتها من أميركا إلى كندا، إذ تجد ذلك من أكثر الأشياء غرابة.

الشاعر الكندي من أصل إيطالي
بيير جوجيو دي سي (الجزيرة نت- أرشيف)
تقول بيري "في كندا يسمونك كاتبًا كنديًّا حتى وإن كنت قادما أصلاً من الهند، أستراليا، أو أفريقيا. حتى وإن كان محور كتابتك عن ذلك البلد الذي قدمت منه. هذه طريقة غريبة في الانتماء".

تعيش الكاتبة إشكالية هويتها وهذا الانتماء الكندي الأميركي، وتجد أنها تستمتع بإقامتها في العالم الذي تسميه ما بين بين. المكان الذي قضت حياتها مبحرة فيه. لكنها تنتقد محدودية انتشار الكاتب الكندي، وأهميته التي لا تترسخ في أذهان القراء والنقاد، إن لم يجد الكاتب رواجًا لصوته في السوق الأميركية.

براين جونسون
براين جونسون، الذي قدم من بريطانيا مع أسرته وعمره خمس سنوات، حين حصل والده على وظيفة للعمل في فرع لإحدى شركات التأمين البريطانية. لم يفكر إطلاقا في أنه مهاجر، وخاصة أنه من بريطانيا المملكة التي اعتادت أن تحكم سيطرتها على عدة بلاد.

ولم يكن ذلك إلا حين قالت له زوجته أثناء جدال بينهما بخصوص انشقاق منطقة كيبيك الفرنسية عن كندا الإنجليزية "ولكنك لست من هنا". ويقول: "لا يزال لدي إشكال في أن أعرف نفسي بأنني مهاجر".

ويحاول جونسون أن يقدم تعريفا أكثر شمولية لمسألة الهوية والانتماء والبحث عن الذات فيقول: "بصورة ما، نحن جميعا نهاجر للبحث عمن نحن. بسفينة أو بدونها. أو حتى بدون أن نغادر بلداننا إطلاقا. نترك أسرتنا لنشكل عالمنا الخاص. ومن ثم في منعطف ما، حين يأخذ الماضي في الاستحواذ علينا، بغموضه وأسراره غير المكتشفة، حينها ومن أي مكان في العالم، نحاول أن نجد طريقًا للعودة قبل أن يصبح الوقت متأخرًا".

"
أمنيتي حين أذهب إلى مثواي الأخير، ألا يضع أحد أي شاهدة، أو علم أو وردة على قبري. أريد أن يكون في جواري البحر، الرمل، وأعشاب لا اسم لها

ينغ شين 
"

ينغ شين
بعد أن أصبحت المرأة الصينية المهاجرة كاتبة كندية معروفة، وللمرة الأولى، ذهبت ينغ شين لحضور مؤتمر دولي ككاتبة كندية، حاملة جواز السفر الكندي "أفضل جواز سفر في العالم" لكنها في طريق العودة إلى تورنتو كندا وجدت نفسها خاضعة للتفتيش والاستجواب.

وجدت أن الرقابة قاسية، جميع الضباط العاملين في المطار من الفئة "الملونة" والتي تتعامل بخشونة ملحوظة مع القادمين الملونين في الغالب. جواز سفرها الكندي لم يمنع الضابط من أخذها جانبًا والتحقيق معها.

تقول "أصبت بالذهول وشعرت بالغباء المطلق ولم أستطع أن أجد جوابًا لسؤال لم أتوقعه من ضابط التحقيق في المطار "لماذا أنت مسافرة لوحدك؟ ". حين أخذها إلى غرفة تحقيق جانبية، لم يكن لطيفًا إطلاقًا وهو يطلب منها أن تفتح الحقيبة للتفتيش.

 تقول: "يا للحسرة رغم ذلك كان لدي الوقت كي ألاحظ كم كان الضابط وسيمًا. قسمات وجهه متقدة، مليئة ثقة وقوة. تمنيت لو أنني وجدت أي علامة غباء عليه. وجهه سبب لي المزيد من الأسى. في اللحظة التي تحررت فيها، ركضت إلى المرآة كي أنظر إلى وجهي. وجدت كمًّا من البلاهة والغباء وأنا أتهالك على المقعد، خاوية الروح والجسد".

تختم أحلامها ورحلتها بما يشبه رفض الانتماء إلى أي رقعة أو وطن، فتقول: "أمنيتي حين أذهب إلى مثواي الأخير، ألا يضع أحد أي شاهدة، أو علم أو وردة على قبري. أريد أن يكون في جواري البحر، الرمل، وأعشاب لا اسم لها".

المصدر : الجزيرة