الروائي الجزائري واسيني الأعرج يرى أن الكتّاب نبلاء أما الكتبة فكاذبون (الجزيرة نت)

حاوره: حسين جلعاد
 
بين حوارنا هذا، والحوار الأول الذي أجريته مع الروائي الجزائري واسيني الأعرج، عشر سنوات. كان الأول في العاصمة الأردنية عمان، حيث احتفت به دارة الفنون حينها، أما حوارنا هذا الذي جاء عبر الإنترنت، فقد توزعت مناحيه بين باريس حيث يقيم واسيني، ومدينة الإسكندرية التي كرمته مؤخرا في احتفالية سردية للشباب المبدعين.

الاحتفاء طقس يرافق الأعرج، فمنذ "أوجاع رجل غامر صوب البحر" و"وقع الأحذية الخشنة" حفر واسيني اسمه في تيار الإبداع العربي حتى صار واحدا من أهم الأسماء العربية خلال العقدين الأخيرين على الأقل. وهو حاضر بهذا القدر أو ذاك في المشهد العالمي، فكتبه تترجم إلى اللغات العالمية وتلقى إقبالا، ربما لأنه يكتبنا كما نحن، مع فرق البنية الفنية الفائقة التعبير.

إنه صاحب مشروع  يتطاول في آفاق العصر الحداثي، وأقدامه ثابتة في "ألف ليلة وليلة" والتاريخ السردي العربي عموما. لغته العربية بدأت في مدارس القرآن، واختار أن يبشر بهوية أصيلة تنفتح على ثقافات العالم، تمنح التسامح، ولا تغمض العينين عن الظلم والعطب البشري.

هنا الحوار:

دعنا نبدأ من حديث الجوائز، كُرّم إبداع واسيني الأعرج في دول ومناسبات مختلفة، فأنت حاصل على جائزة الرواية الجزائرية، وجائزة الشيخ زايد للرواية، ألا تخشى من الأمراض الثقافية التي ترافق الجوائز؟

وغير هذه الجوائز، في إيطاليا وهولندا وفرنسا وقطر وغيرها. المشكل ليس في أية جائزة ولكن فينا. في استيعابنا للجائزة. الجائزة هي التفات أولا نحو نص لم يمر باردا بالنسبة للقارئ المتخصص أو نحو كاتب ترك ملمسا ما على الحياة الأدبية والثقافية المحلية والعالمية.
الروائي الراحل الطاهر وطار (الثاني من اليمين)
في بيت واسيني (الجزيرة نت-أرشيف)

ليست الجوائز شيئا آخر غير ذلك. وهي حالات جميلة ولكنها طارئة في الزمن والمكان وسرعان ما نجد أنفسنا أمام عزلة الكتابة القاسية والجميلة في الآن نفسه. فهي الأبقى والأكثر ثباتا واستمرارية.
 
عندما نجعل من الكتابة رهانا حياتيا حتى الموت وعندما نهذب حياتنا بالتواضع وبأخذ كل شيء في نسبية إنسانية، لا يضرنا أي شيء. وتصبح الجائزة جزءا من الصدف الجميلة.

في الجائزة شيء من الصدفة على الرغم من أنها محكومة بمنطق لجنة تستحق الاحترام لأنها اشتغلت واضطرت أن تحكم على الرغم من قسوة ذلك. كنت في العديد من الجوائز آخرها جائزة الشيخ زايد وأعرف جيدا ما معنى أن تحكم عندما تكون أمام نصوص عالية القيمة.

المؤكد أن هناك أمراضا تملأ وسطنا الثقافي ولكن كما يقول المثل العربي "كل إناء ينضح بما فيه". أنا عندي تفريق واضح في دهني بين الكتاب Ecrivains والكتبة écrivants . الأول يحمل صفة النبل وتقدير صفة الكاتب التي هي استحقاق يكتسب بالجهد المضني والتواضع الدائم، بينما الثاني صفة البهرج والكذب، وهي لا تهمني أبدا.
 
هناك ردة فعل غريبة عندنا نحن العرب اتجاه الجوائز وكأنها كل شيء؟ عندما نحصل عليها تكون مهمة وعندما لا يحالفنا الحظ نشعر بالظلم وربما قد نشتمها!

