الكاتب والحقوقي عبد الحسين شعبان (الجزيرة-أرشيف)

الجزيرة نت-بيروت
 
يرى الكاتب والحقوقي العراقي الدكتور عبد الحسين شعبان أنه إذا كان الاحتلال صائرا إلى زوال، فالطائفية هي الخطر الأعظم الذي يهدد المجتمع العراقي في حاضره ومستقبله. ويؤكد في حوار مع الجزيرة نت أن إلغاء الطائفية في العراق هو الخطوة الأولى والأساسية التي لا غنى عنها لإعادة اللحمة للمجتمع العراقي وتعزيز المواطنة ومواجهة التحديات الراهنة واستعادة سيادة العراق واستقلاله.

وكان شعبان قد طرح "مشروع قانون لتحريم الطائفية وتعزيز المواطنة في العراق" بعد دراسات وأبحاث ومحاضرات سبق أن نشرها في كتبه المختلفة ولا سيما كتابيه "من هو العراقي" و"جدل الهويات في العراق.. المواطنة والدولة".

ويدعو شعبان إلى تحريم الطائفية في العراق بجميع أشكالها ومظاهرها، ومحاسبة مرتكبيها أو المروّجين لها أو المتواطئين بالسكوت عنها، مشيرا إلى أن في ذلك جزءا من رد الاعتبار للهوية العراقية العامة التي يمكن أن تحترم حقوق الهويات الفرعية دون تمييز وصولا إلى استعادة هيبة الدولة العراقية ووحدتها. ويحذّر شعبان من أن استمرار حالة التشظي والتمذهب ستؤدي آجلا أم عاجلاً إلى التفتيت وقد تقود إلى التقسيم، فيصبح الأمر الواقع واقعا.

وفيما يلي نص الحوار:

هل تعتقدون بوجود طائفية في العراق أم هناك طائفية سياسية؟

 
دعني أتحدث عن المسألة الطائفية تاريخياً دون محاولة تجاوز الماضي أو تسطيح الأمور بتعليق كل شيء على الحاضر، وكأن الإشكالية والمشكلة ظهرت فجأة دون مقدمات أو سابق إنذار أو حتى دون احتراب، علينا مواجهة الأمر بطريقة علمية وموضوعية وبمسؤولية وطنية لا بخصوص الحاضر فحسب، بل بما له من تأثيرات على أوضاع المستقبل.

"
المشكلة الطائفية قديمة في العراق، وهي أقدم من الدولة العراقية المعاصرة التي تأسست في 1921
"
أعتقد أن المشكلة الطائفية قديمة في العراق، وهي أقدم من الدولة العراقية المعاصرة التي تأسست يوم 23 أغسطس/آب 1921. وإذا كان المسلمون قد انقسموا إلى فرق ومذاهب، فالأمر بداية كان في إطار الاجتهاد أولا، ومن ثم تحوّل إلى صراع محموم على السلطة بفعل المصالح المتعارضة، لكنه صراع سياسي بالدرجة الأولى وإن لبس لبوس الدين أو تلفّح بالعباءة الطائفية والمذهبية، خصوصا بالاقتراب أو الابتعاد عن السلطة!

وعندما تأسست الدولة العراقية المعاصرة بعد احتلال عثماني دام أربعة قرون ورثت هذه الحال، وعلى الرغم من انهيار الدولة العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى (1914-1919)، فإن الحلفاء لم يفوا بوعودهم بمنح الاستقلال، بل عملوا في السر والعلن على إعادة ترتيب البيت العربي حسب أهوائهم ومصالحهم دون أن يشركوا العرب أصحاب الشأن في ذلك، كما تبيّن فيما بعد إثر افتضاح أسرار معاهدة سايكس بيكو، التي أذاع سرّها الحكم الجديد في روسيا البلشفية بعد ثورة أكتوبر في العام 1917.

وإذا كان على بريطانيا، التي أعلنت انتدابها على العراق بعد فشل تجربة الحكم المباشر إثر احتلاله، تهيئة العراقيين لاستلام مقاليد أمورهم بموجب قرار مجلس عصبة الأمم، فإنها سعت بكل الوسائل، ولا سيما بعد اندلاع ثورة العشرين الوطنية في 30 يونيو/حزيران 1920، إلى زرع بذرة الطائفية قانونيا وعلى نحو عمودي في المجتمع العراقي، بعد أن تحققت وحدته الوطنية في مواجهة الإنجليز وقواتهم المحتلة.
 
