الكاتب الإسباني خوان غويتيسولو لدى تكريمه في مدريد (الجزيرة نت)

محسن الرملي-مدريد
 
لم يكد يمر شهران على قيام الملك الإسباني بتسليم جائزة "الدون كيخوته دي لامانتشا" العالمية للكاتب والمفكر خوان غويتيسولو عن مجمل أعماله، حتى أعلن في مدريد عن فوزه بجائزة أخرى تحمل اسم "كيخوته". وقال غويتيسولو -الذي يعد نفسه مستعربا- إنه يحز في نفسه أن أبناء جلدته يجهلون القيمة الفعلية لآداب العربية.

وجاء غويتيسولو من مقر إقامته في مراكش لتسلم الكيخوته الثاني التي تمنحها جمعية الكتاب المحترفين الأسبان سنويا لكاتب إسباني. وعبر عن سروره بهذه الجائزة، لأنها "بلا بروتوكولات وبلا لجنة تحكيم، مما يعني أنها غير خاضعة لمعايير السوق أو أي حسابات أخرى".

وهي بالفعل كذلك لأنها تقوم على تصويت المئات من أعضائها على عدد من الأسماء المقترحة، وكان من بين المرشحين لها هذا العام أيضا الشاعر والكاتب الإسباني الكبير أنطونيو غالا.

وقال رئيس جمعية الكتاب الإسبان خوان مويا إن هذه الجائزة يمنحها الكتاب لواحد منهم، "جائزة زملاء إلى زميلهم، وهي تمنح على مجمل الحياة الأدبية وليس الأعمال الأدبية فحسب، أي تؤخذ بعين الاعتبار النشاطات والمواقف".
 
 جمعية الكتاب الإسبان كرمت غويتيسولو (الجزيرة نت)
دور المثقف
ووصف مويا زميله الفائز بالجائزة غويتيسولو في حفل التكريم بأنه "ممن كرسوا حياتهم للدفاع ونشر قيم وقضايا عليا، وذهب بنفسه إلى مناطق الصراع في فلسطين والشيشان وسراييفو وغيرها، كما أنه حرص دائما على الدفاع عن دور المثقف وعن الكتابة الأدبية النوعية".

وتحدث أندريس سوريل رئيس تحرير مجلة (جمهورية الآداب) التي تصدرها الجمعية وسبق لها أن خصصت عددا ممتازا عن غويتيسولو، فقال "إن خوان لا يبحث عن الجوائز وليس ممن يسيرون خلفها وإنما يسير وراء أسئلته وقناعاته ومبادئه، ومن أجل أن يبقى الأدب وممارسة الأدب حيين دائما".

وأيده غويتيسولو بذلك حيث سبق له أن رفض تسلم جائزة القذافي العالمية، وقال "أنا بالفعل لا أفكر بالجوائز، وأحيانا أفكر بأنهم يمنحونها لي لكبر سني، إنه نوع من الخشية من فقدان الآخر والسعي لتكريمه قبل هذا الفقدان".

وأضاف "أنا نفسي لدي الإحساس في كل مكان أو لقاء مع شخص بأن ذلك سيكون الأخير وبأنني قريبا لن أكون هنا، هذا الشعور بخشية الفقدان إلى جانب الهدوء والحكمة هي من فوائد الشيخوخة".

وأضاف مازحا "والجوائز أيضا، فربما لو بلغت المائة من العمر سوف يمنحوني جائزة سرفانتيس"، وهو يلمح بذلك إلى أرفع جوائز الآداب الإسبانية التي كان اسمه حاضرا بين مرشحيها دائما كما في آخر دورة هذا العام، فقد بقي المرجح لها بقوة إلى أن أعلنت بأنها لماريا ماتوته التي تكبره بالعمر خمسة أعوام، وسبق لها أن نالت جائزة (كيخوته) هذه قبله بعامين.

الثقافة العربية
وبالطبع لم ينس غويتيسولو ذكر الثقافة العربية والتذكير بها قائلا إنه دائما كان "حريصا على تتبع شجرة عائلة الآداب أينما كانت"، وزاد "يزعجني بشكل حقيقي عدم اهتمام الكثيرين بالثقافات الأخرى، وهذا الجهل العام بالثقافة والآداب العربية، إنها ثقافة غنية وفيها آداب مدهشة".

غويتيسولو (يسار) والكاتب المكسيكي كارلوس فوينتس والكولومبي ماركيز بالمكسيك 2008 (الأوروبية-أرشيف)
وانتقد غويتيسولو من لا يسعون إلى معرفة الثقافة العربية، وأوضح "قال لي أحد الأصدقاء العرب المختصين بالدراسات الإسبانية: هل تعلم بأنك أول كاتب إسباني يعرف التحدث بلهجة عربية منذ راهب هيتا في القرن الرابع عشر؟ فتخيلوا ذلك، إنه لأمر يحز في نفسي".

الكتابة والحياة
ولأن الجائزة تمنح لأعمال الكاتب ولسيرته ككاتب، قال "أنا كاتب طوال حياتي، ولكن لا تعجبني حياتي ككاتب، وقد انتبهت إلى ذلك مبكرا وإلى ضرورة الفصل بين الكتابة وعملية الإنتاج وسوق الكتابة، بما يتطلبه ذلك من معاناة ومقاومة والدفاع عن الأدب أمام رقابات الدكتاتورية والدين والمجتمع وكذلك ضد منظومة مثقفي السوق".

وأضاف "لذا أحيي الشباب الآن وأعدها شجاعة منهم أنهم يكتبون، أقول ذلك وأنا أتخيل أن كاتبا شابا اليوم سيتعب ليبدع نصا خاصا ومتميزا أدبيا ثم يبعثه إلى الناشرين فلا يردون عليه لأنه لا يتماشى مع السوق، أعمال كالتي كتبتها أنا مثل (مقبرة) و(خوان بلا أرض) لو بعثها شاب اليوم إلى أي ناشر فلن ينشرها له، لذا أعدها شجاعة حقيقية أن يواصل الشباب اليوم الكتابة الأدبية".
 
يذكر أن غويتيسولو من مواليد برشلونة عام 1931، درس الحقوق لكنه لم يكمل دراسته، ترك عائلته المرموقة عام 1956 ليعيش في مهجر اختياري بباريس. وساند الكاتب حقوق الشعوب في المقاومة، وله مؤلفات عدة، لكنه اشتهر في العالم العربي بكتابه "إسبانيا في مواجهة التاريخ.. فك العقد"، ودافع فيه عن الثقافة العربية ودورها في التقريب التاريخي بين الشعوب والأمم.

المصدر : الجزيرة