 روايتك "الأمير"، أثارت إشكالات عدة سواء على المستوى الثقافي الإبداعي، أو السياسي التاريخي، هناك أصوات تقول إن الأعرج بالغ في "فنيته" الروائية على حساب الواقع والتاريخ، فالأمير عبد القادر الجزائري بطل ورمز عربي وإسلامي ولا يحق لأي روائي أن يقوّله ما لم يقل، أو أن يضعه في قالب عصري وينطقه بأحوال ومواقف تعبر عن الروائي وليس عن الأمير نفسه، فضلا على أن الجزائري أصلا شخصية مركبة وخلافية.. كيف ترى المسألة؟

غلاف رواية الأمير في نسختها المترجمة (الجزيرة نت)
أكبر انتشاء أشعر به هو أن رواية كتاب الأمير، حركت وضعا جامدا وقاتلا وضع فيه الأمير وكاد يخنقه. لقد بدأ في السنوات الأخيرة نقاش كبير ومتناقض عن الأمير وعشرات الكتب صدرت عنه وكان للرواية دور في ذلك.

المشكل أن الذين قالوا هذا الكلام لم يأتوا بشيء جديد ومن بينهم مؤسسة الأمير عبد القادر والأميرة بديعة وحراس المقام. قادة المؤسسة حاربوا كل من اقترب من الأمير. فقد جمعت في داخلها ناسا موظفين لا يهمهم توريث هذه الشخصية للأجيال القادمة بالشكل الإنساني.أعادوا إنتاج الصورة النمطية عن الأمير، ولم يأتوا بشيء جديد في مصلحة هذه الشخصية الفذة. أصبحوا حماة الصورة الميتة للأمير.

الرواية أدخلت نوعا من الدينامكية والحياة في الأمير وحررته من سلطان هؤلاء الذين حولوه إلى سجل تجاري وماركة مسجلة ونسوا أن الأمير هو أولا وأخيرا شخصية وطنية، ملكا لكل الجزائريين حتى الذين لا يحبونه.

أدخلت الأمير في فكرة حوار الحضارات والأديان من خلال حياته ولقائه الحقيقي بمونسينيور ديبوش القس المسيحي الذي ظل يدافع عنه حتى وفاته وحتى أطلقه من سجنه. لم أضف أي شيء من عندي تجاه الأمير. على مدار أربع سنوات كونت صداقة رائعة مع الأمير لدرجة أني بينت بعض سلبياته لأنه إنسان عظيم.

ظل الأمير في كتاب الأمير كما كان دائما في حياته ولم أضف له أي شيء من الناحية التاريخية. دخلت في أعماقه وأعماق محيطه لأفهم ردود فعله، أي في المساحات الطبيعية للرواية وهي المساحات التي لا تدخلها الرواية وهي في غاية الأهمية بالنسبة للشخصية.
 
ثم إن حياة الأمير غنية جدا وهناك لحظات كثيرة وحاسمة وقف التاريخ أمامها عاجزا ولم يقدم شيئا، فجعلت من الرواية وسيلتي لاقتحام البياضات ولو كان ذلك بحذر كبير، لأني أعرف مسبقا أن الأمر يتعلق بشخصية حساسة، وليس بأحداث واسعة نستطيع فيها أن نتحرك روائيا كما نشاء.
 
لكل شاعر ثيماته وربما هلوساته التي لا تنفك تنداح في كتبه مثلما تنداح دوائر الماء، لكن الملاحظ أن واسيني الأعرج له أيضا أيقونته التي تظهر في كل أعماله على اختلاف موضاعاتها وأزمنتها، إنها شخصية مريم الوديعة التي رافقتك منذ أول كتاب وحتى الآن!! أتخلد أحدا بذلك؟ أتعتذر عما فعل الزمن بالمريمات؟ أم أننا "كلنا جرحى" بشكل أو بآخر، كما يقول الملك كريون في مسرحية سوفوكليس؟

واسيني بين معجبيه في حفل توقيع بمدينة جيجل بشرق الجزائر (الجزيرة نت- أرشيف)
تحدثت في هذا الموضوع كثيرا. في كل مرة أسأل من القراء من تكون هذه الإيقونة ذات الأوجه المتعددة التي تظهر في أغلب رواياتي؟ أحيانا أخيب ظن القراء وأفق انتظارهم عندما أقول لهم إن مريم ليست شخصية محددة موجودة في الزمان والمكان.

