فيروز غنت ببيروت في أكتوبر الماضي رغم الخلاف بشأن تراث الرحابنة (الأوروبية-أرشيف)

يوسف ضمرة
 
عادت فيروز وغنت من جديد. حلقت مع ابنها زياد الرحباني إلى آفاق جديدة غير مألوفة في الموسيقى العربية، تمتاز بالمغامرة وتعتمد المزج بين القديم والحديث، وبين الشرق والغرب. "إيه في أمل" على الرغم من كل ما يلف لبنان من سحب سود منذرة بالعواصف.

هذه هي فيروز التي حولت جسر الأحزان إلى جسر العودة، في عز الألم والأسى واليأس والإحباط. "إيه في أمل"، رغم أنف المشاريع السياسية التي تضمر الشر للبنان وفلسطين والمنطقة.

غنت فيروز وملف قضيتها لا يزال في المحكمة، ولا يزال التنازع على الإرث الفني قائما. ولكن السؤال هو: هل يعتبر الفن إرثا كالعقارات والأموال المنقولة والأسهم والسندات والعربات وما شابه ذلك؟

في لبنان، يرفع أبناء منصور الرحباني، شقيق عاصي -اللذين عرفا معا بالأخوين رحباني- قضية تطالب فيروز بعدم التصرف في الأعمال الفنية التي كتبها ولحنها الأخوان رحباني، بحجة أن عوائد هذه الحفلات أو إعادة توزيع بعض الأغنيات والمسرحيات، تعود إلى ثلاثة أشخاص، من بينهم المرحوم منصور الرحباني، وبالتالي إلى أبنائه.

هكذا ببساطة غير مسبوقة، يطالب شخصان أو ثلاثة، بمنع الملايين من الاستماع إلى صوت فيروز النديّ، لا لشيء إلا لأنهم أبناء منصور الرحباني.

أما زياد الرحباني -الفنان الذي أضاف إلى مسيرة فيروز وعطائها- فلم يتدخل، ولم يطالب بشيء، وهو على أهميته وعبقريته الموسيقية والأدبية، يكتفي بالعمل عازفا في ملهى ليلي في بيروت أو في إحدى عواصم الخليج لتأمين قوت يومه.
 
"
فيروز التي علمتنا الحب والأمل والرقة والبكاء العذري في مراحل عمرنا كلها، لا يمكن اختزالها في إرث مادي وشأن قضائي. ولا يمكن لأحد في العالم العربي أن يتصور يومه من دون فيروز

"
زياد يقول
يسألون زياد الرحباني عن القضية، فيقول إن الأخوين رحباني "أباه وعمه" لم يؤسسا شركة تجارية، وهما أرادا طواعية أن تكون العلاقة بينهما وفيروز كما عرفناها، وكما عرفها العالم كله. لا أحد يعرف من كتب هذه الأغنية أو تلك، ومن عدّل ذلك البيت أو المقطع تأليفا أو تلحينا. كانا يكتبان ويلحنان وفيروز تغني.

ولم يشر زياد إلى أن فيروز أيضا غنت من كلمات شعراء آخرين، ومن ألحان موسيقيين آخرين، وقد كان زياد واحدا منهم. وهذا يعني أن الأخوين رحباني اللذين كانا يمتلكان تلك المقدرة الإبداعية كتابة وتلحينا، إضافة إلى المسرح الغنائي الذي لم يشهد العالم العربي له مثيلا، أرادا لصوت فيروز أن يصدح بكل كلمة عذبة أخرى كتبها سواهما، وتترنم حنجرتها بكل نغم عبقري تمايلت على وقعه غابات لبنان، وشربت أمواج بحر بيروت صداه.

هذان الرجلان، لم يفكرا يوما بملكية ما يكتبان وما يؤلفان من موسيقى ومسرح أو "اسكتشات" فنية. كانا يفكران مع فيروز، ونخبة من الشعراء والفنانين العرب، بالذائقة الجمالية العربية، وكانا يعرفان كما يعرف أحد المقاتلين الفلسطينيين في برنامج تلفزيوني، أن العود كالبندقية، طالما كان الهدف نبيلا. ولذلك لم يكتبا أوراق مُلكية أو سندات أو أسهما تحدد حصة كل منهما في هذه الغيمة الفنية المشبعة بالمطر".

