مثقفو مصر.. حائط العجز والفساد
آخر تحديث: 2010/12/20 الساعة 17:45 (مكة المكرمة) الموافق 1432/1/15 هـ
اغلاق
خبر عاجل :مراسل الجزيرة: إصابة فلسطيني برصاص إسرائيلي بذريعة تنفيذه عملية طعن بالخليل
آخر تحديث: 2010/12/20 الساعة 17:45 (مكة المكرمة) الموافق 1432/1/15 هـ

مثقفو مصر.. حائط العجز والفساد

جنازة أحد فناني بني سويف حيث توفي العشرات بحريق قصر الثقافة عام 2005
(الفرنسية-أرشيف)

محمد الحمامصي-القاهرة
 
شهدت مصر في العام 2010 العديد من الأحداث والوقائع على المستويات السياسية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية، يرى كتاب ومثقفون أنها تكشف عن تصاعد التوجهات الفاسدة والمتطرفة داخل المجتمع والسلطة ومؤسساتهما.
 
وتذهب آراء في الساحة الثقافية المصرية إلى أنه قد تزايد القمع وتكميم الأفواه والعنف، فيما تراجعت قيم الحوار، وانحسر دور الثقافة والمثقفين، وهو ما ألقى بظلال قاتمة على المشهد العام ودفع البعض إلى فقدان الأمل في التغيير، لكن مثقفين آخرين يرفضون ذلك، ولسان حالهم يقول إن مصر "عَمَار، وولادة".
 
ويرى الروائي والباحث في علم الاجتماع السياسي عمار علي حسن أن الثقافة المصرية قد "انحدرت إلى مستوى مخيف، غير منبت الصلة عن الحالة العامة المشبعة بالفساد والاستبداد". مشيرا إلى أنه رغم الحديث الرسمي المستفيض عن التحديث والتنوير والإصلاح يشهد الواقع العملي بجلاء غياب مشروع ثقافي يليق بأعرق دولة في تاريخ الإنسانية، حسب تعبيره.

ويؤكد حسن عدم وجود أي إستراتيجية ثقافية "تخرج بلادنا من ضيق الآني إلى براح الآتي"، علاوة على وجود "عدد كبير من المثقفين، منسجمين أو متواطئين مع هذا الوضع المزري".

تخبط وارتباك
عمار علي حسن (الجزيرة نت)
وفي تحليله لتلك الأوضاع، نوّه حسن إلى حالة "التخبط والارتباك" في ظل غياب التفاعل الخلاق بين المؤسسات الثقافية الرسمية والواقع المعيش، والاكتفاء بـ"رطانة زاعقة" و"بلاغة جوفاء" بدل الانتصار لقيم التقدم والحرية والعدالة.
 
وأشار حسن إلى أن دور وزارة الثقافة لا يجب اختزاله في نشر مشروط للكتب، ولا في إنشاءات وترميمات ينهض بها مقاولون تحسب في سجل إنجازاتهم، وتتقدم بها المباني على المعاني، ولا في محاولات مستميتة لـ"تدجين" أرباب الفكر والقلم، وضمان "الصمت" على القوانين والتشريعات التي تقيد حرية الرأي والتعبير، و"إبعاد" الفن والفكر عن أداء دورهما في التنوير.
 
قراءة حسن تومئ إلى "الفصام" بين قطاعات عريضة من منتجي الفنون والحراك السياسي الذي تموج به مصر في الوقت الراهن، لافتا إلى غياب مشروع ثقافي حقيقي لدى السلطة وأحزاب المعارضة وممارساتها كذلك، و"استشراء" الجمود في التفكير الديني بما يصيب مقتل الثقافة المصرية الراسخة والأصيلة التي طالما انحازت إلى الوسطية، ليزداد الاحتقان الطائفي يوما بعد يوم.
 
ويدعو حسن إلى انخراط المثقفين في بناء تصور ثقافي بديل يعيد الثقافة إلى أصحابها، مشيدا بحركة "المثقفين المستقلين" الذين أطلقوا العام الحالي تحذيراتهم من الفساد الثقافي، في محاولة منهم لإعادة المثقف إلى دوره الحقيقي، والمساهمة في فتح الباب على مصراعيه أمام الديمقراطية.