صحيح أننا كلنا نحمل جرحا عميقا لا شيء ولا قوة ترتقه إلا الكتابة. لكن يظل الشيء العميق في مريم، هو صورة المرأة في مختلف تحولاتها. ما زلت إلى اليوم أشعر بأن كل امرأة هي مريم في ظل الإرث الموضوع على ظهرها.
 
منذ ولادتها تحمل تهمة قاسية لكونها امرأة، وتمضي جزءا قاسيا من حياتها في محاولة إثبات براءة عن جريمة لم تقترفها، ربما اقترفها غيرها ولا مسؤولية لها فيها. مرجعي دائما القصص الخاصة ولكن هناك تيمة تاريخية ودينية وأسطورية. أرتكز جوهريا على قصة مريم العذراء التي حملت سيدنا المسيح.
 
هناك قوة رمزية جعلتها تحمل، أي جعلتها بتلك الصفة المرئية. عليها أن تثبت للجميع، محيطها وعائلتها ومجتمعها أنها بريئة وأنها غير معنية بما حدث لها. وكأن أنوثتها وخصبها هما جريمتها. أشعر بأن كل امرأة في مجتمعنا العربي الإسلامي تحديدا حاملة لشبيه لسيدنا المسيح وعليها أن تثبت أنها لم ترتكب زنا.
التأويلات القسرية للأديان لعبت دورا قاتلا ومؤججا لتعميق هذه التراجيدية التي علينا تجاوزها. أتعجب من ازدواجيتنا المقيتة في حبنا للمرأة وكرهها. كيف يمكن أن نقول هذا عن امرأة هي منا: حبيبتنا، أمنا، أختنا، خالتنا، صديقتنا؟؟
 
هناك شيء في بنيتنا على غير ما يرام. في الغرب استطاعوا أن يكونوا براغماتيين ويتخطوا عقبات الديني والطقوسي والتقليدي، بينما ظللنا نعادي شيئا هو فينا ولهذا لا تفاجأ إذا قلت إننا نكره أنفسنا وبلداننا لأننا إذا دفعنا بالرمز عميقا تصبح مريم ضلعنا الداخلي ووطننا الذي نريده كما نشتهيه ونكرهه عندما ينفصل عنا.
 
 في رواياتك طوفت في التاريخ واشتبكت مع السياسة المعاصرة، حتى إنك خاصمت تيارات سياسية بعينها وخصوصا في الحالة الجزائرية إبان مرحلة العنف الأعمى، أيحق للروائي أن يتورط شخصيا بأحداث روايته؟ ألا ينبغي أن يقف على الحد الفاصل؟ أم أن المثقف في الأساس صاحب موقف ومبشر?

"
أنا ضد تحويل السياسة إلى حلبة للتقاتل. النفس الإنسانية عزيزة وغالية ولا يحق لأي شخص سلبها بأي سبب من الأسباب

واسيني الأعرج
"

أولا الروائي لا يعيش في مجرة خالية من التناقضات. هو إنسان وربما أكثر من ذلك، حساسية مفرطة. أنا لم أقف ضد تيار على حساب تيار، ولو عدت قليلا إلى روايتي "سيدة المقام" مثلا سترى أن موضوع الرواية كل الذين تسببوا في الدراما الجزائرية، بني كلبون وحراس النوايا.

أنا ضد تحويل السياسة إلى حلبة للتقاتل. النفس الإنسانية عزيزة وغالية ولا يحق لأي شخص سلبها بأي سبب من الأسباب.

لا أقبل بالمظالم أبدا. متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟ بأي حق تمنعني من التعبير؟ بأي منطق تفرض علي تأويلك للنص الديني؟ من أعطاك التأهيل لتتحكم في حياتي وتقول لي ما يجب فعله؟ كيف تحكم على نص لم تقرأه؟ من قال لك إن قراءتك هي الأتم والأحق؟ هذه بعض أسئلتي وأسلحتي لمجابهة آلة الظلم والقتل في نصوصي الروائية.