لكن الأبناء، أو بعض الأبناء يرون عكس ذلك. فقد رحل عاصي ومنصور، ولم يبق سوى فيروز، فانبروا لمحاصرتها، أو ربما لمحاصرتنا نحن المسكونين بصوتها، بوصفها رمزا من رموز الوجدان العربي في الزمن الجميل. صحيح أننا هزمنا، وصحيح أننا خُدعنا، وصحيح أننا عشنا أكاذيب كبيرة، ولكننا كنا نمتلك كنزا يسمى الحلم والأمل، وكانت فيروز واحدا من ينابيع الحلم والأمل.

وليس غريبا أن يأتي زياد مؤخرا ليكتب أغنية جديدة لأمنا فيروز بعنوان "إيه في أمل"، فهو ابن فيروز والأخوين رحباني. وهو الذي يقول إنه أضاع ثلاثين سنة في الحرب، من دون أن يسمح لنفسه بمغادرة الوطن، لأنه كان يأمل في تقديم شيء لبلده وأهله، ولا يعرف إن كان فعل ذلك أم لا.

زياد، لم يشارك في هذا البازار، وهو يقترح تعيين حارس قضائي مقرب، طالما وصلت الأمور إلى القضاء، ويسمي عمه "إلياس الرحباني" كونه مطلا على هذا الإرث الذي يتبرعم ويورق ويزهر كل يوم.
 
محبو فيروز تظاهروا ضد ما عرف بقرار منعها  من غناء تراث الرحابنة 
(الأوروبية-أرشيف)
هواجس الملايين
زياد استجاب لهواجس الملايين العرب الذين أحبوا فيروز والرحابنة، فكتب مجموعة من الأغنيات الجديدة، ولحنها، وقدمتها فيروز في حفل فني في بيروت، اشتمل على إعادة توزيع بعض الأغنيات القديمة أيضا. لكن الأبرز كان يتمثل في عنوان الألبوم الجديد "إيه في أمل"، وفي إهداء توزيع جديد لأغنية قديمة إلى روحي عاصي ومنصور.

ثمة رسالتان في هاتين الإشارتين:
الأولى موجهة إلى اللبنانيين عموما، وهم غارقون في بحر من الإحباط والخوف والقلق على مصير قد يكون مترعا بالحماقة التي خبرها اللبنانيون طوال سنوات الحرب. ولم يستفد منها سوى أمراء الحرب في لبنان، وبعض القوى الإقليمية والدولية، والعدو الصهيوني أولا.

"إيه في أمل" تأتي من رجل خبر الحرب والتقاتل وانعدام الأمن وفقدان الرغبة في شيء سوى الحياة نفسها. وهو يقول للبنانيين: لا تخافوا، فثمة أمل ينتظر دائما إرادتنا ومحبتنا، ولا تستعجلوا الشرور لأنها أسرع من يلبي.

أما الرسالة الثانية:فهي رسالة إلى أبناء منصور، وإلى كل من يطيب له تحويل القضية إلى شأن قضائي. فزياد يؤكد في إهدائه أنه يفهم العلاقة التي ربطت بين أبيه وأمه وعمه، على أنها قائمة على أسس فنية في المقام الرئيس، لا تجارية ولا ربحية. ولذلك لم يفرق بين عاصي ومنصور في هذه العلاقة، وكأنه يطالب أبناء عمه بالانتباه إلى هذا الأمر. وهو أمر يقود في نهاية المطاف إلى التأكيد على أن فن العائلة الرحبانية ليس ملكا لأحد، بصرف النظر عن روابط الدم و"الدّي أن إي".

