رسم لسجن الباستيل الذي تحول يوم سقوطه إلى عيد وطني للفرنسيين (مكتبة الأرسنال)

عبد الله بن عالي-باريس

يذكّر معرض "الباستيل.. أو جحيم الأحياء" -الذي تحتضنه مكتبة الأرسنال في باريس- بأن سجن الباستيل بباريس ظل -لأكثر من قرن- مكانا لأسوأ ممارسات التعسف والاستبداد، وفق ما يبدو من أعمال المعرض الذي افتتح في 9 نوفمبر/تشرين الثاني، ويستمر حتى 11 فبراير/شباط 2011.

فقد دأب ملوك فرنسا -منذ عهد لويس الرابع عشر (1638-1715)- على الزج بكل من تخول له نفسه المجاهرة بانتقاد "الذات الملكية"، أو التطاول على الكنيسة، في تلك القلعة الحصينة التي بنيت في القرن الرابع عشر لأغراض عسكرية.

كما تبرز هذه الفعالية الثقافية أن معتقلي الباستيل لم يكونوا من المدانين من قبل القضاء الفرنسي، الذي لم تكن أحكامه آنذاك تشمل السجن، وإنما كانت تقتصر على العقوبات البدنية أو النفي. 

وكان نزلاء القلعة -في الواقع- من المعتقلين الإداريين الذين يمكن أن يتم إعدامهم أو الإفراج عنهم بعد فترات قد تتجاوز العقدين، دون أدنى محاكمة.

وشهد هذا الحبس الاحتياطي مختلف صنوف التعذيب الوحشية, قبل أن يتم اقتحامه ثم تدميره على أيدي أبناء الشعب الغاضبين في 14 يوليو/تموز1789 الذي تحولت ذكراه إلى عيد وطني للفرنسيين.

صورة تبين الرجل ذا القناع الحديدي
 (مكتبة الأرسنال)

وأشعلت حادثة الباستيل الثورة الفرنسية التي قوضت الملكية ومهدت لإقامة النظام الجمهوري.

سجل تاريخي
ويستحضر المعرض كل هذه الوقائع من خلال 250 قطعة أثرية تشمل ملفات الشرطة، وسجلات السجن، وملابس ومخطوطات تعود لبعض أشهر المعتقلين فيه, إضافة إلى لوحات ورسوم من تلك الفترة تمت استعارتها من متاحف محلية. 

ويمكن للزائر -فرنسيا كان أم أجنبيا- أن يقيس التقدم السياسي والحقوقي الذي عرفته البلاد خلال الـ220 سنة الأخيرة، حينما يشاهد القسم المخصص للكاتب الفرنسي الشهير جان-ماري أرويه الملقب بفولتير.

إذ يروي المعرض أن أشهر فلاسفة الأنوار اعتقل في الباستيل في 1726 على إثر ملاسنة بينه وبين شاب طائش ينتمي إلى طبقة النبلاء التي كانت تتقاسم النفوذ مع رجالات الكنيسة.

ويتجلى هذا التمييز الطبقي في المجتمع الفرنسي آنذاك في جوانب أخرى من المعرض, إذ نجد أن الأسر النافذة كان بإمكانها أن تطلب من الدولة وضع أحد أفرادها المتورطين في جرائم أخلاقية في سجن الباستيل أو غيره من "سجون الملك"، حتى يكون بمنأى عن أي إدانة محتملة من قبل القضاء العادي.

قميص داميان (مكتبة الأرسنال)
وربما يكون المثال الأبرز على هذا النوع من التحايل على القضاء هو حالة الأديب ألمركيز دو ساد الذي أقام مترفا في جناح مريح من القلعة من 1784 إلى 1789، بينما كان المعتقلون من أبناء عامة الشعب يعانون شظف العيش في زنزانات صغيرة ومظلمة.

عقاب وحشي
كما يشير المعرض إلى حالة "الرجل ذي القناع الحديدي" الذي توفي في الباستيل في 1703 بعد 34 سنة من الاعتقال، دون أن يتمكن أي أحد من رؤية وجهه أو تحديد هويته, ويعتقد  بعض الكتاب الفرنسيين أنه كان توأما للملك لويس الرابع عشر. 

ويخصص المعرض حيزا كبيرا للعقاب الوحشي الذي مورس على معتقل يدعى داميان, أصاب الملك لويس الخامس عشر في 1757 بطعنة خفيفة, وأهرق على جسده رصاص ذائب وزيت فائر, ثم قطعت إحدى يديه ومزقت أوصاله بعد ربطها بأربع خيول جامحة.

ويرى المؤرخون الفرنسيون أن بشاعة هذا الإعدام شكلت منعطفا في علاقة أفراد النخبة المستنيرة بالنظام الملكي, ومهدت للانتفاضة الشعبية التي أنهت -بعد 32 سنة من رحيل داميان- في سجن الباستيل "جحيم الأحياء".

المصدر : الجزيرة