أسئلة مغيّبة
ياسر عبد الحافظ (الجزيرة نت)
ولا يرى الكاتب والروائي ياسر عبد الحافظ أن هناك دورا ما يلعبه المثقف المصري إلا المشاركة في إنتاج "الصخب المطلوب توفيره" في هذا الوقت للتغطية على ملفات باتت تنفتح من تلقاء نفسها مثل "شرعية نظام الحكم المنتهية"، وهل ما زالت ثورة يوليو تصلح بوصفها "مرجعية"، وإن كانت مصر دولة دينية أم مدنية، وما "الحدود" التي يمكن أن يتوقف عندها الفساد؟

ويعتقد عبد الحافظ أن "سيطرة" المثقف الستيني هي ما أنتجت هذا المشهد الثقافي البائس، إذ إن المثقف المصري حصر نفسه في شعار وحيد يردده في المناسبات وهو "حرية التعبير في خطر"، من دون أن يقدم قربانه للحصول على الحرية التي يطالب بها، مشيرا إلى أن "الستيني" حوّل الثقافة إلى وظيفة ليحصي مكاسبه، مواصلا "بكاءه" على سقوط المشروع والحلم.

وللتأكيد على نعوته المثقف المصري بـ"الخانع" و"الفاسد" والمنافق"، يغمز عبد الحافظ من قناة وزير الثقافة الذي يحافظ على أناقته مهما اشتد "الحريق" أو إلى تبرير مثقفين لما تفعله السلطة من تزوير وفساد.
 
محيط اجتماعي
 جمال القصاص (الجزيرة نت)
يؤكد الشاعر والناقد جمال القصاص أنه لا تنمو الثقافة ولا تنهض وتزدهر بمعزل عن محيطها الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، ويضيف "لا يمكن أن تنمو سوق محترمة لنشر الكاتب في واقع متأزم اقتصاديا، كما لا يمكن أن يمارس الكتاب حريته المشروعة في واقع يتخذ من المصادرة والملاحقة ضمانة و"تقية" لاستمرار وجوده في السلطة".

ويرسم القصاص صورة عن فساد مطلق يطول جميع مفاصل النظام المصري، ما أدى إلى "وضع المجتمع على حافة التطرف"، ولا تنفصل الثقافة في مصر عن هذا المشهد، على حد قوله.

ويصنف أحوال المثقفين إلى منساقين  للسلطة يراوحون خطاهم، تارة عن يمين المؤسسة الرسمية، وتارة أخرى عن يسارها، وآخرين في المنتصف ينتظرون ما قد يتساقط  من هذا الطرف أو ذاك، دون أن يفكر أحدهم بفساد المؤسسة الرسمية و"شيخوختها".

ويرى القصاص أن "مهام" المثقف في هذا المشهد تتمثل في إيجاد حلول للتحصن ضد عدوى الثقافة نفسها والوقاية من أمراضها، وأول هذه الحلول هي "العزلة والتقوقع على الذات" أو التواصل غير الحميم مع أشباح مستعارة، لا يمكن أن تعيد لوحة "زهرة الخشاش" إلى إطارها الفارغ المذهب في المتحف.
 
وبعيدا عن تلك العزلة، يجد القصاص الحل الثاني أمام المثقف بفتح حوار حقيقي حول كيفية عيش مستهلكي الثقافة بقوة اليأس، أو بالقصور الذاتي.
 
مثقف بلا بوصلة
السيد نجم (الجزيرة نت)
ويقول الروائي د. السيد نجم "من نافلة القول أن الشكل الفاعل للثقافة والتثقيف لم يعد "للمثقف" الفرد، بل أصبح للمؤسسة الثقافية"، مشيرا إلى أن المثقف المصري بلا بوصلة.

ويرى أن "ما حلّ بمصر كدولة، بعد أكتوبر/تشرين الأول 1973، ومع سياسة الانفتاح الاقتصادي الذي بدأ بلا أرضية أو بوصلة ثقافية، فالمؤسسات الثقافية لا حصر لها، وعلى رأسها وزارة للثقافة، ورغم ذلك لم توجه نحو هدف معلن يسعى الجميع باتجاهه.