وقد أجمع آنذاك علماء السنّة والشيعة، تجاوزا للمشروع الطائفي الذي جرت محاولات خبيثة لإحيائه، على حق العراق في الاستقلال وتقرير مصيره وإجلاء القوات الأجنبية عن أراضيه، مما دفع البريطانيين للتفكير بالعودة إلى سياستهم القديمة (فرّق تسد) لمعاقبة رجال الثورة وخلق أساس قانوني يمكن تحريكه لاحقا بإذكاء التمييز بين العراقيين، فلجؤوا إلى سن قانون للجنسية حتى قبل صدور دستور العراق "القانون الأساسي" الذي صدر في العام 1925.

صدر قانون الجنسية في العام 1924 وهو القانون رقم 42 الذي ميّز بين العراقيين في اكتساب الجنسية، واعتمدت شهادة الجنسية على درجتين لمنح الجنسية "أ" و"ب"، معتبرة أن من كان من رعايا الدولة العثمانية فهو عراقي بالتأسيس حتى وإن لم يكن عربيا، أي سواء كان تركياً أو كرديا أو ألبانيا أو غيره.
 
أما إذا كان من تبعية أخرى مثل "الإيرانية" حتى وإن كان عربيا أصيلا فهو لا يعتبر عراقيا، بل يكتسب الجنسية العراقية، أي بدرجة أدنى ويدوّن في شهادة جنسيته من الفئة "ب" حتى وإن كان مولودا في العراق أبا عن جد.
 
وطبقا لهذا القانون ولقانون رقم 43 لعام 1963 وقرارات مجلس قيادة الثورة لاحقا بما فيها القرار رقم 666 الصادر في 7 مايو/أيار 1980 تم تهجير عشرات الآلاف من العراقيين على دفعات مختلفة.

ما هي مسؤولية المفكر والمثقف في تحصين المجتمع ضد أمراض السياسة وفي مقدمتها الطائفية؟

"
المثقف في بلادنا يواجه ثلاث سلطات، الأولى هي السلطة الحاكمة التي تحاول تطويعه وتدجينه. والثانية هي الثيوقراطية التي وقفت ضد عمليات التطوير. أما السلطة الثالثة فهي قوة العادات والتقاليد وسكونية المجتمع

"
المثقف في بلادنا اليوم يواجه ثلاث سلطات، السلطة الأولى هي السلطة الحاكمة أي الرسمية التي تحاول تطويعه وتدجينه بالإقناع أو بالاقتلاع بالامتيازات والإغداق أو بالعزل والتهميش، أي بالقمع الفكري والأيديولوجي أو بالقمع البوليسي، وأحيانا كثيرة بالسلاحين.
 
السلطة الثانية هي الثيوقراطية الدينية التي وقفت في الكثير من الأحيان ضد عمليات التطوير والتحديث تحت عناوين مختلفة، بل قامت أحيانا بإباحة دم المثقف وتحريم الأفكار أحيانا، ولا سيما ما يتعلق بالحداثة. أما السلطة الثالثة فهي قوة العادات والتقاليد وسكونية المجتمع الذي يستجيب للفكر السائد، حيث تقف هذه العقبات حجر عثرة أمام التغيير والتحديث، وسواء كان الموروث دينيا أو طائفيا أو عشائريا أو اجتماعيا أو غير ذلك فإنه يواجه الفكر الحر والمثقف الحر بالتحريم والتأثيم والتجريم.

لديكم مشروع أسميتموه "مشروع مكافحة الطائفية" فهل يمكن أن توضح لنا أبرز ملامحه؟

في معرض بحثي كنت قد طرحت منذ سنوات طويلة خلت مسألة في غاية الأهمية كما أعتقد، وهي تتعلق بالهوية والجنسية والمواطنة، وعالجت ذلك بدراسات ومحاضرات على مدى أكثر من عقدين من الزمان (فترة الثمانينيات والتسعينيات)، ولا سيما بالارتباط مع موضوع الحرب العراقية الإيرانية ومخاطرها، وكنت أقصد من ذلك تحديد الرابطة الحقوقية القانونية وعلاقتها بفكرة المواطنة والهوية من خلال التأكيد على ضرورة احترام الهويات الفرعية المتعددة والمتنوّعة، المختلفة والمؤتلفة.

