نوتومب تكتب حرب أميركا "القذرة"
آخر تحديث: 2010/12/14 الساعة 21:47 (مكة المكرمة) الموافق 1432/1/9 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2010/12/14 الساعة 21:47 (مكة المكرمة) الموافق 1432/1/9 هـ

نوتومب تكتب حرب أميركا "القذرة"

غلاف رواية "نوع من الحياة" (الجزيرة نت)

عماد فؤاد-بروكسل
 
"تلقيت نوعا جديدا من الرسائل هذا الصباح:
 
عزيزتي أميلي نوتومب..
أنا جندي من الرتبة الثانية في الجيش الأميركي، اسمي ميلفين مابل، وتستطيعين أن تناديني "مل"، منذ بداية هذه الحرب القذرة، منذ أكثر من ستة أعوام مضت، وأنا هنا في العراق، أكتب إليك لأنني أعبر الجحيم، ولأنني أحتاج لمن يستوعبني، وأنت تملكين القدرة على تفهمي واستيعابي. ردي على رسالتي، أرجو أن أتلقى منك ردا!
ميلفين مابل
بغداد
18 ديسمبر 2008"

هكذا تطالعنا الصفحة الأولى من الرواية الجديدة للكاتبة البلجيكية المثيرة للجدل إيملي نوتومب، التي عودت قراءها على كتاب جديد كل عام، فهذه الرواية التي تحمل الرقم (19) في سلسلة روايات الكاتبة الشابة (مواليد 1967)، تخرج إلى النور حاملة عنوان "نوع من الحياة"، وظهرت ترجمتها إلى اللغة الهولندية منذ أيام قليلة عن دار نشر "ميلنهوف مونتاو" بالعاصمة الهولندية أمستردام.

وكما نرى في السطور السابقة، تتورط الكاتبة البلجيكية التي تكتب بالفرنسية للمرة الأولى في تاريخها بتناول مباشر للسياسة في إحدى رواياتها، وأي سياسة؟ واقع وملابسات الحرب الأميركية على العراق، هذا الجزء المعتم الذي لا يظهر في الإعلام العالمي ولا تتناوله الصحف ولا يتحدث عنه أحد، التاريخ المسكوت عنه، أو الذي لا نعرف منه شيئا بعد.

من خلال تيمة المكاتبات والرسائل تنسج "إيملي نوتومب" أحداث روايتها الجديدة، حيث رسالة تصلها ورسالة تكتبها، رسالة تفكر بها ولا تكتبها ورسالة تكتبها ولا ترسلها، ورسائل أخرى من أشخاص وقراء آخرين تغني وتثري الحكاية الرئيسية، التي نغوص فيها عبر 174 صفحة هي كل صفحات روايتها الجديدة، الراوية الأساسية التي تمسك بجميع خيوط الحكي في العمل هي الكاتبة نفسها، باسمها الحقيقي وهويتها الحقيقية.

وتقول إيملي نوتومب في واحدة من جمل روايتها الجديدة:
 
"بعض الكلمات مثل الكلاب، شكلها جميل كالهدايا، تثير فيك حالة عطف غير مبررة وغير مفهومة، وحين تمتلكها يصبح عليك أن تحاذر منها"، هكذا تشعر حيال كلمات الجندي الأميركي في رسالته الأولى إليها، وتتوالي رسائله بدأب غير مفهوم من قبلها، وتشعر ككاتبة بأنها مجبرة على الرد عليه لأسباب إنسانية بحتة، "لأن كلماته إليها نابعة من احتياج حقيقي وصادق لمن يستوعب أزمته في تلك الحرب القذرة التي تدار ضد شعب لم يرتكب شيئا".
 
