"الوسط الثقافي" حالة يفتقدها شعراء المهجر في أوطانهم الجديدة (الفرنسية-أرشيف)

جاكلين سلام-تورنتو
 
ابتعد شعراء وفنانون ومبدعون عرب كثيرا عن "مدارج الطفولة" بحكم الانتقالات المعاشية والحياتية، واستقر كثيرون خلف غياهب الأطلسي، معيدين بذلك سيرة مبدعين هاجروا في القرن الماضي وعرفوا باسم "المهجريين" في أدبيات النقد والتأريخ، وبفارق الزمن والحياة، يعيش المهجريون الجدد هموما وخيبات، وأيضا طموحات وآمالا.

وللتعرف على تجربة الشعراء المعاصرين في المهجر ونظرتهم إلى مسألة الهوية واللغة والجغرافيا، طرحنا سؤالا على عدد من الشعراء يتعلق بالمكان الجديد (المهجر-المنفى-المغترب) والأثر الذي تركه على مسيرة الفرد الإبداعية، انقطاع أم اعتزال أم تجديد ومواصلة واغتناء من روح ولغة المكان الآخر؟

وتقول الشاعرة المصرية إيمان مرسال إن "الحياة في مكان آخر، في حالتي على الأقل، هي اختيار وليس منفى". وتضيف "عندما أفكر ببعض الأصدقاء الفلسطينيين والعراقيين على سبيل مثال وكيف دفعوا للمغادرة ضد إرادتهم بسبب الاحتلال أو استحالة العيش في أماكن ولادتهم أتأكد أن تجربتي هي اختيار شخصي يجب أن أظل مسؤولة عنه".
 
وتضيف "لقد تركت مصر لأجرب حياة جديدة، وأنا أعرف أنه يمكنني العودة في أي لحظة، وأن هناك من التورطات والانتماءات والأصدقاء ما يشجع على هذه العودة المؤجلة عاما بعد عام".

وتتقاطع هذه الشهادة مع رأي الشاعر والناقد والرسام العراقي هادي ياسين، إذ يبدي بداية تحفظه على مفردة المنفى، "لأن عملية النفي قد ألغيت تماما منذ عقود طويلة، ذلك أن الحكومات العربية اكتشفت أن (المنفي) سيكتسب (قيمة) على يدها حين تنفيه، فباتت لديها وسائلها المبتكرة الأكثر مضاء ولجما. عليه فإن الذي يعيش خارج بلاده بصورة دائمة الآن هو إما مهاجر أو لاجئ بمساعدة مفوضية شؤون اللاجئين".
 
إيمان مرسال (الجزيرة نت)
نسبة ضئيلة
ويقول ياسين إن بين ملايين اللاجئين أولئك نسبة ضئيلة جدا جدا من المبدعين في ميادين الإبداع المختلفة. ويوضح "هؤلاء هم في مقدمة من اتخذوا قرار خروجهم من بلدانهم بملء إرادتهم، ولكن سعي هؤلاء يختلف كثيرا وأحلامهم أبعد، لأنهم يهاجرون وفي حساباتهم أنهم سيجدون الفردوس الحقيقي الذي بإمكانهم أن يرتعوا فيه وينجزوا ما يحلمون به من إبداع".

أما الشاعر السوري فادي سعد المقيم في الولايات المتحدة فيعبر عن اغترابه بالقول "الاغتراب تحليق مبتور، ما إن يبدأ حتى يحاول أن ينتهي، بدء جديد وعاصفة. بأسنانه يتمسك بجذوره، وفي الأثناء، يحفر حثيثا، وعلى مهل تضاريسه في الفكرة والمخيلة والرؤية، والكتابة".

الهوية والمكان الجديد
وعن الهوية وإحداثيات المكان الجديد، تقول الشاعرة مرسال "رغم أني هنا منذ أكثر من عشر سنوات، لا أرى نفسي مهاجرة على الإطلاق، فلم أغادر مصر من أجل (حياة أفضل) بل من أجل (حياة مختلفة) في أرض لا أعرفها. مع السنوات أصبح هناك إحساس غامض بأنك يمكن أن تعيش في أي مكان في هذا العالم وأن تحاول ممارسة أو التعبير عما يخصك في اللحظة دون أوهام كبيرة عن التخلي أو الحنين أو عن خطر ضياع الهوية.

