البوري تقلد مناصب هامة في ليبيا أبرزها وزارة الخارجية (الجزيرة نت-أرشيف)

خالد المهير-بنغازي

شيّع الليبيون وعلى رأسهم المثقفون ظهر الثلاثاء في بنغازي جثمان المؤرخ وهبي البوري الذي توفي عن 96 عاما إثر وعكة صحية تعرض لها مؤخرا. واعتبر المثقفون البوري ذاكرة صادقة للأحداث والمثل الأعلى للمثقف الذي لم تخدعه الوظيفة أو تسرقه الأضواء، ورائد القصة القصيرة في ليبيا.
 
ولد الراحل بالإسكندرية عام 1916، حيث هاجر إليها والده بعد الاحتلال الإيطالي، وعاد إلى بنغازي عام 1920 وظل بها حتى العام 1939، وتنقل بين عدة عواصم أوروبية أثناء عمله لدى الهيئة العربية لفلسطين وفي تدريس اللغة العربية في المدارس الثانوية الإيطالية.
 
وتقلد بعد عودته إلى ليبيا عام 1947 عدة مناصب في الخارجية أبرزها وزيرا للخارجية عام 1957، وفي 1963 صار مندوبا لليبيا بالأمم المتحدة، وفي العام 1979 عين مستشارا للعلاقات الدولية بمنظمة الأقطار العربية المصدرة للبترول في الكويت، وفي العام 1986 تقاعد وانصرف إلى الكتابة والتأليف.
 
ونشر إنتاجه الأدبي والفكري في عشرات المطبوعات المحلية والعربية والدولية، وصدرت له ما يزيد عن تسعة مؤلفات، من بينها "بواكير القصة الليبية" عام 2004 و"بنك روما والتمهيد للغزو الإيطالي" عام 2007.
 
كما ترجم عدة كتب عن الإيطالية منها "الحرب الليبية 1911-1912" لفرانشيسكو مالجيري، و"الكفرة الغامضة" لدانتي ماريا توتينيتي، و"ببلوغرافيا ليبيا" للكاتب الإيطالي تشكي والذي جمع فيه ثلاثة آلاف عنوان عن ليبيا قبل العام 1914.
 
وهبي البوري إلى مثواه الأخير (الجزيرة نت)
ووظف البوري خبرته من خلال عمله مندوبا سابقا لليبيا في الأمم المتحدة لكتابة "البترول والعلاقات العربية الأفريقية" الذي أصدرته منظمة الدول العربية المصدرة للبترول، و"النفط في العلاقات العربية والدولية" عن نفس المنظمة.
 
وعبر الكاتب أمين مازن عن حزنه لرحيل البوري بعد عمر طويل من الإنجازات والممارسة السياسية والثقافية، وقد ضرب بالراحل المثل الأعلى للمثقف الذي لم تخدعه الوظيفة أو تسرقه الأضواء.
 
وأكد في حديث للجزيرة نت أن الفقيد لم يشترك بأي شكل في الفساد السياسي والمالي أو ما يخدش الكرامة أو ينال من تاريخه، موضحا أن مجتمع الثقافة في حاجة إلى من يمثل الضمير.
 
ذاكرة صادقة
أما الشاعر رجب الماجري فقال في حديث للجزيرة نت إن البوري أكبر من اسمه ولم يغفل دوره التاريخي، مؤكدا أن ليبيا فقدت برحيله "ذاكرة صادقة".
 
في حين قال الشاعر راشد الزبير للجزيرة نت، إن البوري من مؤسسي دولة ليبيا الحديثة، معتبرا رحيله اليوم "خسارة لا توصف".
 
بدوره أكد المفكر محمد المفتي أنه خلال ربع القرن الأخير التفتت الجماعة الأدبية إلى البوري حين اكتشفته رائدا للقصة القصيرة وكاتب أول تحقيق صحفي عن الحياة في بنغازي في شهر رمضان للعام 1938م.
 
الروائي أحمد الفيتوري خلال إلقاء كلمته (الجزيرة نت)
وأضاف المفتي في حديث للجزيرة نت "ثمة جانب آخر مغامر وطريف في سيرة هذا الرجل الميال للصمت، فقد عمل أثناء الحرب العالمية الثانية مدرسا في طنجة، ثم محررا في إذاعة باري العربية، ثم التحق بإلحاج مفتي فلسطين أمين الحسيني ورافقه ببرلين النازية، قبل أن يعود إثر انتهاء الحرب إلى مصر ثم ليبيا".
 
وتحدث رفيقه قدري الأطرش عن دوره في تأسيس جمعية عمر المختار التي تعد لبنة المجتمع السياسي الليبي، ودوره في حركة التحرير بين عامي 1948 و1949.
 
وقد وصف في حديثه للجزيرة نت البوري "بالشخصية الكبيرة"، مؤكدا أنه "منارة وقدوة علمية ساهمت في بث روح العلم لدى الشباب الوطني".
 
بدوره أوضح الروائي أحمد الفيتوري في كلمته التأبينية أن الراحل وقع، قبل ساعات من وفاته وفي غرفة العناية الفائقة بإحدى مصحات بنغازي، آخر عقد لكتاب انتهى من تأليفه قبل فترة ومن المنتظر صدوره خلال الأيام المقبلة، مضيفا أن البوري عاش عمره لقرن من الزمان ولم يعده بالأرقام.
 
كما اعتبر القاص أحمد يوسف عقيلة البوري "الأب الروحي للقصة"، مضيفا في حديثه للجزيرة نت أن العزاء في أن الراحل قد خلف رصيدا خالدا على مر الزمن، فقد "عاش قرنا زاخرا بالعطاء في هدوء وبدون ضجيج".

المصدر : الجزيرة