للكتب حيتانها أيضا في سوق العالم
آخر تحديث: 2011/1/12 الساعة 18:16 (مكة المكرمة) الموافق 1432/2/8 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2011/1/12 الساعة 18:16 (مكة المكرمة) الموافق 1432/2/8 هـ

للكتب حيتانها أيضا في سوق العالم

أحد فروع سلسلة بارنز أند نوبل الأميركية (الجزيرة نت)


 
زينب عساف- ديترويت
 
ليس من السهل دائماً تحويل المعنوي إلى قيمة مادية، لكن في عصرنا هذا تثبُت كل يوم نظرية ماركس في كون الاقتصاد عماد كل شيء. فهل أصبح الكتاب -الذي ارتبط بالتقديس في بداياته لأنه يحمل معارف الأولين أو يضمّ رسالةً سماوية ما- مجرّد سلعة كغيره من السلع الخاضعة لقوانين الاقتصاد في العرض والطلب؟

وبالتالي هل يمكن تسويق هذا الكتاب كأي سلعة أخرى؟ ثم ماذا عن طرق الجذب الجديدة المتّبعة لصيد القارئ؟

في هذا التقرير نلقي الضوء على ظاهرة غير منتشرة كثيراً في عالمنا العربي وهي السلاسل العملاقة الخاصة ببيع الكتب وتسويقها الشائعة جداً هنا في الولايات المتحدة حيث الكتاب سوقٌ أخرى تدرّ ذهباً.

استناداً إلى تعريف منظمة اليونيسكو في العام 1999 "الثقافة هي أيضاً سلعة لكنها ليست كباقي السلع. لذلك، على المنتجات الثقافية أن تُعرّف وتُعامل كبضائع لا تشبه غيرها".

بكلمات أخرى، يتمتّع المنتج الثقافي عامةً بالازدواجية من حيث طبيعته لأن له ميزتين أساسيتين: الأولى كونه عبارة عن عربة للقيم والأفكار والحواس لأنه تحفة فنية قبل كونه منتجاً. والثانية  هي كونه أيضاً سلعة من المفترض أن تخضع للمنطق التجاري للسوق. وفي هذا الإطار، لحظت منظمة اليونيسكو في غير مؤتمر أقيم في السنوات الأخيرة أثر العولمة على المنتج الثقافي الذي أصبح أكثر تعددية بفضلها.

500 شركة
"بارنز ان نوبل"، لابد أن يشكّل هذا الاسم عنواناً لكل مثقّف أو محبٍ للقراءة يزور أي ولاية من الولايات المتحدة الأميركية. لأن هذه السلسلة هي الكبرى على الصعيد الفيدرالي إذ تضم نحو خمسمائة شركة تشكّل أكبر تجمّع بالولايات لبيع الكتب، وأوسع شبكة تتعاطى التجارة الثقافية من حيث عدد موظفيها.

طرق عرض تتماشى مع المنتج الثقافي
(الجزيرة نت)
بالإضافة إلى ذلك، يوفّر الموقع الإلكتروني لهذه السلسلة نحو مليون عنوان كتاب للشحن الفوري. وفي يوليو/ تموز 2010 افتتحت هذه السلسلة 717 فرعاً لبيع الكتب داخل "المولات" التجارية في خمسين ولاية، و633 مكتبة جامعية تقدّم خدماتها لنحو أربعة ملايين طالب وأكاديمي بالجامعات المنتشرة بالولايات كلها.

وتعتبر هذه السلسلة رائدة في مجال المكتبات العملاقة التي تجمع مختارات من الكتب، الأقراص الموسيقية المدمجة، المقاهي. ووفق المكتب الإعلامي لهذه السلسلة فإن قرابة ثلاثمائة مليون كتاب تباع سنوياً بالمكتبات أو إلكترونياً، مما جعل "بارنز اند نوبلز" تحتلّ المرتبة الأولى كماركة لبيع الكتب في السنوات السبع الأخيرة والمرتبة الثانية من حيث بيع المجلات.
 
وكانت هذه السلسلة قد افتتحت في يوليو/ تموز من العام 2009 أوسع مكتبة إلكترونية تسمح للقرّاء بإنزال الكتب والصحف والمجلات.

