زهر الخريف تنتصر للوطنية بمصر
آخر تحديث: 2010/9/24 الساعة 20:29 (مكة المكرمة) الموافق 1431/10/16 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2010/9/24 الساعة 20:29 (مكة المكرمة) الموافق 1431/10/16 هـ

زهر الخريف تنتصر للوطنية بمصر

 
محمود جمعة-القاهرة

يتزامن صدور رواية "زهر الخريف" لمؤلفها عمار علي حسن مع ما أثير مؤخرا في مصر من "حرب تصريحات" أو "مواجهات إعلامية" بين بعض رموز الكنيسة وبعض المفكرين الإسلاميين البارزين, الأمر الذي خلف احتقانا طائفيا لافتا.
 
فقد انفتح الباب على مصراعيه في مصر كلها، لأخذ ورد بين هذا وذاك، لتنبني معركة إعلامية جديدة، أنتجت في طريقها أصواتا تدعو الطرفين إلى التمهل والتعقل.
 
في هذه الأجواء, جاءت "زهر الخريف", منطلقة من تجربة اجتماعية وإنسانية خالصة يضيف إليها المؤلف من خياله الكثير، بعد وضع الأحداث في سياقها التاريخي.
 
تدور أحداث الرواية في الفترة بين هزيمة يونيو/حزيران 1967 وانتصار أكتوبر/تشرين الأول 1973, حيث ترسم لوحة تزخر بالعديد من الشخصيات المجهدة، التي تروض وقتا يمر ثقيلا بانتظار شاب ذهب إلى الحرب ولم يعد، بعد أن كان يملأ الدنيا بأفعاله البطولية في مطاردة مجموعة من اللصوص الطامعين في قريتهم المستكينة.
 
"
تحتفي الرواية بالموروث القصصي الشعبي إلى جانب الكثير من ألوان الفلكلور مثل العديد والأمثال والتنجيم والحكمة الإنسانية الخالصة، التي اقتطفها المؤلف من مصادرها الأصلية
"
وبطلا الرواية هما شابان أحدهما مسلم والآخر مسيحي، يعيشان بقرية صغيرة وديعة مجهدة صامدة بين الزرع والنهر، وسط صعيد مصر، وتحارب بالرصاص والغناء اللصوص الطامعين في القوت والبهائم.
 
تحتفي الرواية بالموروث القصصي الشعبي إلى جانب الكثير من ألوان الفلكلور مثل العديد والأمثال والتنجيم والحكمة الإنسانية الخالصة، التي اقتطفها المؤلف من مصادرها الأصلية.
 
هذان البطلان هما علي عبد القادر إسماعيل وميخائيل ونيس سمعان، صديقان جمعهما حب المغامرة، وذكريات الطفولة، والخوف على ذويهما المتعبين، قادا أهاليهما في معارك حامية دفاعا عن قريتهما، ضد عصابات الليل.
 
وحين وقفا على أبواب الشباب الغض، جاءتهما الفرصة للدفاع عن الوطن برمته، فذهبا سويا إلى حرب 73، عاد ميخائيل شهيدا، وضاع علي في الصحراء الواسعة لتبدأ رحلة البحث عنه، وتشتعل الأسئلة، من دون أن تتهادى الإجابات.
 
ويظل أبطال الرواية حائرين في التوصل إلى ما يشفي الغليل ويريح النفوس التي يعتصرها الألم، ويلهثون ما وسعهم في سبيل فك هذا اللغز العصي، ويلهث معهم القارئ حتى الصفحة الأخيرة من الرواية، التي حملت إجابة تنطوي على مفارقة، وتبرهن على أن "الدنيا" ضيقة رغم اتساعها، وأن ما نجري أحيانا وراءه دون فائدة قد يأتينا في لحظة عابرة من دون أدنى ترتيب أو انتظام، ودون أي جهد كبير نبذله في سبيل تحصيله.
 
العم رفاعي
ومن أكثر الشخصيات جاذبية في الرواية هي شخصية رفاعي الرجل البسيط الذي قادته قدماه حتى الصعيد الأوسط، ليبيع الخبز للفلاحين، ويروي لهم حكاية مدينة باسلة، بعد أن دمر الإسرائيليون بيته ومخبزه، ثم تتابع الأحداث ليجد رفاعي نفسه في النهاية عائدا إلى مدينته وما حولها للبحث عن الشاب الضائع، الذي ربطته به علاقة إنسانية خالصة، تختلط بصدى صوت الأطفال الصغار وهم يزفونه كل صباح وهو يضحك ويوزع أرغفته، ويغني معهم: "يا رفاعي يا بتاع العيش. خدنا معاك ودينا الجيش".
 
والشخصية الإشكالية في الرواية هي "وفاء" حبيبة علي عبد القادر، التي لم يتزوجها سوى أسبوع واحد قبل تجنيده وذهابه إلى الحرب. كانت وفاء تطالع دوما من شرفتها انحناءات الشارع الذي ينتهي بجسر طويل مفتوح على المحطات التي يحل فيها الغرباء والعائدون، لعل حبيبها الغائب يهل.
 
تنتظر في صبر جميل، والشيب يتسلل إلى رأسها كالسم الذي يقتل في هدوء وعلى مهل، ولا تجد أنيسة ومواسية سوى جورجيت حبيبة ميخائيل التي افتقدته إلى الأبد.
 
ولا تهمل "زهر الخريف" الشكل سواء ما يتعلق بالمعمار الروائي أو التشكيل الجمالي للغة، لكنها تحتفي أكثر بالمضمون، حيث تحمل قضية جوهرية، وهي قضية "الوحدة الوطنية" التي تجنب فيها المؤلف الوقوع في فخ الأيديولوجيا أو الوعظ أو المنشور السياسي.
المصدر : الجزيرة

التعليقات