عبد الوهاب وفريد الأطرش وعبد الحليم حافظ غنوا على خشبة مسرح الإنجا (الجزيرة نت)
 
                                                    نقولا طعمة-طرابلس

بينما تتعامل قلة مثقفة مع مسرح الإنجا بوصفه أسطورة فنية، تعاطى السياسيون من نواب ووزراء وسلطات بلدية مختصة بأنه مبنى قديم تستخدم مساحة عقاره للاستثمار العقاري رغم ضيق رقعتها.
 
أسس المسرح والي طرابلس العثماني حسن الإنجا حوالي سنة ١٩٠٦، ورغب بأن يكون متطورا على الطريقة الأوروبية، فاستقدم مهندسين إيطاليين لهندسته وبنائه، فكان درة الشرق لا تضاهيه إلا أوبرا القاهرة، وحمل اسم "زهرة الفيحاء” تيمنا بمدينة طرابلس، حسب بعض الخبراء.
 
ذاكرة فنية
أهمية الموقع لا تكمن في جمال ورقي بنيانه فحسب، بل بما اختزنه من ذاكرة فنية ربما أرخت للفن العربي في القرن العشرين، ذلك لأنه لم يبق فنان عربي لم يزر المسرح ليؤدي فيه، بدءا بسيد درويش، وبديعة مصابني، ثم أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب، وعبد الحليم حافظ وفريد الأطرش وغيرهم من الأسماء الفنية البارزة.

صورة أرشيفية لواجهة المسرح تعود للعام 1946 (الجزيرة نت)
في الثلاثينيات استأجره الطرابلسي ألفرد حكيم، وأضاف إليه السينما وأسماه "البيروكيه" في فترة استفحال الفرنسية بلبنان والمنطقة، وعرض فيه أول فيلم "The Beauty and the Beautiful” مع بداية ظهور والت ديزني.
 
وشهد المسرح أنشطة هامة حتى العام ١٩٧٥، عندما سرقت محتوياته ولحقه الأذى جراء الحرب الأهلية.
 
غالبية سكان المدينة تحن لأيام "زهرة الفيحاء" الزاهية من حياتهم وفي ذاكرتهم، فاعترضوا على محاولات تدميره المتكررة من أجل إحلال مبنى تجاري حديث محله.
 
ورغم أنه صنف على لائحة المباني التراثية التي تمنع هدمه، تحايل مالكوه وأسقطوه رقعة رقعة، فكان ذلك مبررا لوزارة الثقافة والبلدية لإصدار ترخيص لمالكه بإعادة "بنائه وترميمه"، مما "فسره مالكه بإزالته وإقامة مبنى مكانه على ما تشير خرائطه"، وفقا لرئيس لجنة التراث في البلدية الدكتور خالد تدمري.
 
وقال تدمري للجزيرة نت "إن أقصى ما تمت المحافظة عليه هو لزقة حجارة خارجية بلا معنى".
 
ويقول المستشار الإعلامي لبلدية طرابلس عبد الله بارودي للجزيرة نت إن "الترخيص يشترط أن تعاد واجهته الخارجية كما كانت، لكن من حق مالكه أن يستثمر داخله كما يشاء".
 
وذكر بارودي أن "وزارة الثقافة أسقطت المبنى عن لائحة المباني التراثية بعد تعرضه للهدم" منذ أعوام قليلة حيث كان الهدم جزئيا، مما أتاح لرئيس البلدية الحالي منح ترخيص اشترطه تحت عنوان "إعادة الترميم والبناء"، حسب بارودي.


 
حملة لمنع هدمه
 المسرح من الخارج وعليه صورة مالكه النائب محمد كبارة (الجزيرة نت)
وتقوم في المدينة حملة من جمعياتها وفعالياتها وعدد من أعضاء المجلس البلدي متمسكة بقرار سابق بعدم مسه، ومنع هدمه.
 
ويقول تدمري إنه ولجنة الثقافة دعوا إلى اجتماع طارئ لمجلس بلدية طرابلس لعرض الموضوع، واستملاك مبنيي مسرح الإنجا وأوتيل رويال من قبل وزارة الثقافة والبلدية، لكن المجلس وافق بأكثرية الأعضاء على إعطاء ترخيص للمالك للمباشرة بأعمال البناء.
 
وأسف تدمري لعدم المبالاة تجاه معالم المدينة، متمنيا أن ينجح مع المجتمع المدني بإلغاء الترخيص، والعودة لإدراج المبنى على لائحة التصنيف التراثية، مع العلم بأن وزراء الثقافة السابقين رفضوا إزالته عن اللائحة حفاظا عليه.
 
أما راوية مجذوب -مديرة معهد الدراسات العليا المتخصصة بالآثار والترميم التابع للجامعة اللبنانية- فقالت للجزيرة نت إن "الخطوة تهدد تراث المدينة والبلاد، والمسرح عنوان حركة ثقافية وذاكرة غنية، وفقدانه مع أبنية أخرى وبالتدريج توصلنا إلى مدينة خاوية، قد تحتفظ بمعالم كبيرة كالمساجد والقلعة، لكن فقدان النسيج الثقافي والعمراني الصغير المحيط بها يفرغ المعالم الكبيرة من معانيها".
 
وقالت إنه "من المؤسف ألا نعي أهمية هذا التراث المحلي ذي الأهمية العالمية، فمبان كهذه تعطي المعنى الحيوي والبعد الثقافي والإنساني للمدينة ولمعالمها، فلا معنى أن يكون عندنا حمام قديم، مثلا، إذا كان محيطه الحيوي الآخر مدمرا".

المصدر : الجزيرة