وبعد تحقيق سلسلة "بارنز ان نوبل" زيادة في مبيعاتها فاقت الـ70% خلال فترة الأعياد لهذه السنة، ربط المدير التنفيذي وليام لينش بين هذه الزيادة وبين إطلاق "نوك كولور" الجديد وهو جهاز قارئ للكتب الإلكترونية، قائلاً "لقد كان هذا الجهاز الأكثر رواجاً خلال فترة العطلة الأخيرة. وقد أدى إلى زيادة عدد المشترين للكتب الإلكترونية بنسبة 60%"، وفق تصريح للجزيرة نت.

أما من جهة المستهلكين فقد قالت المدرّسة جاين باريت التي كانت تتجوّل في أحد فروع السلسلة لمدينة ديترويت "لقد كانت هدية الميلاد مميزة هذه السنة، لأن الجهاز القارئ يسمح لك باصطحاب كتبك الإلكترونية أينما كان".

وأضافت في حديثها للجزيرة نت "لقد أحبّت أمي هذه الهدية كثيراً. وبسبب هذه الأجهزة الجديدة أتجوّل دائماً في (بارنز ان نوبل) للاطلاع على آخر ما وصلت إليه تقنيات القراءة وليس فقط لابتياع الكتب التقليدية".

لكن قراء آخرين لا يوافقون باريت الرأي، إذ قال مارك ليم إنه يفضّل شراء الكتب من المكتبات التقليدية "لأن كل هذا الإبهار الذي تقوم به السلاسل العملاقة لا يجعل من كتابٍ سيئ كتاباً جيداً".

قسم خاص بترويج الكتاب للقراء الصغار
(الجزيرة نت)
مكتبات تبتلع أخرى
ليست "بارنز ان نوبل" السلسلة الوحيدة هنا وإن كانت الأشهر، إذ ثمة سلاسل أخرى لبيع الكتب والأقراص المدمجة والمستلزمات الثقافية مثل "بوردرز" التي تمتلك 650 فرعاً وطريقة لخدمة الزبائن.

وقد بدأت هذه السلسلة العملاقة على شكل مكتبة صغيرة للكتب المستعملة افتتحها عام 1971 توم ولويس بوردرز، بمساحة ثمانمائة قدم، ضمن التجمّع الأكاديمي بمدينة آن آربر بولاية ميشيغان لتضمّ اليوم نحو 506 مكتبات بالولايات كافةً وثلاثة في بورتوريكو بالإضافة إلى نٌقاط البيع الأخرى، كما أنها تعيل أكثر من 19.000 موظف.

وفي الواقع فإن هذه السلسلة هي عبارة عن تجمع من شركتين: بوردرز ووولدن بوكس. وقد قامت بدمج هاتين الشركتين سلسلة تعاونيات تسمّى "كي مارت" عندما اشترت بوردرز في العام 1992 وضمّتها إلى سلسلة مكتبات أخرى هي وولدن بوكس كانت قد اشترتها في العام 1984، مؤسسة بذلك تجمّع بوردرز-وولدن المعروف اليوم بسلسلة مكتبات بوردرز التي تطرح شعار "خلق حياة أكثر غنى وتمتعاً بالمعلومات".

وفي هذا الإطار كان نائب رئيس بوردرز والمدير المالي سكوت هنري قد أعلن منذ مدة عن حملة زيادة الإنتاجية التي تقوم بها الشركة قائلاً "نحن منهمكون جداً حول توسعة سلسلتنا، لذلك تبنينا خطة سوف تؤدي إلى رفع المستوى الاقتصادي للموظفين من دون أن تضرّ بالخدمات المقدّمة للزبائن".

ويقول أحد هؤلاء الزبائن، هو إدوارد هيلز الأكاديمي المواظب على زيارة فروع بوردرز "أشعر بالراحة إلى جانب هذه الكتب الكثيرة هنا. يمكنني أن أمضي يوماً كاملاً لأنني لا أملّ هكذا رفقة"، لكنه يغمز من قناة الأسعار مضيفاً بحديثه للجزيرة نت "لو أن هذه السلاسل تخفّض أسعار الكتب قليلاً لقلت إن الجنة هنا".

