السيارة الشهيرة التي اغتيل فيها الرئيس جون كينيدي معروضة بمتحف فورد (الجزيرة نت)

زينب عساف-ديترويت
 
لا بد أن تفكّر وأنت تدخل المتحف الذي يحتوي عجلات كثيرة تعود بك إلى بدايات الثورة الصناعية، بأن الاقتصاد الأميركي يحتاج حاليا -لتدور عجلته من جديد- إلى رجال من طراز هنري فورد.
 
فصاحب مبدأ "الفوردية" القائم على إنصاف العامل ليصبح مستهلكا ذا قدرة شرائية عالية، كان أكثر من رجل صناعة وأعمال في التاريخ الأميركي.

لقد كان فورد صاحب رؤية. هذا الرجل، ابن صاحب المزرعة الأيرلندي والمهاجرة البلجيكية، رفض أن يكون مزارعا كأبيه، وهو أول من سوّق السيارة بوصفها وسيلة النقل الشعبية الأولى في العالم، وأول من رفع أجور العاملين لديه إلى أقصى مستوياتها على الإطلاق عندما جعل البدل اليومي خمسة دولارات، أي ما يعادل أكثر من مائة دولار اليوم.

عند باب متحف هنري فورد، الواقع في ديربورن بولاية ميشيغان، تستقبلك السيارات الرئاسية الرابضة بكل بهائها التاريخي والمزينة بالأعلام الأميركية، فلطالما كان لشركة فورد شرف تصنيع سيارة الرئيس منذ عربة الخيل التي استقلّها روزفلت (الذي كان يكره السيارات) في العام 1920، وصولا إلى الليموزين التي اغتيل فيها الرئيس الأسبق جون كينيدي في تكساس عام 1961، وحتى سيارة الرئيس ريتشارد نيكسون (1913–1994).

لكن هذا المقطع الرئاسي ليس كل شيء، بل هو فقط افتتاح موفّق لمجموعة تاريخية مهمة قامت شركة فورد بتصنيعها أو بتجميع بعضها من العالم أجمع احتفاء برمز الحضارة الأميركية أو السيارة التي قرّبت المسافات وافتتحت عصرا جديداً في مجال النقل البري.
 
أول حالفة أميركية استخدمت
في المواصلات العامة (الجزيرة نت) 
شعار الحرية
وفي هذا الإطار، ثمة قول شائع متداول إنه لولا السيارة لما كان هناك أميركا، وهو صحيح بمعنى ما لأن السيارة كانت وما زالت شعارا للحرية في نظر الأميركيين، ليس فقط حرية التنقّل والحركة واستكشاف مناطق جديدة في هذه القارة الشاسعة المترعة بالخيرات، بل أيضا حرية اختيار الوقت المناسب للسفر لأن الوقت هو الأثمن هنا.

غير أن ذوق الأميركيين الميكانيكي مختلف عن أذواق الشعوب الأخرى من حيث تفضيلهم السيارات الضخمة، والسبب وراء ذلك هو الظروف المناخية الصعبة والمسافات الهائلة التي تقطعها المركبة، وكذلك ترحال المواطنين بين الولايات المختلفة كلما لاحت فرصة عمل وعيش أفضل في الأفق، مما يضطر العائلات إلى حزم ما خفّ ولزم في "التراك" والانطلاق نحو مرحلة جديدة في حياة كانت محكومة بالنجاح حتى وقت قريب.

يمكن القول إن هنري فورد هو الرجل الذي منح كل أميركي سيارة، بعدما كانت ملكية السيارات محصورة في الطبقة الغنية قبله في بدايات القرن العشرين.
 
ويعود انتشار مركبات فورد إلى خفضه الأسعار عبر إدخاله وسائل جديدة في التصنيع وتسهيله قيادتها، وهذا ما أدى إلى تدشين شبكة طرقات سريعة جديدة ربطت مختلف الولايات بعدما كانت الطرق وعرة.

لكن المتحف لا يقتصر فقط على السيارات بل يرصد أيضا لبدايات العربات المستخدمة في مختلف نواحي الحياة العصرية وتطوّرها ضمن قسم سلالات "التراك"، الذي يضم مثلاً أول حافلة "رابيد" تعود إلى العام 1906 وتتسع لـ12 راكبا وتعرف باسم "توريست" أو السياحي وكذلك الحافلة التي استقلّتها الناشطة الأفريقية الأميركية في حركة الحقوق المدنية روزا بارك خلال الستينيات.

