أمجد ناصر
 
لقرصنة الكتب فائدتها، وقد سبق لي أن دافعت عن جانبها المعرفي وليس التجاري، فلولا تلك القرصنة التي تقوم بها دور نشر عربية عديدة لما تمكن معظم المثقفين العرب من معرفة ما يجري على ساحة الإبداع العالمي والروائي خصوصاً.
 
طبعا لا تفكر معظم دور النشر العربية المنكبَّة على تعقب أنفاس الروائيين العالميين الكبار وتلقف إصداراتهم ما إن تطرح في المكتبات (وأحياناً قبل ذلك!)، في حاجة المثقفين العرب إلى هذا التلاقح أو التثاقف أو الفضول المعرفي (سمّه ما شئت)، كلا، هي لا تفعل ذلك لوجه المعرفة ولكن لأسباب تجارية بالطبع.
 
الأسماء التي "تبيع" يجري رصدها من قبل دور النشر العربية، في حين تضرب الأخيرة صفحاً عن أسماء أقل بريقاً ولكنها قد تكون أكثر تجريبية ومغامرة في النوع الأدبي. من أولئك الذين سلطت دور النشر العربية (المشرقية عموماً) راداراتها وقرون استشعارها عليها، غبريال غارسيا ماركيز.
 
حدث -أكثر من مرة- أن كتاباً جديداً لماركيز وجد طريقه إلى المكتبة العربية قبل الإنجليزية والفرنسية.. وأحياناً قبل أن يصل إلى مكتبات وطنه كولومبيا. وهذا سهل على من لا يدفع مليماً من حقوق الملكية الفكرية، فلا يحتاج الموضوع أكثر من مترجم يعرف اللغة الإسبانية، وكفى الله المؤمنين شر القتال.

ماركيز مجرد مثال، فلم يكن وحده طُعماً سائغاً لخطاطيف وكلابات "القراصنة" العرب.. هناك أسماء "بيّيعة" أخرى لا تقل عنه حضوراً في السوق، كانت هدفاً لمناظير "القراصنة"، خصوصاً بعد أن طعن في السن وقلت إصداراته.
 
اللافت في أمر هذه القرصنة أنها قد تحمل معها "صيداً" أقل وزناً مما هو مرتجى لدار النشر العربية في السوق، ولكنه قد يكون أكثر نفعاً على صعيد الاقتراحات الجمالية والأسلوبية. نذكّر هنا بترجمات أعمال متفرقة للكاتب والشاعر الأرجنتيني الكبير بورخيس.. هذا اسم ليس من طينة الكتاب الأكثر مبيعاً.
 
هو ليس كذلك في الإسبانية أصلا.. إنه كاتب نخبوي.. كاتب الكتّاب وليس جمهرة القراء إن جاز التعبير، وقرصنته لا تتعدى رغبة المترجم في ترجمته، أي الترجمة من أجل العلم والمعرفة فقط.
 
"
حدث أكثر من مرة، أن كتاباً جديداً لماركيز وجد طريقه إلى المكتبة العربية قبل الإنجليزية والفرنسية.. وأحياناً قبل أن يصل إلى مكتبات وطنه كولومبيا، وهذا سهل على من لا يدفع مليماً من حقوق الملكية الفكرية
"
مفارقات الترجمة
من مفارقات الترجمة العربية (أقصد القرصنة) أن يعرف القراء العرب قبل الإنجليز بكاتب ما.. المفارقة الأكبر أن يكون هذا الكاتب من أوروبا وليس من أفريقيا أو أميركا اللاتينية أو اليابان.
 
وقد تنتفي المفارقة إذا عرفنا أن إنجلترا أقل بلدان "العالم المتقدم" إقبالاً على الترجمة. فبينما تبلغ نسبة الكتب المترجمة في اللغات الأوروبية الأخرى نحو 30%، لا تتجاوز النسبة في إنجلترا 3%! وهذه قضية أخرى لن نتوسع فيها كثيراً.. نشير فقط إلى أن الأمر قد يجد تفسيره في إحساس الناطقين بالإنجليزية (بريطانيا تحديداً، مهد هذه اللغة) بأنهم لا يحتاجون إلى ما يكتب في اللغات الأخرى، فلغتهم تكتسح العالم والذين يكتبون بها أدباً وصحافة وعلوماً يطّرد عددهم باستمرار.
 
هناك كسل أو اكتفاء ذاتي، وربما انعدام فضول لتعلم لغات أخرى بين الناطقين بالإنجليزية (دائماً في بريطانيا)، فما دام العالم كله يتكلم لغتهم ويسعى إليها فما حاجتهم إلى لغات أخرى؟!