فيروز التي علمتنا الحب والأمل والرقة والبكاء العذري في مراحل عمرنا كلها، لا يمكن اختزالها في إرث مادي وشأن قضائي. ولا يمكن لأحد في العالم العربي أن يتصور يومه من دون فيروز، وأن يجرد ذاكرته مما ارتبط بأغنيات فيروز من وقائع وحكايات. أي إنه لا يمكن لأحد أن يجردنا من أحد مكوناتنا الإنسانية، بما انطوت عليه من قوة وضعف، ومن شجاعة وجبن، ومن رهافة وغلظة، ومن غبطة وأسى.

غنت فيروز إذا وقد تخطت عتبة الخامسة والسبعين "إيه في أمل".. وتريدوننا أن نتخلى عن هذه الأيقونة كرمى لحفنة ليرات؟ فماذا يقول زياد إذا؟ وبماذا يطالب؟
 
"
حرام أن تتحول فيروز بما تمثله من تاريخ أسهم في صياغة أجيال عربية، إلى مجرد ملف قضائي يحمل رقما في المحكمة. فما هكذا نكرم فيروز

"
شجرة خضراء
زياد ليس مهجوسا بالإرث الفني والمالي، وإن كان من حقه أن ينتبه إلى الأمر، طالما وصل إلى القضاء. لكنه مهجوس بالشجرة التي اسمها فيروز. فهو يدرك أنها أصبحت تحتاج الكثير من الماء، وهو يحمل على كتفيه النحيلتين جرار هذا الماء قدر استطاعته. يهمه أن تظل الشجرة خضراء، وهو واثق من أن جذورها ضاربة في باطن الأرض وفي الصخر. ولكنه يخاف مثلنا أن يأتي من يقصف غصنا من هنا أو هناك، أو ربما من يجرد الشجرة من أوراقها الخضر، فيعريها في الريح والمطر والعواصف.

حرام أن يكون هذا هو مصير فيروز. وحرام أن يكون هذا هو قدر زياد الذي كشف عن جوانب فنية سامية لم تكن معروفة أيام أبيه وعمه وفيلمون وهبي وزكي ناصيف وميشال طراد.
 
حرام أن تتحول فيروز بما تمثله من تاريخ أسهم في صياغة أجيال عربية، إلى مجرد ملف قضائي يحمل رقما في المحكمة. فما هكذا نكرم فيروز، بل بتماثيل في الساحات العربية، ومتاحف في المدن العربية، وفرق موسيقية تحمل اسمها والأخوين رحباني، ومعاهد تجعل هذا الإرث الفني مادة للدراسة والتحليل والتعلم.

"صح النوم" و"لولو" و"ميس الريم" و"بياع الخواتم" و"ناطورة المفاتيح"، و"المحطة" و"الشخص" والقائمة تطول..

كيف نقسم هذه المسرحيات بين أبناء عاصي ومنصور؟ هل يصبح نصف "صح النوم" لأسامة الرحباني، والنصف الآخر لزياد مثلا؟ وهل تتضمن حصة زياد "الوالي ووزيره" كما هو قدره لكي يظل يقارع الظلم والاستبداد؟ أي فنتازيا تتضمنها هذه القضية؟

لقد فتحنا عيوننا ذات يوم على الوالي الذي لا يصحو سوى مرة في الشهر، ولا يوقع سوى ثلاث معاملات للمواطنين قبل عودته للنوم مرة ثانية. حفظنا مسرحيات فيروز كأغنياتها، من "ناطورة المفاتيح" التي يتركها أهل الضيعة وحيدة ويهاجرون، إلى"لولو" التي تقضي خمس عشرة سنة ظلما في السجن، وتخرج كي تعاقب كل من تآمر عليها، وكل من تنكر لها وهو يعلم أنها بريئة.
 
لقد زجت في السجن بفعل شهادات الزور، وها هو لبنان اليوم يعيش الحال ذاتها مرة ثانية، لا لأن الأخوين رحباني كانا يكشفان الغيب، بل لأنهما كانا قادرين على قراءة الماضي والراهن، ما جعلهما قادرين على قراءة ملامح المستقبل.
 
