حسين نشوان
 
بعد نحو نصف قرن من رحيله، لا يزال اسم سيد قطب يتنقل بين معارضيه مؤسسا للفكر "التطرفي"، وبين مريديه حارسا لأفكار جماعة الإخوان المسلمين، وبين الأدباء والنقاد والدارسين واحدا من المؤسسين لنظرية النقد الأدبي التي توائم بين الأصالة والحداثة.

قطب، المولود عام 1906 في قرية موشة في صعيد مصر متحدرا من عائلة وفدت من الهند، لم ينج من نقد كان آخره على لسان الشيخ يوسف القرضاوي الذي قال إن قطب في كتاباته الأخيرة "خرج عن أهل السنة والجماعة" وتحديدا في مسألة "التكفير"، ولو قدرت له الحياة "لعدل أفكاره"، حسب القرضاوي.
 
وكان الناقد الراحل رجاء النقاش سبق القرضاوي بانتقادات طالت الفكر السياسي لقطب، وتحديدا رأيه الذي نادى به في كتابه "معالم في الطريق"، الذي يقول قطب "إن القومية العربية هي دعوة من دعوات التآمر على الإسلام"، بيد أن النقاش رأى أن منهج قطب في تفسير القرآن الكريم "أفضل المناهج الحديثة في النظر إلى القرآن وفهمه (...)، وقدم أفضل ما في هذا الكاتب المفكر من إمكانيات أدبية وفكرية".

لكن هذه المساحة من الخلاف على كتابات قطب وآرائه لم تطل شخصيته التي ظلت محل احترام حتى لدى خصومه. وصنف الدارسون حياة قطب إلى مرحلتين، الأولى تقف عند الأدب، وتدور الثانية حول العمل الإسلامي، فيما صنفها آخرون بين "الجاهلية" و"الإسلامية".

وفي كليهما ظل الرجل ينهل من مرجعية فكرية تتأسس على الانحياز للفقراء، ووضوح في موقفه من الغرب والمرأة وقضية فلسطين والسلطة والصراع الطبقي، وهو ما جعل بعضهم يطلق عليه "ماركس الإسلامي"، فيما ذهب كتاب ذوو نزعة "استشراقية" إلى اتهامه بـ"اللا سامية".

 القرضاوي يرى أن قطب لو قدرت له الحياة لعدل أفكاره (الجزيرة نت) 
ثورة يوليو
مفارقات كثيرة في حياة قطب الذي نال شهادة البكالوريوس في الآداب من كلية دار العلوم في العام 1932، ليس أولها أن ثورة يوليو التي امتدحها ووصفها بـ"الثورة" بعد أن كان يطلق عليها "حركة الجيش"، هي التي "قاصصته" بالإعدام في العام 1966.

وتكمن المفارقة أيضا في أن الدولة التي يعدها سبب مصائب الأمة "أميركا"، كانت حاضنة تعليمه العالي، كما أن كتاباته الأولى بدأت من منبر حزب الوفد، لتقدير يكنه للأديب عباس محمود العقاد، وأن معاركه الأدبية التي خاضها لمصلحة آخرين تركته وحيدا عندما توفر له قطف ثمارها للدرجة التي يئس فيها من كل شيء وقارب من الإلحاد كما يقول أبو الحسن الندوي في كتابه "مذكرات سائح من الشرق".

في كتاباته نوع قطب بين الأدب والدين والاجتماع والسياسة، وظل منسجما مع أفكاره وأساليبه الأدبية والجمالية، ففي الوقت الذي اختار فيه الأدب طريقة للتعبير عالج قضاياه من منطلق فكري رصين، وعندما انقطع للعمل الإسلامي سيطرت على أسلوبه جماليات الأدب، ليقال إنه "بدأ أديبا، ومات أديبا".
 
وعلى انشغالاته الكثيرة، بقيت اللحظة الأخيرة الأكثر حضورا في أذهان الناس، وكادت تضيع ما قدم في الشعر والصحافة والنقد الأدبي، وربما يكون ذلك لعوامل تتصل بدوره التنظيري، ومؤلفاته الإشكالية، والإعلام الحزبي "للجماعة" الذي أهمل الجانب الأدبي لمصلحة الدعوي والنضالي، خصوصا أن الحركة الإسلامية في الخمسينيات والستينيات كانت مستبعدة من الحياة السياسية.

مسيرة قطب الأدبية بدأت مبكرة في الأدب العربي الذي يضعه في مصاف الرواد، ونشر إنتاجه على صفحات مجلات منها: "الرسالة" و"المقتطف" و"البلاغ الأسبوعي" و"الثقافة" و"الأهرام" و"الأسبوع" و"الفكر الجديد".. ومبكرة في تجربته الشابة وقت أصدر كتابه الأول بعنوان "مهمة الشاعر" في العام 1933 قبل أن يتخرج في دار العلوم، وقد أثنى عليه د. مهدي علام.
 