إن "مشروع تحريم الطائفية وتعزيز المواطنة في العراق" ينطلق من المشترك الإنساني، الذي يشكّل الأساس المتين لأية هوية عامة موحدة، وفي الوقت نفسه يحافظ على الهويات الخاصة، وأن مبادئ المواطنة تستوجب تحقيق المساواة بين الأديان والقوميات واللغات، لأنها تمثل خصوصية وتنوّعا، وبذلك تكون العلاقة قائمة على أساس الانسجام والتفاعل على الرغم من التمايز والتميّز في إطار مواطنة متعددة ومتنوعة، التي هي عنصر قوة وليس عنصر ضعف.
 
وقد كان التنوّع الفسيفسائي العراقي يمثل لوحة متكاملة للموزاييك الديني والقومي واللغوي والسلالي والاجتماعي، أما محاولات الاستئصال أو الإقصاء أو التهميش، وخصوصاً ما أصاب المسيحيين واليزيديين والصابئة، فهي ليست سوى محاولة لإضعاف المجتمع العراقي وإلغاء التنوع والتعددية في صفوفه، سواء باسم الأغلبية أو محاولة فرض نمط سلوكي معين أو السعي لتفريغ المجتمع العراقي من مكوناته التاريخية الدينية والقومية وغيرها.
 
ولعل محاولات العزل والاستصغار تمتد إلى الطوائف أحيانا، بحيث تصبح عنصر صراع دائم ومستمر على حساب عمليات التطور والتنمية والإصلاح والديمقراطية، وغيرها من المهمات الوطنية بما فيها استعادة السيادة والاستقلال كاملين وغير منقوصين.
 
لكن في حالتنا هذه، هل هناك حل سحري لجدل الهويات في العراق؟

المواطنة بحاجة إلى مواطنين أحرار وإلى مجتمع مدني بحدّه الأدنى يتجاوز حدود الولاءات الضيقة، الطائفية والمذهبية والإثنية والدينية والعشائرية والجهوية، وبذلك يتم استيعابها في إطار الوحدة الكيانية المتعددة والموحدة، والتي يمكن أن تكون مفتوحة وتغتني باستمرار دون أن يعني ذلك أن حلاً سحريا للمشكلات والصراعات المعروفة سينتهي أو يزول، بمجرد إعلان ذلك، لكنه سيكون مهما لبناء علاقات جديدة متساوية ومتكافئة بين المكوّنات المختلفة وعلى أساس مواطنة متساوية.

"
لعل من أسباب ضعف الهوية في العراق غياب الحريات ودولة القانون ومبادئ المساواة والمواطنة الكاملة، وقد ساهم الاحتلال بتعميق ذلك، وخاصة بعد الإطاحة بالدولة ومؤسساتها وكياناتها

"

وبهذا المعنى فعندما نتحدث عن جدل الهويات في العراق فإننا نقصد الجدل المشروع لتنظيم وتأطير الاختلاف والائتلاف بين هويات متعددة ومتنوعة، فرعية وعامة، وكذلك نتحرّى البحث عن شروط المواطنة في الدولة الحديثة وقانون موحّد ودستور جامع، على أساس المساواة، لا على أساس امتيازات الطوائف والإثنيات والحصص والنسب والتقسيمات البعيدة عن جوهر المواطنة بالمفهوم العصري، بل على أسس المشتركات العابرة للهويات الجزئية في إطار الهوية الشاملة، مع احترام حقوق التكوينات والهوّيات الفرعية، بحيث يكون سداها ولحمتها التعايش والاعتراف بالآخر والانفتاح عليه وتأمين حقوقه.
 
وإذا كان ثمة ضعف أو تصدّع في الهوية العراقية بسبب هضم الحقوق وخصوصاً للقوميات والأديان التي يطلق عليها عادة مسمى "الأقليات" على الرغم من ميلي إلى وصف ذلك بـ"التنوع الثقافي"، لكن إعلان الأمم المتحدة لحقوق الأقليات الصادر في العام 1992 يجعلني استخدم مصطلح "الأقليات" مجازا، لأنني أشعر بأن هذا الاستخدام يحمل في ثناياه الانتقاص من مبدأ المساواة الأساس في المواطنة.

