إرهاب فكري ضد منتقدي إسرائيل
آخر تحديث: 2010/12/20 الساعة 18:52 (مكة المكرمة) الموافق 1432/1/15 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2010/12/20 الساعة 18:52 (مكة المكرمة) الموافق 1432/1/15 هـ

إرهاب فكري ضد منتقدي إسرائيل

جنود إسرائيليون في متحف "الهولوكوست" بإسرائيل (رويترز-أرشيف)

ميرفت صادق-رام الله
 
بينما تهتز صورة إسرائيل بشكل متزايد بعد الحرب على غزة واستمرار حصارها للعام الخامس، وكذلك عقب هجومها على أسطول الحرية نهاية مايو/أيار الماضي، تحاول الحركة الصهيونية مجابهة جهود "نزع الشرعية" عن إسرائيل عبر "إرهاب فكري" عالمي يطول التحريض على كل من ينتقد سياسات الاحتلال وعنصريته.

أمس الأول، نشر معهد "سايمون ويزنتال" اليهودي في الولايات المتحدة لائحة من وصفهم بأنهم "الأشخاص الذين تلفظوا بالعبارات الأكثر إساءة لليهود في العام 2010".

وتصدرت عميدة مراسلي البيت الأبيض السابقة هيلين توماس القائمة على خلفية مطالبتها اليهود بمغادرة إسرائيل والعودة إلى أوطانهم، فيما حل وكيل وزارة الإعلام الفلسطينية الشاعر المتوكل طه في المرتبة الرابعة بسبب مقالته التي نفت الرابط التاريخي أو الديني بين اليهود والحرم القدسي وحائط البراق، الذي يسميه اليهود "حائط المبكى".

وطالت اللائحة شخصيات سياسية مثل رئيس الحكومة الماليزي مهاتير محمد وفنية كالمخرج الأميركي أوليفر ستون واقتصادية كالمدير التنفيذي للمصرف المركزي الألماني تيلو سرازين، على خلفية انتقادهم للمحرقة والسيطرة الصهيونية على الإعلام والسياسات العالمية.

المتوكل طه: إدراج اسمي بقائمة "المسيئين لليهود" غير مستغرب (الجزيرة نت)
ابتزاز وإرهاب
وتعقيبا على نشر اسمه في اللائحة، قال وكيل وزارة الإعلام الفلسطينية المتوكل طه إن الخطوة تخلو من الغرابة، خاصة بعد المواقف الأميركية المعلنة والمؤيدة للضحية الفلسطينية على حساب الجلاد الإسرائيلي.
 
وقال طه للجزيرة نت، إن نشر اسمه كمسيء "لليهود" أمر لا يثني موقفي وسأبقى منحازا إلى شعبي وقضيتي وأمتي".

ووصف طه هذا النوع من الإعلانات بأنه عملية ابتزاز وإرهاب وتخويف لكل من يعلن حقه في الأرض الفلسطينية والمقدسات ويناهض سياسة الاحتلال عليها.

ويأتي إعلان المعهد اليهودي غير منفصل عن سياق متواصل من الدعاية الصهيونية المضادة لمنتقدي سياسات إسرائيل الاحتلالية في الأراضي الفلسطينية، في محاولة -كما يرى النقاد- لإضافة صفة الإسرائيلي على كل ما هو يهودي، وبالتالي اعتبار أي انتقاد لإسرائيل مهاجمة لليهودية أيضا.
 
ممثل "الضحية"
وترى مديرة المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية هنيدة غانم أن المشكلة التي تواجه العرب والفلسطينيين حاليا هي ادعاء إسرائيل بأحقيتها الكاملة في رواية التاريخ اليهودي، خاصة فيما يتعلق بـ"المحرقة أو الهولوكوست".

وبناء على ذلك، تقول غانم إن الحركة الصهيونية تقوم بعملية تحويل كاملة لأي نقد موجه لإسرائيل باعتباره نقدا لليهود ومعاديا للسامية ومنكرا للمحرقة أو مشككا فيها، وفي هذا السياق هناك اعتبار دائم أن الإسرائيلي/اليهودي هو الممثل الشرعي والوحيد للضحية غير القابلة للمنافسة في العالم.
 
غانم: الصهاينة يريدون توحيد صورة اليهودي والإسرائيلي كضحية دائمة (الجزيرة نت)
وتصف غانم للجزيرة نت، إعلان "سايمون وزيتال" بأنه شبيه بعملية "صيد
الساحرات" في القرن الخامس عشر في أوروبا، بما يمثل محاولة لنزع الشرعية عن أي نقد موجه لإسرائيل، حتى لو كان نقدا تاريخيا موثقا أو سياسيا واقعيا.
 
وتقول غانم إن إسرائيل تعد رواية "المحرقة" مثلا رأسمال تقوم بتجييره لخدمة مصالح سياسية بشكل يسيء إلى الحدث نفسه، وذلك في محاولة للخروج من مأزق نتائج سياساتها العنصرية ضد الفلسطينيين عموما.

ولا تنزع إسرائيل إلى هذه الناحية عبثا، حيث تؤيد غانم وجهات نظر متصاعدة في أوساط المثقفين الإسرائيليين أنفسهم الذين يعتقدون أن إسرائيل تواجه أزمة حقيقية وجودية تهدد كيانها وتكمن في عملية نزع الشرعية عن الصهيونية عالميا.