الغانج يُغرق الأمازون
من منا لم يسمع بالأمازون؟ لا أتحدث هنا عن غابات الأمازون التي تحيط بالنهر الشهير بل عن شركة تكاد تكون أكثر شهرة من هذه الأدغال هي موقع "أمازون" الإلكتروني الذي أطلقه في العام 1995 جيف بيزوس، بعدما أسس شركة باسم "كادبرا" بدايةً عام 1994 في مدينة سياتل بواشنطن، ليغيّر اسمها بعد عام ويطلقها إلكترونياً فتصبح أوسع شبكة بيع إلكترونية في أميركا.

مقهى لاستراحة القراء داخل مخزن الكتب
(الجزيرة نت)
وقد اختار بيزوس اسم "أمازون" لأن نهر الأمازون هو الأوسع في العالم وبالتالي فإن الاسم يوحي بالضخامة، إضافةً إلى كونه يبدأ بالحرف "أ" مما يجعله في بداية القوائم المرتّبة ألفبائياً. بدأت هذه الشركة ببيع الكتب حصراً لتتوسع بعد ذلك في بيع الأقراص المدمجة والبرامج الإلكترونية وألعاب الفيديو، ثم لتذهب أبعد من ذلك نحو بيع الآلات والأثاث والألعاب. واليوم، أصبح لكل من كندا وبريطانيا وألمانيا وفرنسا واليابان والصين موقع "أمازون" خاص بها.

وللاطلاع على حجم هذه المؤسسة من المفيد إلقاء نظرة على بعض الأرقام، فقد بلغت عائداتها سنة 2009 نحو 24.509 مليار دولار، وصافي أرباحها 902 مليون دولار، إضافةً إلى ذلك تضمّ هذه الشركة 31 ألفا و200 موظف.

ورغم هذا النجاح الهائل فقد أشار طالب علوم الحاسوب في جامعة واين ستايت عرفان نجمي إلى تنامي سوق أخرى دخلت اليوم في منافسة شرسة مع أمازون ومثيلاتها من الشركات الأميركية، هي السوق الهندية التي توفّر الكتب نفسها بأسعار أقلّ.

ووفق نجمي فإن الطلاب اليوم يتوجهون بشكل كبير نحو هذه السوق الناشئة لتوفير المقررات الدراسية أو الكتب الإنجليزية. فهل سيغمر طوفان نهر "الغانج" الإلكتروني الشبكة العنكبوتية؟

لا غبار ولكن..
هذه السلاسل الآنفة الذكر ليست الوحيدة على صعيد الولايات المتحدة والعالم، وفي عالمنا العربي ثمة محاكاة على مستوى ضيق لهذه التجارب العملاقة، لكن ما ساهم في هذا النجاح هنا هو طرق الجذب والأفكار الجديدة التي طرحتها هذه المؤسسات والتي أخرجت الكتاب من كونه سلعةً نخبوية إلى عامة المستهلكين.

المقصود أن زائر سلسلة "بارنز ان نوبل" مثلاً سيحب طريقة عرض الكتب وتصنيفها، والزوايا التي تستضيف القرّاء، والأجزاء الخاصة بنشاطات الأطفال، والمقاهي، مما يجعل من المكتبة مكاناً مثالياً لتمضية الوقت للعائلة بأكملها لا غرفة مليئة بالغبار نسارع إلى مغادرتها على عجل.

إضافةً إلى ذلك، تستضيف هذه السلاسل دائماً نشاطات ثقافية كتوقيعات الكتب والمهرجانات الثقافية، إضافة إلى منحها تقديمات مادية لتشجيع الكتّاب. طبعاً، هذا لا يجعل منها مؤسسات خيرية وهي لا تدّعي ذلك على أي حال لأن أسعار الكتب لديها ليست الأفضل في أميركا.

 لكن هذه الرؤية الجديدة التي تقدّمها للكتاب تجعلنا كقرّاء تقليدين نقف قليلاً لنفكّر بمستقبل القراءة ربما ونحن نحتسي فنجان قهوة بالحليب ونراقب الرفوف والألوان التي لا تنتهي للمعرفة.
المصدر : الجزيرة

التعليقات