ولعل من أسباب ضعف الهوية في العراق غياب الحريات ودولة القانون ومبادئ المساواة والمواطنة الكاملة، وقد ساهم مجيء الاحتلال بتعميق ذلك، وخاصة بعد الإطاحة بالدولة ومؤسساتها وكياناتها، ولا سيما حل الجيش العراقي وتشطير الهوية العراقية الجامعة وإقرار المحاصّة المذهبية والطائفية والإثنية، مما أدى إلى اندلاع احتراب داخلي غذّاه أمراء الطوائف والمستفيدون من تعميق الانقسام والتشظي في المجتمع العراقي، وكانت ذروته بين عامي 2006 و2007 وعلى الأخص إثر تفجير مرقدي الإمامين علي الهادي والحسن العسكري في سامراء، حيث كانت نذر الحرب الأهلية قائمة، بل كان العراق في أتونها.

إن الخطوة الأولى والأساسية لمواجهة التحديات الراهنة وتعزيز الهوية العراقية واستعادة سيادة العراق واستقلاله، تنطلق من إلغاء الطائفية وتحريمها بجميع أشكالها ومظاهرها ومحاسبة مرتكبيها أو المروّجين لها أو المتواطئين بالسكوت عنها. إن الطائفية حسب المادة الأولى من "مشروع القانون" تُعتبر جريمة بحق الشعب والوطن.. ترتقي إلى "مصاف جرائم الخيانة العظمى" وتتطلب اتخاذ أقسى العقوبات بحق المتعامل بها، ولا سيما إذا ما اقترنت بأفعال وأنشطة تؤدي إلى اضطراب وفوضى في المجتمع، خصوصا إذا استخدمت العنف والقوة والتمرد وأدت إلى حرب أهلية.

 ما هي آليات تطبيق الأفكار والمشاريع؟

إن آليات تطبيق المشروع تتضمن أن يتخذ مجلس النواب قرارا بإصدار قانون بتحريم الطائفية، ولا سيما بعد مناقشته والاقتناع به أو تعديله أو تطويره أو الإضافة عليه، علما بأن المشروع يتعلق بتحريم العمل والنشاط السياسي تحت أية واجهة سياسية أو حزبية أو اجتماعية أو مهنية تستهدف نشر الطائفية أو المذهبية. ويتضمن المشروع منع استغلال المناسبات الدينية في الترويج للطائفية أو المذهبية.

ويمنع منعاً باتاً توزيع أو اقتسام المناصب الحكومية أو غير الحكومية على أساس الانتماء الطائفي والمذهبي، ويحظر استخدام وسائل الإعلام في الترويج لأي غرض طائفي، كما يمنع اتباع التصنيفات والتقسيمات الطائفية في الجيش والقوات المسلحة وقوى الأمن الداخلي والشرطة وجميع دوائر الدولة ومرافقها.
 
"
الوحدة لن تتحقق بصورة قسرية، والانفصال سيكون ماثلاً للعيان دائما، ولا سيما بالتجاوز على الحقوق أو عدم التوصّل إلى المشتركات الإنسانية، وهي معادلة متوازنة لا بدّ من أخذها بالاعتبار ارتباطا بالظروف الدولية الراهنة
"
ويحظر مشروع القانون على رجال الدين إصدار الفتاوى التي تتعلق بالشأن العام، ولا سيما المتعلقة بالقضايا السياسية ذات الصلة بالجماعات والفئات الطائفية والإثنية، ويطالب بحصر إدارة جميع المراقد والأماكن المقدسة بالدولة ممثلة بوزارة الأوقاف الموحدة.

 هل لديكم مخاوف على وحدة المجتمع العراقي؟
 
لا شك أن استمرار حالة التشظي والتمذهب ستؤدي آجلاً أم عاجلاً إلى التفتيت وقد تقود إلى التقسيم، فيصبح الأمر الواقع واقعا. إن على أي تعديل دستوري قادم أن يضع في أولوياته مسألة تحريم الطائفية وتحديد ملامح النظام الاتحادي وإزالة الغموض والالتباس وسوء الفهم الذي رافقه.
 
فالوحدة لن تتحقق بصورة قسرية، والانفصال سيكون ماثلاً للعيان دائما، ولا سيما بالتجاوز على الحقوق أو عدم التوصّل إلى المشتركات الإنسانية، وهي معادلة متوازنة لا بدّ من أخذها بالاعتبار ارتباطا بالظروف الدولية الراهنة، خصوصاً في ظل التدخل الخارجي الإقليمي والدولي، ولا سيما من جانب إيران، فضلاً عن وجود قوات أميركية محتلة بمعاهدة أو دونها، وكذلك في ظروف غياب عنصر ضامن وموحد للتنوّع الثقافي وحامٍ له بإمكانه أن يكون عابراً لانقسامات ما قبل الدولة.

المصدر : الجزيرة