تعرف أن أحد النقاد الجزائريين عندما كتبت رواية سيدة المقام وكانت أول رواية تثير قضية الإرهاب المكشر عن وسائل قمعية كانت ما تزال احتمالية، (قال) كيف يكتب واسيني عن راقصة باليه في وقت بلاده تحترق؟ هذا نوع من الرفاه الغربي؟
 
وكنت ما أزال بالجزائر. طبعا لم يكن هذا الناقد يعرف أن رقصة الباليه هي انتصاري للحياة بدل الموت الذي بدأت روائحه تملأ البلاد، وأن الفن هو الحائط المتبقي الذي يربطنا بجمال الحياة في زمن خسرنا فيه كل شيء.
 
 ما زالت البشرية عاجزة أمام سؤال الفناء، ويظهر ذلك حين الاقتراب من الموت. يقال إن الإنسان حين يهدده الفناء تنقلب رؤيته، تتغير أولياته، وقد يعود باستعدادات مختلفة في استقبال العالم والتعاطي معه. أنت عشت تهديد الموت في سنوات الدم الجزائري، ثم خبرت المرض المقلق الذي يضعنا على الحافة.. كيف أثر ذلك فيك؟ وفي أدبك؟

معك حق. الموت حالة عنف قاسية لا نستطيع حيالها الشيء الكثير. الإنسان ليس آلة. يتغير بتغير ما يحيط به وما يعيشه من أحداث. ولكن كيف يتغير؟ ما جدوى هذا التغير؟ عندما نواجه الموت عادة لا نفكر كثيرا فيما يجب فعله ولكن فيما فعلناه؟ بالنسبة لي العكس هو الذي حدث معي ربما لأن حبي للحياة كبير جدا.

الأعمال الروائية الكاملة
المستقبل حتى في حالة الخطر هو العنصر الذي يربطني بالحياة والاستمرارية. ما فعلته سابقا في حياتي انتهى إلا إذا أرجعت الزمن إلى الوراء وهو أمر مستحيل، ولست قادرا على تغييره، قبيحا كان أو جميلا؟ لكن ما كان يمكن فعله هو أساس السؤال لأن تدخلي فيه لا يزال ممكنا.
 
كنت في ظل الأزمة الجزائرية في التسعينيات أمشي في الشوارع وأغير الممرات والدروب معتمدا على حاسة حيوانية اكتشفت عمقها في، مرتبطة بغريزة حب البقاء، ليس فقط حفاظا على حياتي ولكن للانتهاء من روايتي التي كنت أكتبها: سيدة المقام.

تحول النص فجأة إلى رهان أو رديف للحياة. وكأن مصيري كله أصبح معلقا على اللغة. الشيء نفسه عشته عندما كادت أزمة قلبية تأخذني. وسيارة الإسعاف تخترق الشوارع الباريسية بشكل جنون في سباق محموم ضد الموت، لم أفكر في الموت الذي كان في، ولكني كنت أفكر في شيئين: روايتي سوناتا لأشباح القدس، التي تركتها معلقة ولم يبق لي منها إلا فصل صغير وعمل أقل من أسبوع.
 
قلت في خاطري: لا يمكنني أن أموت وأتركها معلقة في الفراغ. كنت أقول ذلك بيقينية غريبة وكأن مصيري كله أصبح معلقا على الكتابة، لو مت وقتها كنت سأموت حزينا.
 
والحالة الثانية هي أني اندفنت بدءا من حالتي وعيي حتى الإغماءة في فضاء لدن بشبه الغيم الأبيض والكثيف، وبدأت مشروع رواية انتهيت من إنجازها ذهنيا يوم مغادرتي المستشفى. رواية عنيفة مثل الموت اسمها: إيروتيكا، اسم شخصية نسوية متحدية لكل الضوابط المفروضة عليها.
 
إلى اليوم لا تزال إيروتيكا تؤثث مكتبتي الذهنية ولم أكتبها إذ كلما اقتربت منها شعرت بشيء غريب يشبه الخوف وبرائحة حادة شبيهة برائحة الموت.
  