من المفارقات إذن، أن يعرف القراء العرب الكاتب الإيطالي أنطونيو تابوكي قبل أن يعرفه القارئ الإنجليزي، فبينما ترجمت دور النشر العربية رائعته "بيريرا يدّعي" قبل عشر سنين -بصرف النظر عن مستوى الترجمة- لم تصدر هذه الرواية باللغة الإنجليزية إلا مؤخراً. وفي حلقة نقاش عقدها برنامج مخصص للإصدارات الجديدة في محطة بي.بي.سي الإذاعية الرابعة، فوجئ بعض الضيوف بأن تابوكي لم يترجم من قبل إلى الإنجليزية.
 
أحد هؤلاء برر الأمر بأنه كاتب إيطالي وضع رائعته هذه عن البرتغال! وقال آخر إن رواياته عموماً صغيرة الحجم، بينما اعتاد القارئ الإنجليزي على روايات ذات حجم كبير، فالرواية عند القارئ العادي -كما قال- تُقرأ من حجمها، وليس -فقط- من عنوانها!
 
استغرب المتناقشون عموماً عدم ترجمة أعمال تابوكي إلى الإنجليزية، بينما مواطنه أمبرتو إيكو له اسم راسخ بين القراء. وما نسيه مناقشو كتاب تابوكي أن أشهر أعمال أمبرتو إيكو "اسم الوردة" نقل إلى الشاشة الكبيرة ولعب بطولته واحد من أشهر نجوم بريطانيا (والعالم).. شون كونري.

وهذه أيضاً، قضية أخرى لها علاقة بدخول الأدب على خط وسائل الإعلام والترفيه.
 
"
من المفارقات أن يعرف القارئ العربي الكاتب الإيطالي أنطونيو تابوكي قبل أن يعرفه القارئ الإنجليزي، فبينما ترجمت دور النشر العربية رائعته "بيريرا يدّعي" قبل عشر سنين، لم تصدر هذه الرواية باللغة الإنجليزية إلا مؤخراً
"
رواية تابوكي
بعد ذلك النقاش تذكرت بطل رواية أنطونيو تابوكي.. بيريرا، وهو صحفي برتغالي عجوز يتقطر عرقاً طوال الوقت، وينوء تحت جرم جسمه الثقيل.. أرمل.. لا أولاد له، ولا أصدقاء كذلك. لا أدري إن كان يحب زوجته الراحلة أم أنه ببساطة يفتقدها، أو لنقل: يفتقد الحديث إليها. وهذا -طبعاً- تعبير ملتوٍ عن الحب، فنراه ما إن يدخل بيته حتى يتحدث إلى صورة زوجته كأنها موجودة.
 
بإمكانه أن يقول لها: آسف لقد تأخرت عليك قليلا! أحياناً يخبرها عما جرى له في العمل، أو عن أشخاص رآهم في الطريق. لكن أكثر ما علق في ذهني عن السيد بيريرا شربه المتواصل لعصير الليمون. نقرأ -أحياناً- عن بيئات ولا نشم روائحها، عن أشخاص ولا نتمكن من رسم صورة لهم، عن بحار ولا نشعر برذاذ أمواجها، عن قُبلٍ من دون أن تترك بقايا رغاب حلو على شفاهنا.
 
يحصل -أحياناً أخرى- العكس.. ليس هذا ولا ذاك معياراً لجودة الكتابة.. ليس بالضرورة، وليس هذا ما أريد قوله، فللسيد بيريرا الذي يدعي طوال الوقت (هذا هو عنوان الرواية) آراء في السياسة والدين والثقافة تتضح بالتدريج، تخطر له أفكار مضحكة.. أن يوظف -مثلا- صحفياً شاباً مهمته إعداد ملفات مسبقة عن كتاب كبار يتوقع رحيلهم، فهو لا يريد أن يفاجأ بأمر كهذا.. يريد أن يكون يقظاً مهنياً! عصير الليمون الذي يتجرعه طوال الوقت وفي أي مكان يحل فيه، يدعي بيريرا أنه مفيد لمعدته.. لا تهمني معدة بيريرا، فهو مات على كل حال.
 
تابوكي رآه ممدداً في نعش ولاحظ رخاوة كرشه، ولم يكن حول النعش المسجى أحد.. فليس لبيريرا الذي يدعي طوال الوقت، أحد يودعه.. هذا ما تقوله الرواية التي تتخذ من الدكتاتورية السالازارية في ثلاثينيات القرن الماضي خلفية معتمة لها، ولكنها عتمة لا تطول هناك.. العتمة تتربع على عرش أمكنة أخرى.. ويبدو أنها لا تتزحزح.

المصدر : الجزيرة