صرخة الإبادة
الكاتبة البلجيكية إيملي نوتومب (الجزيرة نت)
في رسائله اللاحقة، يحكي الجندي الأميركي للكاتبة سبب إصراره على الكتابة لشخص ما، احتياجه إلى شخص يسمع صرخته ويحكي له عن انقسامه النفسي الذي يشعر به كل يوم يقضيه داخل هذه المنظومة غير العادلة من إبادة أناس آخرين، فهو مصاب بصدمة من الحرب، صدمة جعلته يبدأ في ممارسة العقاب الذاتي على نفسه بأن يغرق في التهام أي شيء من الأطعمة، يأكل ويأكل ويأكل، وكي يعاقب الجيش الأميركي الذي دفع به إلى هذا الجحيم، يبدأ في سرقة الطعام من حصص زملائه الجنود الآخرين.

في إحدى رسائله إليها يكتب قائلا إنه "يعد ازدياد وزنه حالة مُرْضية له، ويشعر حيال عشرات الكيلوغرامات التي اكتنزها بحالة حب غريب، كما لو كانت هذه الكيلوغرامات حبيبة من نوع خاص"، بل يقول صراحة في رسالة أخرى إنه "يتعامل مع هذه الزيادة في جسمه على أنها شهرزاد، محبوبته العربية التي اكتشفها في بغداد"، وفي الآن نفسه يشعر وهو يلتهم كل هذه الكميات من الأطعمة كما لو أنه ينتقم من الإمبريالية الأميركية نفسها بالدسم الأميركي الصنع.

"يصبح الهامبورغر الأميركي المطعم بأنواع الجبن والمايونيز سلاحا جديدا لتحطيم هذا الكيان الصلف من العنجهية، هكذا قررت أن يكون ثأري من الجميع، من نفسي لمشاركتي في هذه الحرب، ومن "جورج بوش" الذي أحاربه بسلاح غبيّ اسمه الدسم".

تبدأ الراوية في التفكير بجدية أكبر في أزمة هذا الجندي المجهول، وبالتوازي مع هذا التفكير يبدأ شعور ما من عدم الارتياح يستولي عليها حيال رسائله المتواصلة، فهي ترسل إليه رواياتها المترجمة إلى اللغة الإنجليزية كي تشغله بقراءة أعمالها، وحين يرد عليها قائلا إنه اختارها تحديدا كي يراسلها لأنه اطلع بالفعل على جميع رواياتها المترجمة إلى الإنجليزية، وشعر أنها قادرة على تفهمه واستيعاب أزمته النفسية في ظل وجوده جنديا أميركيا بالعراق، تشعر الكاتبة بالحيرة أكثر، ما الذي تستطيع أن تفعله حيال هذا المجند المسكين.
 
ومن ثم تبدأ في تقمص شخصية الأم في تعاملها معه، فهي تكتب صراحة في واحدة من رسائلها إليه، ردا على إرساله صورته عاريا كي ترى بنفسها مدى البدانة التي وصل إليها: "لا تشمئز من بدانتك، ولا تحتقرها، تعامل معها باعتبارها أحد فنون الجسد، أنت بالنسبة لي تقف بجسدك البدين هذا في آخر مراحل الفن المعاصر"!

"
تدخل كاتبتنا الشابة بروايتها الجديدة الظاهرة نفسها عن الأدب الذي يتناول الحالة العراقية، ولكن من منطقة أكثر برودة، وأقل اشتباكا مع مأساة الملايين من أبناء الشعب العراقي
"
سخرية وسيرة
أي سخرية تلك التي تتعامل بها الراوية مع أزمة هذا الجندي؟! سؤال يفرض نفسه علينا ونحن نطالع الرواية، لكننا سرعان ما نتفهم موقف الراوية حين نعود قليلا إلى سيرتها الذاتية وإلى العديد من أعمالها الروائية السابقة، فهي قد عانت لسنوات طويلة من مرض النحافة أو ما يسمى بمرض الآنوركسيا، وتربت في طفولتها في اليابان حيث كان والدها سفيرا لبلجيكا هناك.

وتقول في أحد حواراتها ردا على اختيارها للعديد من الشخصيات البدينة أبطالا لأعمالها الروائية "أظن أن لذلك علاقة بمشاكلي الغذائية في طفولتي، لعل أوضحها مشكلة مرض النحافة الذي تعرضت له لسنوات طويلة، وكانت تجربة قاسية، لكن هناك أيضا تلك اللحظات من الهلوسة التي قد تكون قريبة مما يحس به المرء الشره بعد التهامه كميات كبيرة من الأطعمة، حال من عدم المتعة ومن عدم الإحساس بالراحة".

