لوحة للفنان الأميركي روبرت روشنبرغ (الجزيرة نت)

أنطوان جوكي-نيويورك
 
بمناسبة مرور عامَين على وفاة الفنان التشكيلي روبرت روشنبرغ، ينظّم غاليري غاغوسيان العريق في نيويورك معرضا ضخما له، يسمح لنا بالتآلف مع جميع المحطات التي عبرها بفنه؛ مناسبة نستغلها بدورنا للتعريف بهذا العملاق وبأبرز إنجازاته.

وروبرت روشنبرغ (1925-2008) هو بدون شك أحد أهم الفنانين الأميركيين في القرن العشرين، فبعد وفاة العملاق جاكسون بولوك عام 1956، تمكّن روشنبرغ من منح فن الرسم الأميركي نفسا جديدا عبر تطويره تقنيات فنية مختلفة مثل الرسم بالشاشة الحريرية (sérigraphie) والمونتاج الفوتوغرافي والحفر، إلى جانب فن الرسم والقطع الملصوقة على هياكل من خشب أو معدن أو ورق.

ويعتبر النقاد ومؤرّخو الفن نيل روشنبرغ جائزة "بينالي البندقية" عام 1964 أمام الفنان الفرنسي روجيه بيسيير الحدث الأول الذي يُثبت تقدّم مدرسة نيويورك الفنية على مدرسة باريس.

انطلقت شهرة روشنبرغ عام 1950 إثر شراء متحف نيويورك للفن الحديث الرسوم التزيينية التي رصدها لكتاب دانتي "الكوميديا الإلهية". ومباشرةً بعد هذه الأعمال، حقق لوحات أحادية اللون (بيضاء، سوداء أو ذهبية) على ورق جرائد أراد من خلالها إلغاء مبدأ التعبير عن الذات في الفن.

وتشكّل هذه الأعمال، خصوصاً "اللوحات البيضاء"، مرايا أو فضاءاتٍ غايتها استقبال انعكاسات العالم. وبين عامَي 1953 و1955، أنجز ملصقات وتركيبات من خيوط وحبال وورق وعصافير محنّطة وحجارة وصخور، حضّرت لانتقاله بين عامي 1958 و1961 إلى مرحلة "التشريكات" (combines) الجوهرية في سيرة إبداعه والتي انطلق معها تأثيره على الساحة الفنية الدولية.

أعمال روشنبرغ في "التشريكات" هجينة (الجزيرة نت)
خردة بصرية

وكما يشير عنوانها، تشكّل هذه "التشريكات" أعمالاً هجينة تختلط داخلها ممارسة فن الرسم بممارسة الملصق كما تتعاشق داخل فضائها عناصر مختلفة مستقاة من الواقع اليومي.
 
وبالتالي، فهي ليست لوحات أو منحوتات بل الاثنتان معاً، إذ تكتسح فضاء المتأمّل كخردة بصرية أعيد تحديد وظيفتها وتتراوح عناصرها بين حيوانات محنّطة وزجاجات كوكا كولا وصُحف وصور إعلامية وأقمشة وأبواب ونوافذ.
 
ويحافظ كلّ منها على طبيعته بدون أن يخفي العناصر الأخرى أو يطغى عليها؛ كما لو أن العالم بأكمله يدخل في تكوين هذه الأعمال كمادّة فنية. وفي تشريكاته الأخيرة، ذهب روشنبرغ إلى حد تطويره مقارنات بين الفنون التشكيلية والموسيقى أو ديكور المسرح.

وكان روشنبرغ يبرر هذه التشريكات بقوله "هذا ليس فنا من أجل الفن، أو أنه فن ضد الفن. إنه فن لا علاقة له إلا بالحياة".

وفعلاً، تنخرط هذه الاختبارات في سياق ابتكار جورج براك وبيكاسو فن الملصق كما تنخرط في سياق تركيبات الدادائيين وموقفهم من الفن. لكن روشنبرغ أعاد فيها ابتكار الممارسات المذكورة عبر منحها وقعاً مختلفاً.
فسليل الروح الدادائية هذا، تأثّر بتركيبات كورت شفيترس واعتبر، مثله، أن الفن والحياة ليسا سوى شيء واحد. لكن وفقاً لبعض النقّاد، استمدّ فن روشنبرغ مصادره من أميركا المعاصرة.
 
وما دمجه صورا مستقاة من الصحف والمجلات ومواد غير فنية في أعماله سوى ردّ فعل على تيار "التعبيرية المجرّدة" الذي سعى أربابه خلف تجسيد المطلَق، بينما الحقيقة هي أنه تأثّر، مثل جميع الفنانين الكبار، بمصادر مختلفة حديثة وقديمة، وسعى من خلال تشريكه عناصر مختلفة داخل أعماله إلى بلوغ "كلّيةٍ داخل اللحظة الواحدة".
 
 من أعمال المعرض (الجزيرة نت)
الشاشات الحريرية
وبعد التشريكات، انتقل روشنبرغ إلى مرحلة "الشاشات الحريرية" حيث تأخذ الصورة وعملية إعادة إنتاجها مساحةً أكبر في عمله وتتعايش مع اللوحات.
 
