الخيمة الموريتانية رأى قادة الاستقلال أنها رمز الأصالة الموريتانية (الجزيرة نت)

أمين محمد-نواكشوط
 
ربما لم يكن غريبا أن يختار الموريتانيون تنظيم أهم حدث في تاريخ دولتهم على الإطلاق وهو حفل إعلان استقلال موريتانيا عن مستعمرتها السابقة فرنسا (1960) تحت ظلال خيمة مفتوحة رغم توفر بدائل وخيارات أخرى، لكن قادة الدولة الوليدة وقتها رأوا أن الخيمة هي الأكثر رمزية وتعبيرا عن الأصالة وعن الخصوصية الموريتانية.

ورغم تطور الظروف وتبدل الأحوال فإن الموريتانيين حافظوا على علاقتهم الوثيقة مع الخيمة المفتوحة في كل الاتجاهات، وما زادتهم الأيام إلا تعلقا وارتباطا بها حتى صارت إحدى ثوابت الوجود الموريتاني.

كان المجتمع الموريتاني في الماضي مجموعات من البدو الرحل ولم يكن الثابت معهم في حلهم وترحالهم بحثا عن الكلأ والنجعة سوى خيمهم العامرة بالمعارف والعلوم، والتي ولدت في أحضانها وبين جوانبها محاظرهم (المدارس التقليدية) التي شكلت فيما بعد مفخرة للإنسان الموريتاني.

وبعد ما استقلت موريتانيا وتشكلت مدنها الحديثة صارت الخيمة أيضا جزءا من الشكل الجديد، بل ربما كانت هي وبعض من العادات والقيم من أهم ما حمله القادمون من أعماق الريف إلى واجهات الحياة المعاصرة، حتى تسمت أكبر عمارة في البلد باسم الخيمة، بل تبعها العديد من المنتجات الاقتصادية المحلية تسابقت كلها لتحصل على العلامة المفضلة لدى الموريتانيين "الخيمة".

الموريتانيون يفضلون تناول شايهم
في خيم ينصبونها في فناء البيت (الجزيرة نت)
مظاهر ارتباط
ويرى الأديب الموريتاني أحمد مولود ولد أكاه في حديث للجزيرة نت أن من أقوى مظاهر ارتباط الموريتانيين بالخيمة أنهم نقلوها من ماهيتها المادية إلى قيمة معنوية بحيث صارت الخيمة ترادف الأسرة.
 
وهو ما يفسر أنه عندما يريد الموريتاني أن يسأل أخاه عن أسرته يقول له كيف حال الخيمة بمعنى الأسرة، لأنهم لا يتصورون الأهل إلا في الخيام، ولا يتمتعون بالأنس والألفة إلا فيها.

وفي المنشآت العمرانية كانت الخيمة حاضرة في الشكل والتسمية أيضا –وفق ولد أكاه- لعامل الترويج في الاسم عند الوجدان الموريتاني المؤله للخيمة.

أما لماذا يرتبط الموريتانيون بهذه الدرجة بخيامهم فيعتقد ولد اكاه أن السبب ربما لكونها الوطن الأول لهم، الوطن الذي احتضنهم أولا، وقذف بهم من بعدُ إلى عالم المدنية الحديثة.

وحبب أوطان الرجال إليهم   مآرب قضاها الشباب هنالكا
ويضيف أن الكثير أيضا يرتبط بالخيمة وفاء لها فهي التي احتضنتهم في فترة الطفولة يحتفظون بذكرياتهم فيها وكل الأشياء الجميلة التي عايشوها في كنف الخيمة قبل المباني العمرانية الحديثة.

وهذا الوفاء مستمد من تكوين هؤلاء في البادية التي تغرز في النفس الحنين إلى الماضي والشوق للذكريات والارتباط بسالف العهود وهذا ما ترمز له الخيمة التي درج فيها الواحد من هؤلاء صبيا وترعرع فيها يافعا وأظلته من الحر وأدفأته من القر.

 اطفيل بنت أحمد سالم كانت من بين نساء أنشأن أول سوق للخيام في نواكشوط
(الجزيرة نت)
فرص عمل
ولأن الخيام بضاعة غالية في موريتانيا، فقد نشأت لها أسواق خاصة بها في قلب العاصمة نواكشوط باتت توفر فرص عمل لمئات السيدات اللائي اخترن تطريز وخياطة الخيام.

وتقول اطفيل بنت أحمد سالم وهي في أحد أسواق الخيام للجزيرة نت إنها كانت من بين سيدات قلائل أنشأن أول سوق للخيام في نواكشوط قبل نحو ثلاثة عقود، وكسبن من ذلك مالا كثيرا من شدة إقبال الناس على الخيام.

وتقول مريم بنت محمدن إن الإقبال على الخيام يشتد في فترة الصيف والخريف ويقل جدا في الفصل الحالي (الشتاء) الذي لا تستخدم فيه الخيام في المدن غالبا إلا للحفلات الرسمية والمناسبات الاجتماعية.

وقالت إحدى المتسوقات إنها جاءت تشتري خيمة لتنصبها في الردهة الأمامية لبيتها، فما أجمل أن تحتسي كؤوس الشاي مع العائلة تحت ظلال خيمة مفتوحة وهواء طبيعي بعيدا عن المكيفات.

المصدر : الجزيرة