مالك بن نبي.. مدرسة فكرية
آخر تحديث: 2010/12/5 الساعة 17:23 (مكة المكرمة) الموافق 1431/12/29 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2010/12/5 الساعة 17:23 (مكة المكرمة) الموافق 1431/12/29 هـ

مالك بن نبي.. مدرسة فكرية


أميمة أحمد–الجزائر
 
يوصف المفكر الجزائري مالك بن نبي بـ"المدرسة"، وقد ترك خلفه إرثا ثقافيا ضخما، يربو على ثلاثين كتابا، فضلا عن سجالاته الفكرية مع كبار العلماء والمثقفين.
 
وكان همه الدائم طيلة حياته معالجة قضايا المسلم المعاصر، ووصل إلى نتيجة مفادها أن الأزمة التي ألمت بالمسلمين حدثت تأريخا منذ سقوط دولة الموحدين في نهاية القرن الثاني عشر، ثم انتقل مشعل الحضارة للغرب.

نشأ مالك بن نبي (1905-1973) ابن مدينة العلماء قسنطينة في أسرة فقيرة مثل غالبية الجزائريين آنذاك تحت الاحتلال الفرنسي، لكن الفقر لم يكن حائلا دون تحقيق طموحه بالعلم، فدخل الكتّاب في المسجد ليحفظ القرآن ويتعلم اللغة العربية، والتحق بعدها بالمدرسة الفرنسية، حيث أصبحت لغة المستعمر أداة التعبير في مؤلفاته لأمد طويل.

في عام 1930 سافر بن نبي إلى باريس لمواصلة تعليمه في معهد الدراسات الشرقية، لكن إدارة المعهد لم تقبله بحجة "أنه مسلم جزائري"، وكتب بن نبي عن هذه الواقعة "لم يتم قبولي بالمعهد، لأن الانتساب للمعهد بالنسبة لمسلم جزائري لا يخضع لمقياس علمي، وإنما لمقياس سياسي".

لم ييأس الشاب حينها، فدرس في "مدرسة اللاسلكي" هندسة الكهرباء، وعاش في الحي اللاتيني حيث كان الجزائريون وأبناء المغرب العربي يعيشون فيه، فوجدها فرصة لنشر الوعي بين أبناء جالية المغرب العربي بفرنسا. فتحدث عن الإصلاح والبناء الحضاري، والوحدة المغاربية بتكتل شمال أفريقيا ضد الاستعمار، كما طرح فكرة الوحدة الإسلامية.
 
"
تحدث بن نبي عن الإصلاح والبناء الحضاري، والوحدة المغاربية بتكتل شمال أفريقيا ضد الاستعمار، كما طرح فكرة الوحدة الإسلامية
"
نشاط ومساجلات
ولم تقتصر جهود بن نبي على باريس بل فتح مدرسة لمحو الأمية في مرسيليا جنوب فرنسا سرعان ما أغلقتها السلطات الفرنسية. وقال بن نبي "في سنة 1938 أسست بمدينة مرسيليا مدرسة للأميين لتعليم إخواننا العمال بفرنسا، فاستدعتني الإدارة المختصة ومنعتني من مواصلة التدريس في هذا المعهد البسيط بدعوى أنه ليست لدي مؤهلات".

من باريس اتجه بن نبي نحو القاهرة عام 1956، وكانت الثورة الجزائرية قد اندلعت قبل عامين، وفي القاهرة كانت له نشاطات فكرية من محاضرات ومساجلات خاصة منها مساجلاته مع المفكر الإسلامي سيد قطب حول مفهوم الحضارة والمدنية.

وتعتبر هذه المرحلة الأخصب في حياته كلها، فقد أنتج مجموعة مؤلفات منها "شروط النهضة" و"مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي"، وما ميز هذه المرحلة هو ترجمة بعض مؤلفاته للغة العربية، بعدما اكتشف المثقفون المشارقة في مصر ولبنان والعراق أهمية أفكار هذا المفكر الجزائري.

وبعد 33 عاما في المهجر، يعود مالك بن نبي إلى وطنه الجزائر بعد الاستقلال 1963، حيث تقلد مناصب عديدة منها، مستشار التعليم العالي، مدير جامعة الجزائر، وزير التعليم العالي، ولكنه في عام 1967 استقال وتفرغ للعمل الفكري، وتنظيم الندوات والمحاضرات.
 
وأسس "ملتقى الفكر الإسلامي" الذي كان يعقده أسبوعيا في بيته، ورواده من الشباب. فتبنت الدولة هذا الملتقى الذي أصبح يُعقد سنويا، ويحضره كبار العلماء من الجزائر وخارجها.

وفي سن متأخرة صمم بن نبي على تعلم اللغة العربية، ونجح في ذلك، وألف أول كتاب باللغة العربية "الصراع الفكري في البلاد المستعمَرة"، وظل بن نبي مواظبا على عمله الفكري، إلا أن الإجهاد أخذ منه مأخذا فتدهورت صحته، وفي 31 أكتوبر/تشرين الأول 1973 انتقل إلى رحمة الله.

وبمرور 37 عاما على رحيله طالب مثقفون جزائريون بتأسيس مركز أبحاث للدراسات الإسلامية باسم مالك بن نبي.
 