ومن خلال استخدامه تقنية نقل الصورة على الحرير بواسطة البنزين، يتجلى شغفه بالصورة الفوتوغرافية والذي لن يفارقه أبداً ويستحضر تردده في بداية مساره بين فن الرسم وفن التصوير ومصالحته لاحقاً للممارستين.

وبواسطة طُرُقه المختلفة في استخدام الصورة الإعلامية –نقل ومونتاج ولصق- تبدو هذه الأعمال كمرايا لتاريخ الولايات المتحدة خلال الستينيات، قبل أن يتخطى الفنان فيها بلده ليتناول العالم أجمع كموضوع شامل ووحيد.

ومن الحرير مروراً بالألومنيوم المصقول أو المطلي بالوَرنيش (سلسلة "أوربان بوبان") فالنحاس (سلسلة "بورياليس") والألمنيوم المفروك (سلسلة "نايت شايد") في التسعينات، وصولاً إلى سلسلة "أعمال مائية" (1992 و1993) المنفّذة على ورق، لن يتوقف روشنبرغ عن الاختبار وتقييم الإمكانيات الإبداعية لهيكل أعماله.

ومنذ لوحة بيكاسو "طبيعة جامدة مع كرسي" (1912) وعمل مارسيل دوشان "عجلة درّاجة" (1913) وملصقات وتركيبات شفيترس أو السورّياليين، استحضر الفنانون في القرن العشرين بشكلٍ ثابت الواقع داخل أعمالهم الفنية.
 
وفي هذا السياق، وكردّ فعل على جمالية التعبيرية المجرّدة التي كانت طاغية في الخمسينيات داخل الولايات المتحدة، أعاد روشنبرغ إدخال الواقع داخل عمله، واقعٌ كان قد توارى خلف ضربات ريشة بولوك ودو كونينغ وسائر رفاقهم الذين استهدفوا بلوغ المطلق والسامي داخل الفن.
 
اللوحات تلط فن الرسم بممارسة الملصق (الجزيرة نت)
المعنى والعمل
لكن بخلاف ملصقات بيكاسو التي تنخرط الأشياء أو المواد المستخدمة فيها داخل حبكة العمل الفني، تبدو الأشياء الماثلة في أعمال روشنبرغ وكأنها ملتقطة داخل شبكة تستقبلها وفي الوقت ذاته ترفض هويتها الأولى، مما يفجّر فكرة المعنى الواحد للعمل الفني.
 
وفي هذه العملية، لا ترتكز الصورة على تحويل الأشياء المستخدَمة بل على عملية نقلها من فضاء العالم إلى سطح اللوحة، كما لا تفقد هذه الأشياء كثافتها المادية بل تظهر بطريقةٍ ملحّة كمواد تشكيلية صرفة.

وفي أعمال روشنبرغ، يتحلى العنوان بأهمية كبرى ويشكّل غالبا نقطة انطلاقها. تحريضي، فكاهي أم مروع، يبدو كشيء إضافي داخل العمل الفني وكفكرة صلبة ومعقّدة تجبرنا على الدوران حول العمل لمنحنا الانطباع بأننا لسنا في المكان المناسب لتأمّله.

وحتى حين تحمل بعض أعماله إشارة "بلا عنوان"، يمنح روشنبرغ غياب العنوان كل قوته. فبذلك لا مدخل تمهيديا إلى موضوع العمل الفني يمكننا أن نتمسّك به، ولا نقطة انطلاق تسد فيض مخيّلتنا، بل نجد أنفسنا وحيدين أمام الاختبار المحسوس والمفتوح لهذا العمل الذي يتطلّب منا تأمّل جميع عناصره لعدم إلحاح روشنبرغ على معنى يأتي على حساب معنى آخر.
 

"
لا يهمّني الماضي أو المستقبل. أنا دوماً في الحاضر وأسعى إلى الاحتفال به، على رغم محدوديّتي، باستخدامي جميع طاقاتي

روبرت روشنبرغ
"

تميز
باختصار، يتوق الفنان إلى تحقيق أعمالٍ لا يمكن لشخصين أن ينظران إليها بالطريقة نفسها، وبالتالي يعتبر الفن عملية تميّز (individuation) مناهضة إلى كل ما يمكن أن يجمع بين البشر أو يوحّد خيالهم.

يبقى عنصر الزمن الحاضر بقوة في أعمال روشنبرغ، على رغم تصريحه "لا يهمّني الماضي أو المستقبل. أنا دوماً في الحاضر وأسعى إلى الاحتفال به، على رغم محدوديّتي، باستخدامي جميع طاقاتي".

فالبعد الزمني يظهر أولا في الصور التي تستحضر ماضيه أو الفن القديم، كما يظهر ضمن أنماط تعبيرية أخرى، كالمرايا الحاضرة بكثافة والتي تُسقط المشاهِد داخل العمل الفني وتعكس حاضره الآني، أو اللوحات المتعدّدة المصاريع التي تفرض على المشاهد تأمّلا على عدة مراحل زمنية، أو تلك التي أدخل عليها منبّهات وساعات حقيقية.

المصدر : الجزيرة