"
عملية النفي ألغيت تماما منذ عقود طويلة، فالحكومات العربية اكتشفت أن المنفي سيكتسب قيمة على يدها حين تنفيه

 هادي ياسين

وتقول "الهوية نفسها ليست شيئا نرثه ثم نحميه من تجاربنا أو اختياراتنا بل هي مشروع دائم للاختبار والتشكيل فيما أظن".

ويجد الشاعر ياسين "بين أعداد الملايين من المهاجرين واللاجئين ثمة نسبة ضئيلة جدا جدا من المبدعين في ميادين الإبداع المختلفة. وهؤلاء هم في مقدمة من اتخذوا قرار خروجهم من بلدانهم بملء إرادتهم، ولكن سعي هؤلاء يختلف كثيرا وأحلامهم أبعد، لأنهم يهاجرون وفي حساباتهم أنهم سيجدون الفردوس الحقيقي الذي بإمكانهم أن يرتعوا فيه وينجزوا ما يحلمون به من إبداع.

ولكن الذي يحصل حسب ياسين هو أن هؤلاء سيكونون أول المصدومين وقبل الجميع بأنهم "كانوا مدفوعين برياح الأوهام". ويضيف "إذا كان المهاجر العادي يشعر بالغربة العامة المعروفة، فإن غربة المبدع غربة مزدوجة: غربة اجتماعية وغربة ثقافية، فلا أحد يستمع للشاعر، ولا أحد يقرأ للروائي والقاص، وليس من جمهور للتشكيلي ولا فرصة للسينمائي والمسرحي والموسيقي، أما الناقد فيهذي مع نفسه" مستدركا أن هناك حالات استثنائية نادرة جدا.
 
هادي ياسين
تجربة خاصة
غير أن هذه الإشكالية التي عبر عنها ياسين لا تدخل في حسابات الشاعرة المصرية مرسال، إذ تقول "لا أوافق كثيرا مع تصور أن هناك خصوصية لشخص الكاتب تجعل اغترابه أقسى أو أكثر تميزا من الآخرين ممن ليسوا كتابا، أعتقد أن الاغتراب له علاقة بالفردية سواء كنا نعيش في بلادنا أم لا، وسواء كنا كتابا أم لا، ولهذا لا أتخيل أن وجودي في كندا قد أثر على كتابتي بشكل خاص".

أما الشاعر سعد فيشير إلى هذه التجربة كما لو أنها اصطدام صاعق، ويقول "هذا الاصطدام والاحتكاك الصاعق بخصوصيته الجغرافية في تجربة (الاغتراب)، اللذان يتحولان إلى طقس خاص من الدوار، ورحم خصبة من الأسئلة، لا يسعه إلا أن يتحول إلى حبر ونص وتعبير".

ويؤكد سعد أن تجربة الاغتراب يمكن أن تعمل على "تحوير الرؤية"، أي رؤية الأشياء والأحداث، رؤية الماضي وأساليب التعبير، ورؤية المستقبل، مما قد يفتح أمام التجربة الإبداعية آفاقا لا نهاية لها.

اللغة الأم
أما كيف يعالج المغترب اقتلاعه عن اللغة الأم، فيرى سعد أن لكل تجربة خصوصيتها، فالكاتب يمشي "على الخيط المشدود بين نقيضي الانقطاع والتمسك، حاملا خوفه من إهمال الأصول، ورغبته في التأثر والتفاعل، كمن يقيس وزنه باستمرار ليتأكد أنه لم يكسب أكثر من اللازم".

لكنه يستدرك بالقول إن المكان والاغتراب ليسا شرطين حصريين لعيش هذه المعادلة، فأي كاتب عربي، أينما وجد، يتمدد في كتابته على أرض هذه الثنائية، "في الماضي القريب والحاضر الحالي، لكن ما تفعله مسيرة الاغتراب وتجربة المكان أنها تبرزها أكثر حدة وأكثر صدامية".