الأفراد التنويريون، حسب نجم، انشغلوا مثل بقية فئات المجتمع بـ"لقمة العيش وقهرها"، سواء أكانوا من الأكاديميين أو المبدعين، وأفضلهم حظا من وجد لنفسه لقب "وظيفيا" في مؤسسة الدولة.

ويصف نجم المؤسسات بأنها "خاضعة لهيمنة بيروقراطية" تجعلها مكبلة تضمن فقط لمن يعمل فيها استمرار المنصب وضمان لقمة العيش.

لن يصلح وضع "المثقف" الفرد والمؤسسة في مصر الآن إلا بالبحث عن بوصلة، ويراهن نجم على صنع إستراتيجية يعمل وفقها الجميع من أجل الطفل في مجال التعليم، وتنمية المهارات واكتشاف المواهب.

ساحة مهاترات
وتقول الناشرة د. فاطمة البودي "في بلد تتفشى فيها الأمية ويتدهور مستوى الخدمات الصحية، وتتفاقم الأزمة الاقتصادية إلى جانب القمع الفكري يكرس "خمول" المثقف المصري الذي كان لا بد له من تصدر المشهد.

فاطمة البودي (الجزيرة نت)
تشهد الساحة اليوم مهاترات لا يمكن وصفها بالفكرية، بين أناس بلغت بهم الأنانية والغرور كل مبلغ، وأصبحت النقاشات لإثبات "تفوق شخصي أو نفيه من دون موضوعية" تاركين الهم العام وراء ظهورهم، حسب البودي.

وتضيف "أخفقنا جميعا كمثقفين في خلق جماعات ضغط قوية مترابطة ذات ثقل لتغيير الواقع الرديء أو المساهمة في تغييره، بل سارع الكثير من المثقفين للتدثر بالنظام والاستمتاع بدفئه، وبنظرة فاحصة نجد أن الاهتمام الفعلي بالثقافة يجب أن يبدأ من حيث يبدأ التخريب الآن، أي من التعليم المنهار الذي أصاب في مصر دون غيرها من سائر الأمم".
 
منظومة الفساد
الشاعر والمترجم والناشر د. طلعت شاهين يؤكد أن "عددا كبيراً من أبرز المثقفين أصبحوا جزءا من منظومة الفساد في السلطة، وتحول إلى متحدث ومروج لهذا الفساد ليفيدوا من المزايا المادية التي يتمتعون بها، ومنها حيازتهم للمنابر الرسمية، وترشيحهم للمشاركة في مهرجانات ومؤتمرات في الخارج بغض النظر عما يقدمه هذا المرشح في تلك المؤتمرات باسم مصر".
 
ويضيف "بل إن بعضهم يسيء إلى صورة الإبداع والبحث الأدبي والعلمي في مصر لما يقدمونه من نماذج سيئة مليئة بالسرقة والسطو على إبداعات الآخرين".
 
حكم المجتمع 
عزة عزت (الجزيرة نت)
وتمايز د. عزة عزت أستاذ الإعلام بين مؤسسات الثقافة الرسمية والأهلية وبين المثقفين كأفراد، فالهيئات الثقافية الرسمية هي من يمارس "دورا فاسدا وممالئا" للسلطة، وهي من تتبنى مواقف معلنة تؤكد هذا التوجه وتضر بمصالح عامة للمصريين ككل.

وتضيف "يدور في فلك هذه الهيئات والمؤسسات الثقافية عدد محدود ومعروف بالاسم من المثقفين، ويكاد المجتمع المصري يرفضهم وينبذهم، بل يستثقل ظلهم إذا ما أدلوا بدلوهم في أي من الأمور العامة أو الثقافية، ويتجاهل إبداعهم".
 
أما مواقف المثقفين بوصفهم أفرادا فتتراوح بين الرفض "المعلن منه والمستتر" و"التقوقع على الذات لإنجاز مشروع تفاقي شخصي"، مكتفيا بأن ما يحققه على المستوى الفردي، وهو ما يؤثر على المدى البعيد في جماهيريته، حسب عزت.