ويضم هذا القسم أيضا أول سيارة بريد استعملتها إدارة البريد الأميركية في العام 1902 أي بعد سنوات من مباشرتها توزيع الرسائل في العام 1896، إضافة إلى ذلك، لا ننسى أول سيارة إطفاء استخدمتها إدارة المطافئ في العام 1924، وكانت لا تزال تحمل طابع السيارة العادية إذا غضضنا النظر عن حجمها الضخم ولونها الأحمر المميز.

في القسم أيضا أول سيارة سباق صنّعها فورد وتعود إلى العام 1935 وأول دراجة في أميركا استُقدمت من نيويورك ويعود تاريخها إلى العام 1970.

أول عربة للبريد الأميركي (الجزيرة نت)
محيط عربي
لا يقتصر المتحف فقط على السيارات، بل يحتوي أيضا قسما خاصا بالطائرات الشراعية، يمكن للزائر فيه اختبار شعور الطيران عبر وقوفه أمام شاشة متحركة تمنحه وهْم التحليق في الطراز الأول من الطائرات.
 
وإضافة إلى قسم الطائرات هذا ثمة أيضا قسم آخر مخصص لأوائل القطارات وآخر لتطوّر عملية تصنيع الفرش الداخلي للمركبات.

باختصار أكثر، هذا المتحف هو تأريخ حيّ للسيارة، شعار الحداثة في عالمنا المعاصر، إضافةً إلى كونه شاهدا على تاريخ الإمبراطورية المتخبّطة في مشاكلها الاقتصادية حالياً.

هو طبعا ليس الوحيد في أميركا، لكنه يعدّ الأهم بسبب شهرة شركة فورد وولاية ميشيغان موطن شركات تصنيع السيارات الأول في العالم.
 
ولا بد من ملاحظة أن أكبر جالية عربية في الولايات المتحدة تقيم في هذه الولاية على مقربة من مصانع إنتاج السيارات، فالرجل الذي صنع لأميركا أول سيارة هو نفسه الذي جلب إليها أول عامل عربي، كان ذلك في منتصف القرن الماضي، عندما استقدم هنري فورد أوائل العمال العرب إلى مصانعه وكانوا من الجنسية اليمنية.

تلك المجموعة من العمال الفقراء المتجمعين في منطقة تُعرف باسم "ديكس" وتعاني من التلوث الصناعي ستكون نواة الجالية العربية الأكبر في الولايات المتحدة، لا سيما بعد هجرة اللبنانيين في بداية الحرب الأهلية خلال سبعينيات القرن العشرين ومن بعدهم العراقيين إثر ثورة الجنوب ضد الرئيس العراقي الراحل صدام حسين عقب حرب الكويت أوائل تسعينيات القرن العشرين.

تصميم لسيارة المستقبل معروضة
بمتحف فورد في ديترويت (الجزيرة نت)
موت سريري
بالطبع فإن قلة من الشبان العرب الأميركيين يعملون اليوم في شركات فورد، وكثير منهم لا يعرفون لماذا اختار أهاليهم هذه المنطقة بالذات للاستقرار فيها، لكنهم ليسوا الأقلية الوحيدة هنا.

فعلى مقربة من المنطقة العربية ثمة منطقة لا تقل جدلية بالمفهوم الأميركي وهي قلب مدينة ديترويت الذي شهد خلال الستينيات ثورة عارمة من الأفارقة الأميركيين في إطار حركة الحقوق المدنية، أدت إلى طرد البيض من المدينة والاستيلاء عليها.
 
وهو ما دفع بالمستثمرين إلى مغادرتها وتركها تعاني من موت سريري ما زال ممتدا حتى اليوم، لتصبح إحدى أكثر المدن التي يثير ذكرها الرعب في قلوب الأميركيين بسبب شهرتها المضخّمة باعتبارها مرتعا للجريمة والمخدرات وغياب القانون.

في هذه المدينة الغريبة المجسّدة للتاريخ الأميركي الحديث بكل تناقضاته ستكون لنا جولات تكشف للمتابع العربي التركيب الاجتماعي والاقتصادي والثقافي والسياسي للمجتمع هنا.

المصدر : الجزيرة