لوحة من أعمال أرشيل غوركي

أنطوان جوكي-نيويورك
 
افتتح حديثا في متحف نيويورك للفن الحديث (Moma) معرض تحت عنوان "التعبيرية المجردة ونيويورك". ومن خلال عشرات الأعمال الفنية التي يملكها المتحف المذكور يحاول القيمون عليه رواية قصة هذه الحركة الفنية التي عُرفت أيضا باسم "مدرسة نيويورك" وتمكنت بإنجازاتها ونجاحها الدولي من تحويل هذه المدينة إلى إحدى عواصم الفن الكبرى.

وتكمن أهمية هذا المعرض أولا في قيمة الأعمال المعروضة وطريقة ترتيبها التي تطلّبت طوابق المتحف الثلاثة، كما تكمن في كون المؤسسة التي تنظم هذا المعرض هي نفسها التي احتضنت رواد هذه الحركة ودافعت عنهم منذ البداية، وخصوصا في الخمسينيات حين تعرضوا داخل الولايات المتحدة إلى نقد لاذع من قبل الجمهوريين الذين نظروا إلى عملهم باعتباره نوعا من الترويج للشيوعية.

الملاحظة الأولى التي تستقر بعيون زوار المعرض هي أن فناني التعبيرية المجردة ليسو دائما تجريديين ولا هم دائما تعبيريون. وحتى تسمية "الرسم الحدثي" (Action Painting) -التي اقترحها الناقد والشاعر الأميركي هارولد روزنبرغ في مقالة شهيرة حول هذه الحركة- غير مرضية لكونها لا تلائم إلا جزءا من فنانيها، مثل هانز هوفمان الذي كان أول من استخدم تقنية "التنقيط" (dripping)، أي الرسم على سطح اللوحة بواسطة تنقيط الألوان وبدون أي استعمال مباشر للريشة، وجاكسون بولوك الذي تبنى هذه التقنية وذهب بها إلى أقصى حدودها، ووليام دو كونينغ وفرانز كلاين.

من أعمال وليام دو كونينغ
لقد نظر هؤلاء إلى فن الرسم بوصفه حركة أو فعلا تلعب صُدَف المادة المستخدمة فيه دورا مهماً. أما فنانو الحركة الآخرون، مثل مارك روتكو وبارنت نيومان وكليف ستيل، فمارسوا فنا أقل حركية يتمتع ببُعدٍ تأملي واستنباطي وعُرف تحت تسمية "Colorfield Painting" نظرا إلى طبيعة لوحاتهم المطلية كليا بألوان موحدة إيحائية تتعدّى أحيانا إطارها، وهو أسلوبٌ ترك بجانبه الهندسي الرمزي أثرا بالغا على جيل الستينيات التجريدي (ستيلا وكيلي ونولاند وباركر).
 
تمثيل العواطف
الجامع المشترك لجميع فناني التعبيرية المجردة هو دعوتهم إلى تمثيل العواطف والانفعالات بواسطة أشكالٍ وألوانٍ مجردة في معظم الأحيان، وتشجيعهم بالتالي الذاتية والعفوية داخل الإبداع الفني، الأمر الذي نتجت عنه أعمالٌ في حالة قطيعة شبه كاملة مع التصوير ومشحونة بعاطفة مبتكرها وحركيتهم.

وتجدر الإشارة إلى أن التعبيرية المجردة لم تكن مدرسة فنية بالمعنى الحقيقي، أي بأسلوب محدد سلفاً وحدٍّ أدنى من التنظيم، بل تجمُّع شخصيات فنية في حالة ثورة على القواعد التقليدية التي كانت تتحكم بفن الرسم الأميركي حتى مطلع الأربعينيات.

وهذا ما يُفسر اختلاف أساليب الرسم داخلها بين فنان وآخر: تقنية بقع الألوان والتنقيط لدى بولوك، والاستخدام المكثف لوجوه غريبة ومخيفة في لوحات دو كونينغ، والأسلوب التخطيطي الحيوي لروبرت موزرويل، والسكون الفريد الذي يطغى على لوحات روتكو. وهذا ما يفسر انعدام أي بيان أو برنامج أو نظريات جماعية لهذه الحركة.
 