فادي سعد (الجزيرة نت)
ويصف المبدع الشاعر والناقد العراقي ياسين المأزق بالقول "ما دامت اللغة، التي هي العنصر الأول والأساس في الإنتاج والتلقي، فإن غياب التعامل بها في مجتمع يستخدم لغة مختلفة، يعني لطمة مباشرة تطيح بآمال المبدع الذي قدم من بلاد له فيها جمهور ومتلقون ومتابعون، وهذا يعني غياب عنصر آخر أساسي، وهو الوسط الثقافي".

وتلخص مرسال تجربتها في هذا الصدد بالقول إن علاقتها بالكتابة وهي في المهجر مرت بعتبات مختلفة، "ففي السنوات الأولى كان تواصلي مع عالمي القديم في مصر محدودا كما توقفت تماما عن نشر ما أكتبه بالعربية وركزت على القراءة والكتابة بالانجليزية، وأردت أن أعيش في هذا المجتمع الجديد وأن أعمل وأتحرك فيه".

وتضيف "منذ أربع سنوات ربما، بدأت أشعر براحة أكبر في التنقل بين المكانين مصر وكندا، هناك أسباب إجرائية لذلك، كأن يكون لي بيت في القاهرة أمارس فيه حياتي اليومية بمجرد الوصول، أو مثل وجود وسائل جديدة تجعلك تتابع ما يكتب ويحدث بجهد أقل مثل الإنترنت والفيسبوك وإسكايب وغيره، لكن الأهم فيما أعتقد أن نعرف أن الاغتراب ليس مأساة ولا ميزة يتمتع بها من هم في وضعي. وعلينا أن نتذكر دائما أننا كنا نشعر بذلك في بلادنا..".

"
الحياة في الغرب والقراءة بلغة أخرى وتعلم طرق جديدة في احترام الوقت قد يساعد شخصا ما في تطوير وعيه

إيمان مرسال
"

القلادة الملعونة
ويرى فادي سعد الوجه الآخر من تجربة المهجر، التي حسب قوله لا علاقة لها تحديدا بمسيرة الكتابة والإبداع عموما، فللهجرة وجه آخر غير هذا العرض المضيء، "وجه لا علاقة له بمسيرة الإبداع تحديدا، لكنه مرسوم بملامح تجثم ثقيلة فوق قلب هذه المسيرة، تنشب أظافرها في لحمه الغض، توجعه غير قاصدة أحيانا، أو حتى اغتياله لدى البعض. ملامح تغيب فيها دفء العلاقات الإنسانية المباشرة، ويتحول عبرها الأصدقاء إلى رموز صوتية وإلكترونية. ملامح تشكلها عزلة المسافة ودخان المدافئ".
 
ويضيف "في هذا الجانب، الاغتراب قلادة ملعونة أحملها وغيري الكثير من أدباء المهجر".

أما الشاعرة إيمان مرسال فتشير في المقابل إلى بعض المكتسبات الحياتية اليومية، وتقول "لا أصدق أن الحياة في مكان آخر بحد ذاتها تطور من وعي أحد أو من كتابته، مع ذلك لا أنكر أن الحياة في الغرب والقراءة بلغة أخرى وتعلم طرق جديدة في احترام الوقت قد يساعد شخصا ما في تطوير وعيه".

أما هادي ياسين المقل في نشر الشعر، فيقول "الشعر مازال يلوث حياتي، ولكني -كعادتي- مقل في النشر.. كما أن المواقع والصحف العربية ما زالت متمسكة بعادتها العربية الأصيلة في عدم الدفع أو في الالتفاف على المبدع، وحتى إذا ما دفعت فبذات الطريقة العربية في المهانة. إنها تتهافت على تلقي المادة الثقافية من المبدع فقط. ولا تختلف إدارات المهرجانات عنها في العروبة بتسيد روح الإخوانيات والمحسوبيات في الدعوات. أليس هذا عيش سمكة في حوض؟".

المصدر : الجزيرة