"
رغم سعة علم بن نبي، وانتشار إنتاجه الفكري في الشرق والغرب، فإن القلائل من أبناء وطنه الجزائر يعرفونه "

بصمة معاصرة
ترك بن نبي خلفه ثروة فكرية تعتبر بصمة في الفكر الإسلامي المعاصر، يزيد عددها عن ثلاثين كتابا، منها الظاهرة القرآنية، شروط النهضة، الإسلام والديمقراطية، المسلم في عالم الاقتصاد، فكرة كومنولث إسلامي، مشكلة الثقافة، بين الرشاد والتيه، الفكرة الأفريقية الآسيوية، دولة مجتمع إسلامي، المشكلة اليهودية، نموذج المنهج الثوري.

ورغم سعة علم بن نبي، وانتشار إنتاجه الفكري في الشرق والغرب، فإن القلائل من أبناء وطنه الجزائر يعرفونه، البعض منهم يحترمه ويضعه في مصاف ابن خلدون، والبعض الآخر يذكره كدارس للكهرباء ثم اتجه لدراسة الإسلام، بتأثير أستاذه حمودة بن ساعي وبعض دوائر الاستشراق في فرنسا.

وقد طال بن نبي ما طال غيره من علماء الجزائر من جحود ونكران، لأسباب شخصية أحيانا وسياسية أحيانا أخرى، لها علاقة بالاتجاهات الفكرية واللغوية المهيمنة على النخبة الجزائرية. لكن علاقته بالثورة الجزائرية بقيت غامضة هنا، وهو غموض يطرح السؤال: ما الذي جعل مثقفا في قامة مالك بن نبي لا يأخذ دورا في ثورة نوفمبر/تشرين الثاني التحريرية؟.

ويجيب الصادق سلام أحد المهتمين بفكر بن نبي بأن "علاقته كانت سيئة للغاية مع جبهة التحرير الجزائرية، بسبب انتقاداته اللاذعة للكثير من المسؤولين في الثورة".

هذا الغموض في علاقة بن نبي برجال الثورة انعكس على مؤلفاته، فهي لا تدرس في الجامعات الجزائرية فيما تُدرس في الجامعات العربية والإسلامية، كما أن الكثير من المثقفين يجهلون فكر بن نبي، وتتجاهله منابر الإسلاميين، ووسائل الإعلام.

وفكر بن نبي معروف في العالم الإسلامي أكثر من العالم العربي، لكن هذا لا يلغي أبدا أنه مفكر فريد ومبدع، بقي منشغلا بنهضة المسلمين، وأمضى حياته للإجابة على سؤال: لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم ؟.
 
"
يعد بن نبي أول من تحدث عن "حرب العملات" أو "حرب الصرف"، وقال إن ارتباط اقتصاد دولة بعملة معينة يرهن اقتصادها بهذه العملة
"
القابلية للاستعمار
وفي كل كتاب من كتبه كان هناك جزء من الجواب، وقد وجد أن القابلية للاستعمار هي السبب الرئيس في تخلف المسلمين، حيث ينفرد بن نبي بهذا المصطلح "القابلية للاستعمار" الذي استعمله أول مرة عام 1948 في كتابه "شروط النهضة". ويعتقد بن نبي أن الظروف التاريخية والاجتماعية والنفسية لشعب تجعله يقبل الاستعمار.

وقدم بن نبي رؤية في الاقتصاد الإسلامي لتجنب الأزمات الاقتصادية، وهي الاعتماد على الاقتصاد الحقيقي (الإنتاج)، وعالج بن نبي الاقتصاد الإسلامي بوصفه سلوكا للمسلم، حيث يصبح السلوك الرشيد قوة لهذا الاقتصاد وذا تأثير على مراكز القوى السياسية في العالم.

وتعتمد أفكار بن نبي الاقتصادية على الفقه الإسلامي وحرية الاجتهاد، وفق الظروف الاجتماعية والاقتصادية والتقنية، ويؤكد ضرورة التوازن بين الاستهلاك والموارد، لافتا إلى أن أي خلل في ذلك التوازن سيؤدي إلى أزمة.

والعمل هو مصدر الثروة عند المفكر مالك بن نبي، فيما يرى أن جزءا من أرباح الاقتصاد الرأسمالي ناتج عن المضاربات. ويقوم الاقتصاد الإسلامي -حسب بن نبي- على ثلاثية (اليد–الفكر–المال)، ويحدد المال بأنه ذلك الناجم عن العمل.
 
ويعد بن نبي أول من تحدث عن "حرب العملات" أو "حرب الصرف"، وقال إن ارتباط اقتصاد دولة بعملة معينة يرهن اقتصادها بهذه العملة.

ومما اشتهر من نظرياته الفكرية: "طغيان الأشياء"، و"طغيان الأشخاص". فهو يرى أن مقولة إن "تكديس الأشياء هو الحضارة"، فكرة خاطئةٌ؛ لأن الحضارة هي تصنيعُ الأشياءِ وإنتاجُها، لا استيرادها وتكديسها.

أما في طغيان الأشخاص، فيرى أن المسلمين ينتظرون ذلك البطل الذي سيأتي ويأخذ بأيديهم وينصرهم على أعدائهم، فهم دائما في انتظار "صلاح الدين"، لكي يأخذ بأيديهم.
المصدر : الجزيرة

التعليقات