ظل الأميركيون الأصليون (الهنود الحمر) يقاومون طيلة أربعة قرون زحف الأميركيين الأوروبيين ثم خارت المقاومة وانتهت تماما بعد مذبحة الركبة الجريحة عام 1890 التي وضعت حدا لحروب الهنود الحمر وأنهت عصر المواطنين الأصليين الذين كانوا يعيشون في البراري. 
   
وأنقذت عاصفة ثلجية آخر فلول الهنود الحمر ممن تمكنوا من الهرب. وكانت جثث رفاقهم من قبيلة لاكوتا متناثرة على رقعة من الأرض يكسوها الجليد، وهي الآن أصبحت ما يعرف بساوث داكوتا حيث تعرض 150 على الأقل وربما مئات للرمي بالرصاص والضرب والتجمد حتى الموت.

هذه المعركة كانت آخر المعارك الكبرى التي خاضها الشعب الأصلي الذي كان في فترة من الفترات يشعر بالكبرياء، وهي معركة مثلت نقطة فارقة على صعيد الإجهاز على الروح المعنوية وتحطيمها في إطار تاريخ القهر الوحشي المستمر الذي  يمكن وصفه بالإبادة الجماعية في بلاد تسمى الآن الولايات المتحدة الأميركية وتقدم نفسها بأنها قائدة العالم الحر ورائدة الديمقراطية.

عندما صادف المكتشف كريستوفر كولومبوس هؤلاء الناس أطلق عليهم اسم الهنود في العام 1492 نظرا لاعتقاده أنه اكتشف جزر الهند الغربية، حينها لم تكن حياتهم تشبه في كثير أو قليل حياة الناس من ذوي البشرة الحمراء في منطقة الغرب الأميركي كما ورد في القصص والروايات بعد ذلك بقرون. لكن الجياد التي جلبها الأسبان مكنت الشعوب الأصلية من الهيمنة على منطقة البراري وصيد الجاموس.

وشهد القرن التاسع عشر تدفق ملايين المهاجرين الأوروبيين في موجات متتالية إلى بلاد الهنود الحمر، وذلك في عملية استيلاء على الأراضي، وهي عملية كانت تحظى بدعم الحكومة الأميركية.
 
داستن هوفمان قدم فيلما عام 1970 قاد
لتغير في النظرة السلبية للهنود الحمر
(الفرنسية- أرشيف)
آخر انتصار

ونجحت قبيلة "سيوكس" الهندية في تحقيق آخر انتصار لها في العام 1876، لكن تفشي الأمراض   وإدمان الشراب والحرب والصراعات القبلية -التي جلبها الرجل الأبيض- اضطرت المحاربين الذين كانوا لا يقهرون، واحدا تلو الآخر، إلى التقهقر إلى معازل قاحلة.

رغم ذلك  قدر لروح المقاومة الهندية أن تستيقظ مرة أخرى في العام 1890 بفضل الحركة الدينية التي تسمى "رقصة الشبح"، حيث وعدت بإعادة القوة الروحية والبدنية لشعبها، وهو ما عدته السلطات الأميركية بمنزلة تمرد.

لذا أرادت السلطات اعتقال الزعيم الكبير "الثور الجالس" لدعمه للحركة، وأدى الشروع في اعتقاله إلى اندلاع معركة شرسة بالرصاص لقي خلالها 12 شخصا مصرعهم وعثر على جثة الثور الجالس ملقاة على التراب وقد اخترقت رصاصة رأسه.

بعدها بدا أن السلطات الأميركية فقدت أعصابها حيث أمرت  بنزع سلاح جميع الهنود الحمر سكان البلاد الأصليين. وفي 29 ديسمبر كانون الأول 1890 أقامت مخيما لهم في منطقة "الركبة الجريحة" وطلبت منهم تسليم أسلحتهم غير أن أحد الرجال رفض تسليم سلاحه الجديد باهظ الثمن (وينشستر) حسبما يروى. وحتى يومنا هذا  لا يعرف على وجه الدقة سبب إطلاق الرصاصة الأولى أو من الطرف الذي أطلقها.

ورد الجنود على الفور مستهدفين المخيم بوابل من بنادقهم السريعة وجرى نصب أربعة مدافع سريعة الطلقات حول الموقع وقتل زعيمهم سبوتيد إلك الذي كان يشرف على الموت من شدة المرض في ذلك الوقت برصاصة في الرأس.
 
ولقي حتفه معه عدد من الرجال والنساء والأطفال يتراوح بين 150 و300 من الهنود الحمر، وإن كان العدد الدقيق غير معروف. في تلك المعركة قتل زهاء 25 جنديا غالبيتهم حسبما يعتقد بنيران صديقة.

على مر السنوات التالية ساهم إدمان الشراب وتفشي الفقر وعدم اهتمام السلطات بهم إلى تردي حياة القبائل بصورة أكبر. ثم جاءت صناعة السينما التي تصور الهنود الحمر في السينما الغربية قتلة وحشيين لتوجه لهم لطمة ثقافية نهائية لصورتهم.

صورة ثقافية
مارلون براندو رفض جائزة الأوسكار واحتج على تشويه هوليود للهنود الحمر (الفرنسية-أرشيف)
لكن هذه الصورة الثقافية بدأت تتغير بعد الحرب العالمية الثانية، فقد أدى الاهتمام بالتعددية الثقافية وظهور حركة الحقوق المدنية في الستينيات إلى زيادة درجة الوعي بقضية الهنود الحمر. كما ساهم في ذلك أيضا رواية من تأليف دي براون حيث حققت أعلى المبيعات في العام 1970.

وبدأت أفلام مثل "بيج مان" لداستين هوفمان في العام 1970 في تصحيح التاريخ الشعبي وشهدت تلك الفترة اهتماما متزايدا بثقافة المجتمعات الأصلية.
 
وفي العام 1973  قام نشطاء حركة الهنود الحمر الأميركيين  باحتلال الركبة الجريحة. وقام المسلحون الـ27 باحتجاز عدد من الرهائن وطالبوا بعزل زعيم قبيلة يرون أنه فاسد ومتواطئ مع السلطات ضد أبناء شعبه. وبعد مرور ثلاثة أشهر ونصف على الأزمة أعلنوا استسلامهم، لكن بعد أن نجحوا في جذب أنظار العالم إلى المحنة العامة للأميركيين الأصليين.

وعقب هذه المعركة طورد الناشط والشاعر والتشكيلي الهندي الأحمر ليونارد بيلتير ثم اعتقل وحكم عليه عام 1977 بحكمين مؤبدين بدعوى المشاركة في قتل عميل لمكتب التحقيقات الفدرالي "أف. بي . آي"، ولا يزال هذا الشاعر مسجونا حتى الآن في السجون الأميركية بتهم جنائية فيما يصر بيلتير وأنصاره أنه سجين رأي سياسي.

بل أكثر من ذلك رفض النجم السينمائي مارلون براندو  جائزة الأوسكار التي منحت له كأفضل ممثل لدوره في فيلم الأب الروحي (1972)، وذلك احتجاجا على الصورة التي تظهر بها هوليود الأميركيين الأصليين.

ومن دواعي السخرية أن راسيل مينز الهندي الأحمر الذي يحمل اسم القبلي "يعمل من أجل الشعب" كان أحد قادة احتلال محمية الركبة الجريحة، وقد تحول بعد ذلك إلى ممثل يجسد شخصيات الأميركيين الأصليين.

المصدر : الجزيرة + رويترز