"
وصف قطب أميركا التي نال منحة دراسية لدراسة مناهج التربية فيها في العام 1948، في رسائله إلى أصدقائه بالورشة الكبيرة التي تملك القدرة على الإنتاج المادي، ولكنها فقيرة أو عقيمة في جانب المشاعر
"
معارك أدبية
كتب الشعر، إلا أنه لم يرق إلى ما تحقق وقتذاك عند قامات الشعر العربي، وخاض عددا من المعارك بالإنابة مدافعا ومنافحا عن العقاد، وخاض معارك ضروسا ضد مصطفى صادق الرافعي ومريديه، كما خاض معارك مع محمد مندور ودريني خشبة، وهي معارك ليست حول الشعر المهموس الذي دعا إليه مندور، ولكن لأن مندور قدح بطرف خفي في مكانة العقاد.

كان قطب عنيدا وصلبا في معاركه إلى درجة "التحيز والإيمان الذي لا يساوره الشك بعدالة قضيته"، ما انعكس على مواقفه السياسية والأدبية، وتحديدا من الغرب.

وهو يصف أميركا التي نال منحة دراسية لدراسة مناهج التربية فيها في العام 1948، في رسائله إلى أصدقائه بـ"الورشة الكبيرة التي تملك القدرة على الإنتاج المادي، ولكنها فقيرة أو عقيمة في جانب المشاعر"، ومثل ذلك مع السلطة المصرية والنظام الناصري، عندما طلب منه توقيع استنكار، فقال إن "إصبعي الذي أشهد به لا يوقّع على ما يخالف عقيدتي"، وكان له موقف متميز من المرأة، فـ"المرأة تشترك مع الرجل في إنسانيتها".

كتبه زادت على 25 كتابا، وله ما يزيد على 400 مقالة في شؤون الحياة. ومن كتبه "في ظلال القرآن"، و"معالم في الطريق". وكتب في النقد والرواية والسيرة، ومن مؤلفاته الأدبية "النقد الأدبي.. أصوله ومناهجه" و"التصوير الفني في القرآن" و"طفل من القرية" (سيرة ذاتية) و"أشواك" (رواية)، و"المدينة المسحورة" (قصة أسطورية)، و"كتب وشخصيات"، و"الدلالة النفسية للألفاظ والتراكيب العربية" و"وظيفة الفن والصحافة" و"مهمة الشاعر في الحياة".
 
"
يرى قطب في النقد مهمة تنويرية لا تخلو من أيديولوجيا، إذ إن كتابه "التصوير الفني في القرآن" عمل أدبي يتعامل مع النص القرآني كنص أدبي "وظيفي" يؤثر في حياة المسلمين
"
نقد وتنوير
يرى قطب في النقد مهمةً تنويرية لا تخلو من أيديولوجيا، إذ إن كتابه "التصوير الفني في القرآن" عمل أدبي يتعامل مع النص القرآني كنص أدبي "وظيفي" يؤثر في حياة المسلمين. وينبع تأثير قطب ككاتب ومنظر إسلامي، من قدرته الأدبية وسحره في التعبير، سواء كان هذا في كتابه "في ظلال القرآن" أو "في معالم في الطريق".
 
أفاد من دراساته التربوية وثقافته في قراءة الفلسفة، باقتراح منهج للنقد الأدبي يوازن بين المقولات التراثية والتيارات الغربية التي لم يسحب عليها موقفه من "الغرب السياسي"، بل كتب بإعجاب عن عدد من التجارب الأدبية الغربية.

يمتاز أسلوب قطب بشعرية في النثر، وميل إلى الغنائية في الشعر، تنبأ لشعر العقاد بعدم الصمود أمام الزمن بسبب انصرافه إلى الذهنية، وتحيز لأعمال الشباب، واهتم وقتذاك بأشعار نازك الملائكة وفدوى طوقان وأبي القاسم الشابي، كما قدم عددا من الأسماء، منهم: اليمني عبده غانم، والأردني يوسف العظم.

تناول كثير من الباحثين مساهماته النقدية والأدبية، غير أنها تناولات ظلت قليلة مقارنة مع دراسات عنيت بمؤلفاته، وظلت تركز على الجانب الدراماتيكي، وجهاده أو سجنه وتعذيبه وإعدامه، ولم تلم بالجوانب الأدبية والإصلاحية، وفترة الصراع النفسي التي أعقبها انضمامه للحركة الإسلامية.

وأخيرا، فإن رحلة سيد قطب مع القرآن الكريم اتسمت بالنظرة الشاملة التي عالج من خلالها الكثير من القضايا التي تخص الأدب الإسلامي من زاوية الأديب الناقد.

المصدر : الجزيرة