ملصق فيلم "عسل إسود" على إحدى دور السينما بالقاهرة (الجزيرة نت)

محمود جمعة-القاهرة

يحفل الواقع المصري بتناقضات عدة يتحير معها من يحاول الحكم من المصريين وغيرهم على هذا البلد، بين نظرة سلبية عمقتها أمراض المجتمع الأخلاقية والاقتصادية، وأخرى ما زالت ترى في هذا اللون الأسود من حياة المصريين طعم العسل وإن كان بنكهة أقل إغراء.

عن هذه الفكرة تدور أحداث فيلم "عسل إسود"، من بطولة الفنان أحمد حلمي الذي يواصل مسيرته في "الكوميديا الجادة" بعد سلسلة مميزة من أفلام الواقع المصري التي تحمل نقدا لاذعا لعلات المجتمع في إطار كوميدي وفلسفي وصفته المجلات الفنية المحلية بـ "كوميديا الجيل الثالث".

يقرر بطل الفيلم "مصري سيد العربي" العودة إلى بلده للاستقرار فيه بعدما فارقه عشرين عاما في الولايات المتحدة منذ أن كان ابن العاشرة، لكن حلم "المواطن العائد" يصطدم بواقع مترد رآه في الصحف المصرية "رديئة الطباعة" في الطائرة والمعاملة الأمنية الخشنة في المطار مقارنة مع الأجانب، خاصة أنه ترك جواز سفره الأميركي في بلاد المهجر ظنا منه أنه لن يحتاجه في وطنه.

ويدفع المصري العائد ضريبة عدم اصطحابه الجواز الأميركي "السحري" فيلاقي معاملة سيئة في الفنادق ومراكز الشرطة ومع سائقي الأجرة، فيعزل نفسه في غرفة الفندق حتى يصله جوازه الأميركي الذي أرسل في طلبه من بلاد العم سام.

"
الفيلم يتمتع بالواقعية الكاملة، إذ قدم الموظف النزيه كما قدم صورة الموظف الفاسد المرتشي
"
صدمة جديدة

وعندها يشعر أن الأبواب تشرع أمامه من جديد، لكنه يصدم هذه المرة بما هو أكبر من التعامل الأمني وفساد الموظفين واستغلال بعض المواطنين، إنها كراهية المصريين لأميركا وكل ما هو أميركي، فتستحيل عليه الحياة في بلده كمصري أو أميركي، ويقرر العودة.

لكن أياما قليلة قضاها في بيت صاحبه الفقير سعيد، وكلمات الدفء من أم سعيد، وحكمة جاره القديم عم هلال الذي لا ينكر أمراض المجتمع لكنه يرى في نهاية النفق ضوءا، ويرى في سواد الحياة طعم عسل لا يتذوقه إلا المصريون، أمور تجعل بطل الفيلم يعيد حساباته ويقرر بعد أن تقلع به الطائرة من القاهرة العودة إلى مصر.

وعن الرسالة التي يحملها هذا الفيلم، يقول مؤلفه خالد دياب للجزيرة نت إن الرسالة هي أنه رغم السلبيات التي لا تعد ولا تحصى في مصر وفى كثير من أهلها، فإن هناك أشياء جميلة تجعلنا نبقى فيها ونحبها وهى الشعب الطيب وأخلاقه الحميدة والدفء الأسري والرضا بالحال.

وقال ردا على من يتهم الفيلم بالإساءة إلى مصر وشعبها لإبرازه سلبيات عدة في المجتمع، إن الفيلم يتمتع بالواقعية الكاملة، إذ قدم الموظف النزيه كما قدم صورة الموظف الفاسد المرتشي، وقدم من يتمتعون بالأخلاق الحميدة والأصل الطيب كما قدم الشخصيات غير الأخلاقية.

وفسر المؤلف لجوءه إلى الكوميديا لتقديم هذه الفكرة الجادة (النقد الذاتي للمجتمع) بأن رسالة الفيلم صعبة الهضم، وجاءت الكوميديا كالماء الذي يسهل ابتلاع حبة الدواء.

وأوضح أن اختيار اسم الفيلم "عسل إسود" جاء ليعبر عن اقتران الإيجابيات والسلبيات في مصر، وأضاف أن بطل الفيلم الفنان أحمد حلمي هو من اقترح هذا الاسم بعد اقتراحات مسبقة بتسميته بـ"مصر هي أوضتي" و"جواز سفر مصري"، نافيا أن يكون تغيير الاسم جاء لاعتراض الرقابة عليه.

"
البطل لم يحصل على احترام الناس والمعاملة بأسلوب لائق إلا بعد إظهاره جواز سفره الأميركي، خاصة بعد أن صدمته المعاملة غير اللائقة وقت اعتزازه بمصريته
"
اقتراب من الواقع

ورأى الناقد الفني طارق الشناوي في حديث للجزيرة نت أن عناصر الفيلم (المخرج والمؤلف والبطل) استطاعوا أن يقتربوا بنسبة كبيرة جدا مما يحدث في مصر، وخاصة شعور المواطن المصري بالحاجة إلى الحماية الأميركية لينال حقوقه في بلده.

وقال "رأينا (في الفيلم) أن البطل لم يحصل على احترام الناس والمعاملة بأسلوب لائق إلا بعد إظهاره جواز سفره الأميركي، خاصة بعد أن صدمته المعاملة غير اللائقة وقت اعتزازه بمصريته وجواز سفره المصري".

وأضاف أن أحمد حلمي موفق جدا في أعماله الفنية ذات الاتجاه الكوميدي، وذات الرسالة القوية والفكرة الفلسفية، وأنه أكثر جرأة من كل نجوم الكوميديا المصريين.

وأوضح أن "حلمي يتمتع بروح المغامرة التي يخشاها عادل إمام مثلا بنسبة كبيرة جدا"، مشيرا إلى "أن حلمي على عكس النجوم الشباب يقدم الفكرة والمضمون على الحضور الكوميدي".

وتعليقا على إمكانية تشجيع النجاح الجماهيري لأفلام الكوميديا الجادة للمنتجين على دعم هذا الاتجاه السينمائي، قال الشناوي إن المنتجين لا يقدمون فيلما لأن فكرته جيدة أو أن اتجاها نجح في أفلام سابقة، لكن اعتمادهم يظل على النجم الذي تغريهم نجاحاته بالتعامل معه وإنتاج أفلام له.

وأضاف أن "في مصر السينما تتحرك بجماهيرية النجوم وليس العكس".

وكانت بعض الكتابات الصحفية قد اعتبرت أن الفيلم يبرز النماذج السيئة في المجتمع المصري، وأنه يعد بذلك امتدادا لعدد من الأعمال الفنية التي سارت على هذا النهج في السنوات الأخيرة بهدف تحقيق الربح الاقتصادي، لأن منتجيها يرون أنه كلما بالغ الفيلم في وقائع ومشاهد الفساد في المجتمع جذب جمهورا أكبر.

واعتبر هؤلاء أن مثل هذه الأفلام تسيء إلى ما يشهده المجتمع المصري من تطور متسارع وملموس في مختلف مجالات الحياة.

المصدر : الجزيرة