وتضيف "من يحاول ممارسة دور إيجابي فاعل حيال ما يجري، من خلال المشاركة بالرأي الصريح والمعلن، يسلط عليه الأمن زبانيته من "المسجلين خطر"، للإساءة إليهم وانتهاك شخصياتهم معنويا، بشكل يصل إلى حد الإهانة، الأمر الذي يجعل الكثير منهم يحجم عن المشاركة الإيجابية".

السلطة والمال
أحمد الشهاوي (الجزيرة نت)
أما الشاعر أحمد الشهاوي فيؤكد أنه لم يعد يحب أن يقف أمام الظواهر السلبية أو المخيبة للآمال في الحياة الثقافية، مضيفا "صرت أرى ما يمتعني وما أراه يشكل إضافة إلى المشهد الثقافي المصري، فالقاهرة شهدت تحولا مهما في العام 2010 كانت له إرهاصات في الأعوام السابقة، تمثل في افتتاح وتأسيس مكتبات خاصة في مختلف أنحاء القاهرة وقد امتد إلى بعض المدن المصرية.

ويلفت الشهاوي إلى استثمار رجال الأعمال بعض أموالهم في الثقافة، ما خلق "ظواهر لافتة" مثل حفلات توقيع الكتب وميلاد دور نشر خاصة جديدة، مما فتح الباب أمام الأصوات الصاعدة التي كانت في السابق تعاني من سوء النشر في الهيئات التابعة لوزارة الثقافة، وصار هناك تنافس خلاق ومجدٍ بين المبدعين.
 
وفي ضربه لأمثلة أخرى، يشير الشهاوي إلى افتتاح عدد من قاعات الفن التشكيلي هذا العام، ما أدى إلى ارتفاع "قيمة" الفنان المادية عن ذي قبل أضعاف ما كان عليه، إضافة إلى استقبال القاهرة المئات من المبدعين من العرب والأجانب خلال العام الفائت، وهو ما يثري المشهد من فرط التنوع والاختلاف والحوار، واللافت أن دور النشر المصرية نشرت كتبا متنوعة لمبدعين من مختلف البلدان العربية تزيد عن الأعوام السابقة مجتمعة، حسب قوله.

نبيل بهجت (الجزيرة نت)
النظرة "المتفائلة" لدى الشهاوي تجد مؤيدين لها، ومنهم د. نبيل بهجت، أستاذ علوم المسرح بجامعة حلوان والمخرج والكاتب المسرحي، الذي لفته "تجدد" الوضع الثقافي في مصر عبر إفرازه آليات استمراره من داخله، وهو ما يتضح جليا في "ظاهرة المبدعين الجدد في كل المجالات" سواء كانوا مستقلين أو داخل المنظومة الرسمية.

بعين الفاحص ينظر بهجت إلى الإنتاج المستقل السينمائي والإبداعي لقراءة الحجم الحقيقي لهذا الحراك، إضافة إلى "الدور الفعال" لوزارة الثقافة، ومنه إقامة المجلس الأعلى للثقافة للمؤتمرات الدورية التي تغطى كل مناحي الإبداع، وهو ما يحدث حراكا حقيقيا، وكذلك تجربة الأرشيف القومي للفلكلور الذي يقوم بتوثيق الثقافة الشعبية المصرية.

ويرى رئيس اتحاد الناشرين المصريين صاحب الدار المصرية اللبنانية محمد رشاد أن العام 2010 شهدا "زخما في النشر لمختلف الإبداعات في مجالات النقد والرواية والشعر والفكر والفلسفة"، مضيفا "أن عدد الناشرين المصريين الذين انضموا حديثا للاتحاد ازداد، كما فتحت العديد من دور النشر الجديدة".
 
حصول السيدة سوزان مبارك على جائزة "الشخصية الداعمة للمكتبات والنشاط الثقافي"، التي يمنحها الاتحاد العربي للمكتبات في بيروت كان إشارة حاسمة لمحمد رشاد إلى مستوى الثقافة المصرية الذي وصلته، إضافة إلى نيل ثلاث دور مصرية جوائز عربية كبرى.

ويضيف "استطاع اتحاد الناشرين المصريين أن يحصل على الاعتراف بمهنة النشر، والتصدي للقرصنة الإلكترونية على الكتب".
المصدر : الجزيرة
كلمات مفتاحية:

التعليقات