من أعمال موذرويل
ومع ذلك، عرف أربابها كيف يلهبون النشاط الفني عبر طرح كل واحد منهم "مادته الميتافيزيقية" كموضوع بحث ورهان.

وينطبق هذا الأمر بقوة على أرشيل غوركي الذي تشكل لوحاته المستمدة من السوريالية ومن هاجس ترك حقل اللاوعي مفتوحاً، مشاهد داخلية، كما ينطبق على بولوك وكلاين ودو كونينغ.
 
رسم مباشر
وفعلا، استخدم بولوك منذ عام ١٩٤٧ تقنية "التنقيط" لكن بحماسة واحتدام غير معهودين قبله. وحول طريقة عمله قال "لا أعمل انطلاقا من رسوم أو تصميمات مسبقة. رسمي هو رسمٌ مباشر وطريقتي نابعة من نمو طبيعي لحاجة. ما أبحث عنه هو التعبير عن عواطفي وليس تصويرها".

وبهذه الطريقة منحنا هذا العملاق لوحاته الكبرى الممزقة والمدوخة التي لا معادل لها إلا "نساء" دو كونينغ ذوات الأفواه الشرهة والمفترسة وهي تذكرنا بالغيلان التي رسمها بيكاسو في نهاية العشرينيات وبلوحة "آنسات أفينيون".

وتقودنا هذه المقارنة إلى مسألة مصادر هذه الحركة التي وإن كانت أميركية مائة بالمائة إلا أنها تدين إلى حدٍّ كبير، وباعتراف جميع أفرادها، للطلائع الفنية الأوروبية وتشكّل امتدادا وخلاصةً لها، كالتكعيبية التي لم يبتعد دو كونينغ عنها كليا أو السوريالية التي تركت أثرا بالغا على بولوك وموزرويل.

من أعمال جاكسون بولاك
ولفهم ظروف هذه التأثيرات لا بد من العودة إلى فترة صعود النازية في ألمانيا ثم إلى انتصار هتلر على فرنسا، مما دفع بالكثير من الفنانين الأوروبيين الذين كانوا يعيشون في باريس إلى الاستقرار في نيويورك، مثل دالي الذي وصل عام ١٩٤٠، ثم تبعه فرنان ليجي وماكس أرنست وأندريه ماسون وبييت موندريان عام ١٩٤١.
 
بدون أن ننسى مؤسس السوريالية أندريه بروتون الذي أصبح بسرعة صديقا مقربا من غوركي، الفنان الذي لعب، إلى جانب بيغي غوغنهايم، حلقة وصل بين الفنانين القادمين والفنانين الأميركيين.

وفي معرض الحديث عن التأثيرات، لا بد من الإشارة أيضا إلى دور رسامي "الجدرانيات" (graffitis) المكسيكيين الذين كانت إنجازاتهم تملأ واجهات الأبنية في نيويورك، فمنهم استمد فنانو التعبيرية المجردة الاستخدام المفرط للون والأشكال التخطيطية والعمل على لوحات ومسطحات ذات قياسات كبيرة.

وحتى نهاية خمسينيات القرن العشرين، حاول الكثير من الفنانين في الولايات المتحدة وخارجها تقليد الجيل الأول من التعبيرية المجردة، وخصوصاً بولوك ودو كونينغ، مثل جوان ميتشل وسام فرانسيس وغرايس هارتيغان، كي لا نسمي إلا الذين لمعوا في ذلك، الأمر الذي يبيّن طغيان هذه الحركة على المشهد الفني الأميركي والدولي إلى حين ظهور فن "البوب" في بداية الستينيات وانقسام فن الرسم الأميركي إلى حركاتٍ متضاربة تتمتّع بمزايا جديدة ومختلفة.

المصدر : الجزيرة