وتضيف في حوارها ذاك "يمكن أن نضيف أيضا واقع ولادتي وإقامتي في اليابان، إذ كنت متعصبة لمصارعي (السومو)، أي أن ذلك لعب دورا في نظرتي إلى البدناء بشكل عام، كنت أراهم يثيرون الخوف".‏

السؤال الذي يبقى في أذهاننا ونحن ننتهي من هذا العمل الجديد لهذه الكاتبة الاستثنائية في الأدب البلجيكي المعاصر، هو: ألم تهرب إيملي نوتومب نفسها من واقع الحرب الأميركية على العراق بكتابتها لروايتها هذه؟

نشعر في بعض الصفحات وكأن الكاتبة تساير موجة الكتابات الرائجة التي تتناول هذه الحرب غير العادلة، بحثا عن الرواج لا أكثر ولا أقل، فبعدما كتب الروائي الأميركي الشهير بول أوستر روايته "رجل في الظلام" متناولا فيها حال الحرب الأميركية على العراق من داخل المجتمع الأميركي نفسه، وبعدما قدم الروائي البيروفي حائز نوبل للآداب لهذا العام ماريو فارغاس يوسا يومياته الفاتنة عن عراق ما بعد صدام حسين، تدخل كاتبتنا الشابة بروايتها الجديدة الظاهرة نفسها عن الأدب الذي يتناول الحالة العراقية، ولكن من منطقة أكثر برودة، وأقل اشتباكا مع مأساة الملايين من أبناء الشعب العراقي.

فبالمقارنة مع إصرار بطل روايتها على الكتابة إليها التي تصفها الكاتبة بأنّها "نابعة من احتياج حقيقي وصادق"، نشعر بأن كتابتها للرواية لم تتعد الرغبة في تناول موضوع يزيد من رواج عملها.
 
"
ليس هناك إحساس حقيقي بمأساة هذا الجندي الذي "يعبر الجحيم" على حد تعبيره في رسالته إلى الكاتبة الشهيرة، بل ثمة نوع من الترفع في طيات الرواية
"
يعبر الجحيم
ليس هناك إحساس حقيقي بمأساة هذا الجندي الذي "يعبر الجحيم" على حد تعبيره في رسالته إلى الكاتبة الشهيرة، بل وثمة نوع من الترفّع نشعر به في طيات كلمات الرّاوية وهي تخاطب الجندي في رسائلها، وكأنّ المسافة بين بغداد وباريس -مكان إقامة نوتومب- من المستحيل أن تختصرها رسالة كتبت من جندي أميركي يمارس تعذيبا ذاتيا على جسده، نكاية في مشاركته هذه الحرب المدمرة ضد إنسانيته.

يذكر أن إيملي نوتومب من مواليد اليابان عام 1967، حيث كان والدها سفيرا لدى اليابان للمملكة البلجيكية، ولها العديد من الروايات، من بينها: نظافة قاتل-1992، وزئبق-1998، وذهول وارتجاف-1999، وما قبل كريستا-2003، ودخول المسيح إلى بروكسل-2004، وحمض الكبريتيك-2005، وبيوغرافيا الجوع-2006، ويوميات سنونوة-2007، ولا من حواء ولا من آدم-2007، ونوع من الحياة-2010.

ورشحت نوتومب مرتين لنيل جائزة الغونكور الشهيرة دون أن تنجح في الفوز بها حتى الآن وتقيم حاليا في باريس، وتعدها الأوساط الفرنسية الكاتبة الأشهر اليوم بفضل غزارة وتميز إنتاجها الأدبي، وحصلت روايتها "ذهول ورهبة" على الجائزة الكبرى للأكاديمية الفرنسية للعام 1999.
المصدر : الجزيرة

التعليقات