وفي محاولة التصدي لذلك، تقول غانم إن "الحركة الصهيونية ومؤيديها في العالم يقومون بعملية استقطاب كل رأسمال تاريخي يتعلق بالمحرقة وتاريخ اليهود وجعله تاريخا لإسرائيل، وهذا ما يجب أن يجابهه الفلسطينيون والعرب والباحثون في العالم".

ولا تنفي الخبيرة في الشأن الإسرائيلي، التأثير الكبير لعمليات "الإرهاب الفكري" التي يمارسها الصهاينة عالميا لإخراس الأصوات المضادة، وبينت أن الأكاديميين الذين يحاولون نقد إسرائيل يخاطرون بوظائفهم ويتم إقصاؤهم أو تخفيض درجاتهم في جامعات العالم وحتى في الجامعات الإسرائيلية نفسها.
 
عجز بالمواجهة
ويذهب النائب العربي في الكنيست الإسرائيلي جمال زحالقة إلى القول إن ما تقوم به المنظمات الصهيونية في العالم وليس في الولايات المتحدة فقط، هو إستراتيجية منظمة لردع الناقدين، تنتشر أيضا في أوروبا، مشيرا إلى مخرج فرنسي قدم للمحكمة لأنه تحدث عن النكبة الفلسطينية.

زحالقة: العنصرية الإسرائيلية لم تعد مخفية وهي الآن مكشوفة ومفضوحة (الجزيرة نت)
وعن آليات المجابهة فلسطينيا وعربيا، يضيف زحالقة، للجزيرة نت، أن العنصرية الإسرائيلية لم تعد مخفية، وهي الآن مكشوفة ومفضوحة إذا كان هناك من يريد كشفها وفضحها، خاصة بعد سلسلة القوانين العنصرية التي تتبناها الكنيست ضد العرب والفلسطينيين عموما.

لكن زحالقة في المقابل، ينتقد العجز العربي والفلسطيني بهذا الصدد، مبينا أن الإستراتيجية العربية الفلسطينية باتت تركز على مسار واحد هو المفاوضات واعتمدت سياسة "تهدئة خواطر إسرائيل" بدلا عن فضحها عالميا.

ويعتقد أن الحكومة الإسرائيلية الحالية، رغم تطرفها وعنصريتها، حكومة ضعيفة ترضخ للضغوط الحقيقية، مقترحا حشد ضغط دولي لعزل إسرائيل ومحاصرتها عوضا عما وصفه "المداهنة والتفاوض".
 
نزع القداسة
وفي السياق نفسه، يرى الكاتب والأديب الفلسطيني سلمان ناطور أنه وإزاء محاولات تضليل العالم في توحيد صورة الإسرائيلي واليهودي معا، يتوجب الوعي بأشكال الملاحقة ومنع حرية التعبير لكل من ينتقد الرواية الصهيونية في العالم.

"
العالم ليس ملزما بتبني الرواية الصهيونية، لهم أن يقولوا روايتهم كما يريدون ولكن للآخرين أيضا الحق في أن يقولوا روايتهم كما يريدون، إذ لا توجد رواية تاريخية مقدسة

سلمان ناطور
"

ويقول ناطور، للجزيرة نت، إن إعلانات من قبيل ما قام به معهد "ويزنتال" لا يجب أن يتمدد تأثيرها، وأن "من يملك جرأة الحديث عليه أن يدافع عن موقفه، وعلى العالم الديمقراطي أن يواجه هذا الشكل من القمع وألا يوافق على كبت حرية التعبير إذا اعتبر نفسه ديمقراطيا حرا".

ويرى ناطور، الذي رفض مؤخرا المشاركة في مؤتمر ثقافي نظمته الخارجية الإسرائيلية بمدينة حيفا لكونه شكلا من التطبيع مع الاحتلال، أن أدوات مقاومة الرواية الصهيونية التي تحاول فرض نفسها بشكل أحادي باتت سهلة ومتاحة.
 
وهو في هذا، يعد الإعلام أهم الأدوات لإطلاع الرأي العام العالمي على سياسات إسرائيل في المناطق المحتلة أو غيرها، إضافة إلى دور مؤسسات حقوق الإنسان التي من واجبها الدفاع عن الحريات والعمل لحماية حق الناس في التعبير عن وجهة نظرهم.

لكن المشروع الأهم الذي يعتقد ناطور بضرورة السعي لتحقيقه عربيا هو التأكيد على أن كل موضوع في التاريخ قابل للدراسة، وفيه وجهات نظر متعددة، بما في ذلك قضية "الهولوكوست" والرواية الصهيونية لها.

ويرى ناطور أنه لا يمكن للعالم أن يقبل رواية واحدة حول حدث في التاريخ -وإن كان يمثل جريمة بشعة-، لأنه "حتى أبشع الجرائم يمكن أن تدرس ويظهر فيها آراء وحقائق مختلفة خاصة عند الحديث عن أبحاث تاريخية تعتمد على وثائق".

ويجمل الروائي الفلسطيني رأيه بأن العالم ليس ملزما بتبني الرواية الصهيونية، ويبين أن "لهم أن يقولوا روايتهم كما يريدون، ولكن للآخرين أيضا الحق في أن يقولوا روايتهم كما يريدون، إذ لا توجد رواية تاريخية مقدسة".
المصدر : الجزيرة

التعليقات