 في تاريخك الشخصي تعلمت الفرنسية قبل العربية، وارتبطت معرفتك للعربية بجدتك الموريسكية التي كانت تقرأ عليك تاريخ الموريسكيين عن طريق الحكاية، وتنصحك بالذهاب نحو اللغة العربية لمعرفة تاريخهم. فكيف تنظر إلى اللغة أهي وسيلة أم هوية؟ وهل العربية قاصرة كما يقول الفرانكفونيون؟

"
هذه الأيام أنا في صراع مرير مع رواية شهوة المنتهى، الجزء الثاني من رواية: كتاب الأمير. تاريخ القرن التاسع عشر تاريخ قلق وانبنت عليه معاناتنا اليوم وبعض منجزاتنا البشرية. لهذا يجب ألا ينظر إلى ذلك بسهولة أبدا

واسيني الأعرج
"

لهذا أيضا قصة طويلة ومتشابكة. باختصار، العربية الأدبية ليست قاصرة وهذه الرؤية كثيرا ما تكون جذورها عنصرية سواء جاءت من معربين أو مفرنسين. لا توجد لغات صغيرة ولغات كبيرة، يوجد بشر ويوجد وضع معش تشكل اللغة وسيلته التعبيرية بسهولة وفي أحيان أخرى بمشقة.
 
النظرة الإقصائية نظرة سهلة ولا عمق لها. كل لغات العالم قوية في مكان ولكل اللغات هشاشات خاصة بالنسبة لقضايا محددة ونقائص. في النهاية اللغة ليست إلا الصورة الطبيعية للذين يتكلمونها ويستعملونها وهي على صورتهم.
 
كنت مفرنسا من حيث التكوين المدرسي مثلي مثل الكثير من أبناء جيلي المختلفين. سوى أن خياراتنا المستقبلية اختلفت فيما بعد من شخص لآخر، بحسب مساره الحياتي. منحني الله جدة طيبة حنا فاطنة ربي يرحمها ويوسع عليها. حفنة من النور وكون من الحنان.
 
كانت تحبني وترى في وريثا حقيقيا لإرث أجدادها الموريسكيين، أي مسلمي الأندلس الذين طاردتهم محاكم التفتيش المقدس. وبدأت أتعلم العربية بدءا من المدرسة القرآنية وانتهاء بالثانوية فيما بعد، ولكني ظللت مرتبطا باللغة الفرنسية، لأنها كانت أيضا لغة تكويني الأساسية.
 
أشكر الله أني لم أنشئ عداوة لغوية مع أي منهما. فقد وجدت في العربية جذوري العميقة وأنفاس أجدادي وغنى الثقافة التي أنتجوها، وكانت اللغة الفرنسية وسيلتي الفعلية لاكتشاف ما ينجزه الآخر. بفضل الفرنسية أقرأ اليوم ما ينجز عالميا ويترجم إلى هذه اللغة.

لا أعتبر هذه الازدواجية اللغوية نقيصة ولكن استثناء وحظا كبيرا لم يمنح لغيري. إحساسي باللغات جعلني أذهب نحو الإسبانية والإنجليزية لاحقا. خطابات الإقصاء والرفض تخبئ وراءها جهلا وقصورا كبيرين. منطلقي الأساسي حب وليس كراهية.

 ماذا تكتب الآن في خلوتك الباريسية؟ وبماذا تعد القارئ؟
 
هذه الأيام أنا في صراع مرير مع رواية شهوة المنتهى، الجزء الثاني من رواية: كتاب الأمير. تاريخ القرن التاسع عشر تاريخ قلق وانبنت عليه معاناتنا اليوم وبعض منجزاتنا البشرية. لهذا يجب ألا ينظر إلى ذلك بسهولة أبدا.
 
ومن العنوان يتبدى الطابع الصوفي للرواية لأنها تتناول صوفية الأمير وعلاقاته بالماسونية وإشكالاتها وانغماسه في الحرب الأهلية في بلاد الشام وتدخله لصالح المسيحيين لأنهم كانوا مظلومين. الجزء الثاني أصعب من الأول وعلى أن أتهيأ لآلة النقد ولسدنة الصورة الجاهزة عن الأمير.

هناك نص آخر أخف أشتغل عليه أيضا للتخفيف من ثقل التاريخ والبقاء في أفق الأدب الخالص. الرواية لها عنوان مؤقت: أصابع لوليتا، ولوليتا هي بطلة رواية الكاتب الروسي الأميركي نابوكوف. موضوعها قصة حب بين مراهقة لم تكد تنهي عشرين سنة بكل أحلامها وخيباتها، ورجل عمره ستون سنة.

المصدر : الجزيرة