لقد اخترع المختار وبعض أعوانه شخصية وهمية أسموها راجح، وأخافوا الناس لكي يستتب لهم الأمر في السلطة. ولكن رجلا ذكيا استغل الوهم وحوله إلى حقيقة، فانتحل شخصية راجح وأخذ يقوم بكل ما اقترحه المختار في اللعبة الافتراضية. هكذا انقلب السحر على الساحر، وصار المختار بوصفه مسؤولا، مطالبا بإيجاد الحلول للتخلص من قاطع طريق يدعى "راجح".

وها هي النخبة السياسية اللبنانية اليوم تخترع كل يوم ألف راجح، بينما المواطن اللبناني لا يجد قوت يومه إلا اعتمادا على فتات هؤلاء السياسيين، أو البحث عن مكان آخر خارج لبنان.
 
الفنانة المصرية إلهام شاهين كانت
في اعتصام بيروت دفاعا عن فيروز
(الأوروبية-أرشيف)
مسلسل قرصنة
هذا الإرث الفني يتعرض اليوم إلى محاولات قرصنة بحجة الملكية الفكرية. فكيف يمكن إيقاف هذا المسلسل الأحمق؟

يتعلق الأمر بالشريحة السياسية في أحد جوانبه، ويتعلق الأمر بأبناء العائلة الرحبانية في جانب هو الأكبر. ولكن السؤال هو: أين دور المثقفين العرب؟ وهل نكتفي بالتفرج على هذه المهزلة، فنستيقظ يوما على قرار قضائي يمنع فيروز من الغناء، إلى أن تقسم التركة بين الأبناء؟

لقد تحرك القضاء اللبناني ذات يوم ضد مارسيل خليفة، على خلفية إحدى أغنياته، فكان أن اصطف المثقفون اللبنانيون أمامه، وطالبوا بمحاكمتهم قبل مارسيل، فأسقط القضاء ما اعتبره حقه في القضية.

أما اليوم، فما من أحد يتحرك لإنقاذ فيروز، أو لإنقاذنا نحن من هذا الحرمان الأرعن. فقد تفرغ المثقفون اللبنانيون كلهم تقريبا إلى الدفاع عن السياسيين الذين بدوا كأولياء النعمة، وهو أمر لم نكن نعرفه من قبل عن المشهد الثقافي اللبناني. فالشاعر اللبناني يتضامن مع بول شاؤول ضد دعوى قضائية رفعها الجنرال ميشال عون، والشاعر نفسه لا يتضامن مع سماح إدريس ضد دعوى فخري كريم على مجلة الآداب. في الحالة الأولى يتغنى الشاعر بموقفه الداعم حرية الرأي والتعبير، وفي الثانية لا يجد أمام منتقديه سوى" سوء فهم أو التباس".

في هذه الحال، تظل فيروز وحيدة في الساحة اللبنانية، وربما في العربية، لأن حال الكتاب والمثقفين العرب ليس أكثر وفاء للكلمة والموقف والثقافة.

علينا جميعا أن ندرك جيدا أن فيروز ليست ملكا لأحد، وأن هذا الإرث الفني العظيم هو مدعاة غبطة لنا جميعا، ولكل واحد فينا سهم ونصيب فيه. ولا يحق لأحد، حتى ولو كان ابن منصور أو عاصي، أن يتصرف وحده في هذا الإرث العظيم. فما كان لفيروز وعاصي ومنصور أن يصبحوا علامة مضيئة في السماء العربية، من دوننا نحن الذين منحناهم وسام الشرف، قبل أي جائزة من أحد.
 
فلولا تشكل هذا الموج الجماهيري الصاخب على امتداد الوطن العربي، ما كان لهذه العائلة الفنية أن تستمر وأن تصل إلى ما وصلت إليه. نحن كنا الدافع والحافز والمشجع، لا أطفال منصور أو عاصي أو سواهم من أصحاب قرابة الدم.

المصدر : الجزيرة